"ورقة" تحاصر شعباً
بقلم : خليل حرب
لماذا لا يزال الجنرال انطوني زيني في إسرائيل
على الرغم من تلاشي الجهود السياسية وطغيان الخيار العسكري؟!.
ولماذا تعلن واشنطن انها متفائلة بمهمته في
الوقت الذي تضيّق فيه إسرائيل المساحة المتاحة أمام ياسر عرفات للتحرك داخل ما تبقى
من غرف مقره؟!.
وكيف يمكن ان تشن عملية عسكرية بمثل هذا الحجم
والأهداف بوجود الوسيط الأميركي ولمّا يمر على طرحه ورقة اقتراحاته 48 ساعة، ولما
يمض أيضا على مغادرة ديك تشيني بضعة أيام؟!.
وكيف يمكن ان يفسر <<صمت>> زيني في
القدس المحتلة، و<<تفهم>> جورج بوش لحاجات إسرائيل
<<الدفاع>> عن نفسها في حين يدعو كولن باول الرئيس الفلسطيني المطوق
لبذل جهد أكبر في محاربة الإرهاب؟!.
ثم هل تأكد الآن ان مهمة تشيني في المنطقة لم
تكن الموضوع العراقي حصرا؟!. وهل ثمة امكانية للقول ان الاعتراضات العربية على ضرب
العراق فتحت الطريق أمام اعطاء الضوء الأخضر لشارون لاخماد الانتفاضة وفق ما
يرتئيه؟!. ام ان اخمادها سريعا بات مطلبا أميركيا ملحا بانتظار نضوج الهدف الجديد:
العراق؟!.
<<حصار اذلال>>،
خنق عرفات، وتفاؤل أميركي. هناك اعتراف أميركي غير معلن رسميا بأن
<<التقدم>> في مساعي زيني مرهون بتضييق حصار عرفات أكثر فأكثر، وبأن
المخرج الوحيد له قد يكون بايصال ورقة من الجنرال الأميركي الى الغرفة اليتيمة
المطوقة بالجنود ليخط عليها الرئيس الفلسطيني توقيعه.
قبل بدء اقتحام مقر عرفات، كان مسؤولو السلطة
الفلسطينية يبدون <<تحفظات>> على مقترحات زيني، ويوجهون بين الحين
والآخر انتقادات لطبيعة الدور الأميركي في المفاوضات.
لكن المسألة أخذت منحى جديدا في الأيام الماضية
حيث انتقل الاستياء الفلسطيني الى مرحلة اتهام واشنطن بتغطية اجتياح رام الله،
وصولا الى حد الاتهام الصريح الذي وجهه ياسر عبد ربه الى ديك تشيني بالضلوع في
مخطط الهجوم.
فقد نقل عن عبد ربه قوله <<تم ترتيب
الخطة العسكرية خلال زيارة تشيني، وتم الاتفاق خلال الزيارة ان تقدم إسرائيل شروطا
لنا عبر زيني، وان يتبنى زيني الشروط وهي استسلامية ومذلة>>.
أدرك الفلسطينيون ان مقترحات زيني مرتبطة
مباشرة بعدوان <<سور الدفاع>>، الاسم الحركي للهجوم على رام الله.
وأدركوا ان ما قبلوا به في <<تينيت>> لم يعد كافيا، وان هناك حاجة
إسرائيلية وتفهما أميركيا لذلك للتفاوض لتعديل خطوات وقف اطلاق النار.
لم يكن امتناع تشيني عن لقاء عرفات المحاصَر
مجرد تعبير عن استياء ما. كان الأمر إشارة صريحة للحكومة الإسرائيلية للمضي قدما
بخطة المعالجة العسكرية وتوسيعها، وهو ما يعكس الاصرار الأميركي على القبول بالطرح
الإسرائيلي المتمثل بتغليب كل ما هو <<أمني>> على كل ما هو
<<سياسي>>.
فسواء كان الأمر متعلقا ب<<تينيت>>
او ب<<زيني>>، فإن فحواهما ترتيب أمني، أي وقف اطلاق نار، لا أكثر. لا
يوجد أفق سياسي لجهود المبعوثين الأميركيين وهو ما سعت واشنطن الى تداركه
ب<<رتوش>> تجميلية عندما تحدثت مؤخرا عن <<رؤيتها>> لدولة
فلسطينية.
وإذ تركت واشنطن ساحة المحادثات الفلسطينية
الإسرائيلية المتعثرة أصلا، تتخبط في شرور التفاصيل الأمنية، قدمت خلاصة جهود زيني
في ورقة هي ما دون <<تينيت>>، وأكثر اقترابا من هواجس شارون الأمنية.
وكان أساس الموقف الفلسطيني ما عبّر عنه صائب
عريقات بقوله <<نحن نقبل تينيت كما كُتبت. أي شيء من تينيت سنحترمه وأي شيء
من خارج تينيت لا نستطيع قبوله>>، وما عبر عنه نبيل عمرو أيضا بقوله
<<لا نعترف بأي شيء يسمى حلا وسطا في ما يتعلق بتطبيق تينيت الذي هو نص أمني يطبَّق ولا يُتفاوَض
عليه>>.
وجاء كلامهما الثلاثاء الماضي. ولم تمض 48 ساعة
حتى بدأ اجتياح رام الله.
في غضون أربعة أيام في الأسبوع الماضي، قدم
زيني ورقتين بدتا للفلسطينيين <<إسرائيليتي>> الهوى. قبلهما شارون مع
تحفظات على ما اعتبره تساهلا في البنود المتعلقة بالتدابير الأمنية المطلوب من
عرفات اتخاذها، وهي كثيرة.
وبدا شارون حريصا أكثر على عدم الظهور بموقع
الخلاف مع واشنطن، لكنه سجل تحفظاته على الرغم من ان ورقة زيني تكاد تتطابق مع
الورقة الإسرائيلية التي نُشرت تفاصيلها في 23 آذار الماضي، أي بعيد مغادرة تشيني
المنطقة، وبدء عملية <<سور الدفاع>>.
ويمكن تلخيص نقاط الخلاف بين الطرفين ب:
تراتبية تنفيذ <<تينيت>> (الانسحاب الإسرائيلي أولا أم اجراءات فلسطينية
معينة تُطمئن الإسرائيليين)، بالإضافة الى الجدول الزمني لتنفيذ
<<تينيت>> والموعد المحدد للبدء بالمرحلة السياسة المتمثلة
ب<<ميتشل>>، وذلك الى جانب طبيعة الاتفاق ونظرة كل طرف اليه.
وكانت احدى نقاط الخلاف بين الطرفين مسألة
الجدول الزمني لتنفيذ <<تينيت>>. فبينما كان الإسرائيليون يطالبون
بمهلة أربعة أسابيع، كان الفلسطينيون يطالبون باعتماد مهلة أسبوعين للاجراءات
الأمنية والانسحاب الى مواقع ما قبل 28 أيلول 2000 ثم الانتقال بعدها فورا الى
تطبيق <<ميتشل>> وخصوصا وقف الاستيطان واستئناف المفاوضات من النقطة
التي توقفت عندها في عهد باراك.
وكانت مسألة المهلة مجرد تفصيل، وسعى زيني
لتقليص الهوة بين الطرفين حولها. لكن الاعتراض الفلسطيني أساسا كان متعلقا بمباركة
زيني للمنطق الإسرائيلي الرافض للربط بين ما هو <<أمني>> وما هو
<<سياسي>>، وهي مباركة كان وحيها من واشنطن.
من <<ميتشل>> الى
<<تينيت>> وصولا الى <<زيني>> و<<تشيني>>،
هناك دفع أميركي دائم للفلسطينيين لكي يبقوا أسرى معادلة <<التفاوض على ما
تم التفاوض عليه>>، أي المعادلة القائمة ذاتها منذ ما قبل <<اوسلو>>
وبعده.