تكتل ما بعد العولمة بين النظرة العملية والنظرة النقدية

 

 

بقلم : محمد عبدالحكم دياب

 

تكاثر الحديث عن فكر إقليمي جديد، يبدو في بعضه أنه تنظير للتشطير والشرذمة والتجزئة، فهو يقفز فوق كل عوامل التقريب المتاحة للتكتل، وما يسمي بالفكر الاقليمي الجديد يعتمد علي نظرة عملية ، تتجاهل الروابط الطبيعية في المنطقة العربية، وهي روابط لا يمكن التعرف عليها بمعزل عما يجري في العالم من تحولات، وما يطرأ عليه من مستجدات، خاصة بعد الحادي عشر من أيلول (سبتمبر) من العام الماضي، وهو تاريخ أنهي عصر العولمة، وأدخل العالم عصرا آخر، هو ما نجازف ونسميه عصر ما بعد العولمة، وهو عصر له ملامح يمكن تلخيصها في التالي:

1) أحل عصر ما بعد العولمة العمل العسكري محل الاجراءات الاقتصادية، فالمدخل الاقتصادي كان الطابع الأساسي لعصر العولمة، وبدلا من الدعوة لإعادة هيكلة اقتصاديات العالم علي قواعد تحرير التجارة وقوانين السوق، واستخدام آليات مناطق التجارة الحرة، وإزالة الحواجز والحدود والقيود أمام حركة السلع والمال، احتل العمل العسكري مكانة شبه مطلقة في اعادة صياغة نظام الهيمنة الجديد، وتشكيل العالم علي أساسه، وفق مقتضيات الأمن وخطر الارهاب التي برزت بعد الهجوم علي مركز التجارة العالمي في نيويورك، ومبني وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) في واشنطن.

سادت لغة الصقور في البيت الأبيض، وتم اعتماد الميزانيات المالية الضخمة لتلبية متطلبات واحتياجات المجهود العسكري الأمريكي. وهذا كشف طبيعة النظام الأمريكي، كنظام فاشي نازي. أشبه بذلك الذي سيطر علي ألمانيا وإيطاليا في ثلاثينات وأربعينات القرن الماضي، أو بذلك الذي يسيطر علي العمل الصهيوني، منذ بداية الاستيطان اليهودي في فلسطين، وتصاعدت وتيرته بعد إقامة الدولة الصهيونية عام 1948 وحتي الآن.

هذا العمل العسكري الذي بدأ بأفغانستان تلازم مع نهج جديد، جاء علي هيئة قذائف غذائية ، تلقي بها الطائرات المغيرة علي المواطنين. هذا المظهر الاستعراضي تم والحرب تستهدف المدنيين، وتثير الذعر بينهم، وتكثف غاراتها علي القري والمدن، دون تمييز، وتم في قت رفض فيه تطبيق القواعد والقوانين والأعراف الدولية، الخاصة بمعاملة المدنيين، في فترات الحروب والمعارك العسكرية. وظهر ذلك جليا في إعدام الأسري المدنيين والتنكيل بهم، والتمثيل بجثثهم وهم معصوبو الأعين مكبلو الأيدي والأرجل.

2) تراجع لغة الخطاب السياسي الأمريكي، لينتقل من الطابع التجريبي (البراغماتي)، إلي الطابع الرسالي الديني. عادت اللغة التوراتية القديمة لـ رواد الاستيطان، وهم يبيدون السكان الأصليين من الهنود الحمر، فإذا كان ما ذكره الرئيس الأمريكي في وصفه للحرب ضد الارهاب بأنها حرب صليبية قد تم التراجع عنه لحسابات سياسية، فإن الخطاب السياسي الأمريكي تولي تقسيم البشر إلي أمريكيين خيرين وعرب ومسلمين أشرار ، وأصبح الصلاح بمعناه الديني المطلق يقابل الفساد القادم من بلاد الشرق الكافرة ، المليئة بـ محاور الشر ، بمعناها الشيطاني، وأضحي الخطاب السياسي الأمريكي - أيضا - أقرب إلي عمليات التحريض الدينية، وهذا أعاد للأذهان صفحات سوداء في التاريخ الأمريكي، عندما وصف رواد الاستيطان أرض العالم الجديد بـ أرض الميعاد ، ووصفوا أنفسهم بـ شعب الله المختار ، كمبرر ديني للاستيطان والاستيلاء علي أرض الغير.

3) تبدل جدول الأعمال الأمريكي، من جدول أعمال كان يركز في عصر العولمة القصير علي أهمية دور منظمات المجتمع المدني في تبني قيم العولمة، وكان أغلب هذه المنظمات علي علاقة بشكل أو بآخر بالولايات المتحدة الأمريكية، وبالمؤسسات الاقتصادية والشركات الانتاجية والمالية العملاقة. وهي إن لم تكن وراء نشأتها فهي داعمة أو مساعدة لها. وكثير من هذه المنظمات كانت دروعا حامية للعولمة، ومبشرة بأيديولوجيتها، ومسؤولة عن هز قواعد وأسس المحتوي الوطني والقومي للدولة والمجتمع، بالهجوم علي القيم والتاريخ، والتقليل من شأن التجارب الوطنية في التحرر والتنمية، وإضعاف العلاقة بين الدولة والمجتمع، وبين المجتمع وأفراده.

والغريب أن أول بوادر التراجع علي هذا المستوي جاءت من الولايات المتحدة ذاتها، بانتشار حمي الوطنية، وتصاعدها إلي حد التعصب (الشوفيني). فالأعلام الأمريكية ارتفعت في كل مكان. علي المباني الرسمية وغير الرسمية، وعلي المنازل والسيارات والدراجات العادية والبخارية، وعلي السفن والبواخر والقطع الحربية والأسلحة. وترتب علي ذلك تراجع من نوع آخر تم علي جبهة شعارات حقوق الإنسان والحريات، وعلي جبهة تسويق أسلوب الحياة الأمريكية، وأصبح جدول الأعمال الأمريكي يركز علي أمن ومصالح الولايات المتحدة فقط، دون اكتراث بشؤون الحلفاء أو الأتباع، ودون اعتبار لدور منظمات المجتمع المدني، وأصبح منطق القوة لا الحوار هو أساس الدعوة للتغيير. وبذلك تم تجاوز مطالب التغيير السلمي الديمقراطي، في البلدان التي تعاني من الحكم الفردي والدكتاتوري.

4) إسقاط الفروق بين حركات المقاومة المشروعة للاحتلال، وبين أعمال الإرهاب الأخري، وهذا جعل الادارة الأمريكية تعطي موافقتها وتأييدها لمجرم حرب بمستوي إرييل شارون، لتنفيذ مخططه في التطهير العرقي، والتهجير القسري في فلسطين، واعتبار ذلك جزءا من الحرب العالمية ضد الإرهاب، ونوعا من الدفاع عن النفس!!. وبهذا أزيل آخر قناع غطي السياسة الأمريكية، وهي سياسة تحققت علي قواعد نفعية صرفة، وعلي نتاج عنف لا يحمل أي معني إنساني أو أخلاقي، وإذا كانت رسالة هذا النتاج في عصر العولمة هي الإبهار، وابتداع طرق الترويج والتسويق، وتحويل كل شيء إلي بضاعة وسلعة ومال وصفقات، فإن رسالته فــــي عصر ما بعد العولمة انحصرت في حدود نشاط العلاقات العامة، وخدمة العدوان والاستخدام المفـــــرط للقوة، وعادت الولايات المتحدة تحمي بقاءها علي ما بدأت به، تساند الإبادة والطمس. ومــــن الطبيعي فإن توجها يأخذ هذا المنحي ليس من مصلحته التفريق بين مقاومة الاحتلال أو الظلم وبين الارهاب، فهو عندما يقر بالمقاومة المشروعة فهــــو يعادي نفسه.

5) التدخل السافر في صياغة ثقافات وقيم ومعتقدات العالم، وفق معايير أحادية صرفة. تجاوزت الإدارة الأمريكية بذلك كل الحدود في التعامل مع الثقافات والحضارات والعقائد والأفكار المغايرة، ودخلت مناطق محظورة وحساسة، لتجاهلها التركيب النفسي والوجداني والمعنوي للأفراد والجماعات والشعوب، واسقاطها لعوامل التراكم الثقافي المبلور لشخصيات الشعوب والأمم، خلال مئات السنين. والنتائج المترتبة علي مثل هذا التدخل تأتي دائما بنتائج عكسية، وتزيد من كراهية الشعوب للسياسة الأمريكية.

والضغط الشديد الذي يمارس لتغيير المناهج الدراسية والدينية والاعلامية والثقافية، في الدول العربية والاسلامية، بدأ يخلق توترا شديدا. لأنه يقوم علي إفراغ الهوية الوطنية والقومية من محتواها، وإذا كانت ثقافة عصر العولمة، هي ثقافة عالم المؤسسات والشبكات العالمية، والشركات المتعددة الجنسية، وهي ثقافة اصطدمت بسلطان المجتمع والدولة، فإن عصر ما بعد العولمة يختصر الثقافات والأفكار والعقائد في منبع ومصدر واحد، ولأن ذلك مستحيل، فسوف يضيف إلي أسباب التوترات توترا جديدا، ذا طابع معنوي وروحي وثقافي، مفروض بقوة الدولة الأعظم وإرهابها والخوف منها.

6) الاعتماد علي الاجراءات الاستثنائية، وقوانين الطوارئ، وهي اجراءات وقوانين كانت وما زالت منتقدة في بلدان العالم الثالث، وكانت تتخذ في عصر العولمة مبررا للتدخل في الشؤون الداخلية للدول. هذه الاجراءات لم تتخذ لمواجهة أوضاع داخلية، إنما اتخذت لمواجهة العالم الخارجي، وحشد الطاقة الأمريكية للعمل ضده، وتقنين العدوان علي الغير، وعليه أصبح القانون الأمريكي هو الحاكم لقوانين العالم، وقانون القوانين، فضرب عرض الحائط بسيادة الدول، وبالقوانين الدولية والمحلية المخالفة، وهذا أعطي عصر ما بعد العولمة مضمونا أضفي الشرعية علي العدوان الخارجي إذا كان مصدره أمريكيا، وتغاضي عن ملاحقة جماعات العنف القوية التي تمارس ارهابها في داخل الولايات المتحدة، وأتاح غطاء تتستر به، ومشجبا تعلق عليه جرائم الداخل لتلصقها بالآخر العربي أو الاسلامي، وكما نعلم هناك جماعات داخلية معادية للنظام والبنيان السياسي الأمريكي ذاته، ولو أن حادث أكلاهوما تم في عصر ما بعد العولمة، لكان قد ألصق بالعرب أو المسلمين، ولكانت الاجراءات الاستثنائية غطاء لفاعله الأصلي، ولأعدمت العدالة الأمريكية متهما آخر دون دليل حقيقي.

7) انتهاء عصر الوسطية، بعد أن أدخلت الادارة الأمريكية العالم إلي عصر التطرف الشامل، والخطورة هنا فيما تحويه الترسانة الأمريكية من إمكانيات وطاقات عالية في الدمار والقتل والتخريب، وقد انتهزت نظم سياسية عديدة هذا المناخ، فوظفت التطرف الأمريكي الشامل لتصفي حساباتها مع جماعات معارضة لها، سواء دينية أو سياسية، والقوات الأمريكية تنتقل من مكان إلي آخر في مجموعات عسكرية أشبه بفرق المرتزقة. تتولي تصفية هذه الجماعات بالعنف العسكري، وإذا كانت العولمة قد أغرت الولايات المتحدة لتكون شرطي العالم فإنها فيما بعد العولمة تحولت إلي بلطجي . يؤدب ويردع ويدمر ويبتز، ويحصل في النهاية علي ثمن هذه البلطجة . وبذلك سحب الاعتراف بكل موقف حيادي، يسعي لاستقرار العالم ويحفظ توازنه، فقد برز مبدأ الحياد في العلاقات الدولية، وأصبح محل اتفاق عالمي، منذ ما بعد الحرب العالمية الأولي، وكثيرا ما ساعد في التخفيف من تفاقم حدة مشاكل كانت مستفحلة.

8) التدخل المباشر لفرض نظم سياسية بمقاييس أمريكية خالصة، وفتح النجاح المرحلي للحملة الأمريكية البريطانية علي أفغانستان الباب واسعا أمام هذا النوع من التدخل، وهناك أهداف تحددت للتدخل لاسقاط نظم حكم بعينها، وكلها تقريبا نظم عربية وإسلامية، والتدخل، الذي بدأ بأفغانستان، تواصل بتصفية السلطة الفلسطينية، وحصار الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات، في مقر إقامته برام الله، ومستمر بالتدخل لإزاحة الرئيس العراقي. ومثل هذا التدخل ينتكس بالعالم ويعيده إلي شريعة الغاب، وإلي عصر الغزو الاستعماري المباشر، والحاجة إلي التغيير السياسي في بلد من البلاد تنبع من الظروف الخاصة لكل بلد، ولا يأتي بفعل التدخل الخارجي مهما كانت المبررات، فالتدخل الأجنبي يعقد الوضع، ويضعف السبل المشروعة للتغيير السياسي، والعالم الذي تجاوز الانقلابات العسكرية، كأسلوب من أساليب التغيير شاعت في الخمسينات والستينات، أولي به أن يرفض الغزو والتدخل الأجنبي، وإذا ما فشلت الأساليب الديمقراطية، فإن التغيير يجب أن يوكل إلي المقاومة الشعبية الداخلية. علي أن يتهيأ لها المناخ الصحيح والتأييد المناسب، والتغيير الذي يأتي بالغزو والعنف المسلح من الخارج، كثيرا ما يفجر الحروب الأهلية، ويهدد الأمن الاقليمي والاستقرار العالمي.

هذه المستجدات تعكس نفسها علي أي توجه نحو التكتل الإقليمي العربي، وكثيرون يستغرقون في الحديث عن النظرة العملية و التجارب غير التاريخية ، إما رغبة في التخلص من عبء البعد التاريخي، أو رفضا للتراث الوطني، أو قلقا من الطموح القومي، وكل هذا بهدف إفساح الطريق لاعادة صياغة نظام الهيمنة عن طريق الدعوة لتكتلات محكومة بـ نظرة عملية ، تتولي تيسير عمل الشركات المتعددة الجنسية، وافراغ الأوطان من صناعتها وإنتاجها الوطني، وطمس هويتها الثقافية والقومية، لتكون جزءا من السوق العالمي، وعليه فإن معالجة قضية التكتل الاقليمي العربي تقوم علي النظرة النقدية، وشتان بينها وبين نظرة عملية مدعاة، وهذا يحتاج إلي مواصلة في الاسبوع القادم بإذن الله.