أهي ستارة النهاية!!

 

بقلم :  ابراهيم العبسي 

 

 

نعترف ان ثمة من بقي قادرا على الغضب والصراخ والغليان من المواطنين العرب تجاه ما يفاجئنا من محن قومية خطيرة ومصيرية، كتلك المحنة القاسية والرهيبة التي يواجهها الشعب الفلسطيني هذه الايام، على ايدي اشرس عدوين تقليديين للفلسطينيين والعرب اعني الكيان الصهيوني الدموي والامبريالية الاميركية المارقة على كل الاعراف والقيم والمبادىء الانسانية والقانون الدولي والشرائع الدولية، والتي تجاوزت في قهرنا وعدائنا والكيد لنا كل الحدود الممكنة حتى بدون حجج او ذرائع، هكذا بكل وقاحة وسفور، وبدلا من ان تتصدى اجهزة الامن العربية وتفرقهم بالهراوات والقنابل المسيلة للدموع وحتى اعتقالهم لحمايتهم من »حماقاتهم«، كما كانت تفعل في بداية هذه المحنة، اخذت تلجأ الى اسلوب »حضاري« اكثر، الا وهو حشر هؤلاء المواطنين في ساحات محددة وزوايا ضيقة، بعيدا عن التأثير في الشارع العربي، حيث يمكنهم مواصلة الغضب والصراخ والغليان والقفز ولطم الخدود وتمزيق الملابس حتى تتقطع انفاسهم، وتخور قواهم، ومن لا يدركهم التعب والخوار والضعف، تتكفل الخراطيم الهيدرولوكية بدلق المياه الباردة على رؤوسهم واجسادهم، لتوقف صراخهم، وتمتص غضبهم وتطفىء غليان الدم في عروقهم، حتى ينسحب هؤلاء اخيرا، وثمة احساس غير عادي بالقهر يفري قلوبهم ويأكل ارواحهم واحشاءهم، وربما يتحول القهر الى »علة« في الصدر والقلب تحجب عنهم الهواء، فلا يعود الواحد منهم قادرا حتى على التقاط انفاسه، فما يحدث امام عينيه يتجاوز حدود الممكن والمعقول، عندئذ ينسحب هذا المواطن الى داخله، وفيه شعور فظيع بالاحباط واليأس يتآكلان روحه، وثمة اسئلة تمور في اعماقه: لماذا.. ولصالح من.. مع اننا لا نهدف الا الى التضامن مع دمنا هذا الذي ينفجر من قلوب وارواح اشقائنا في فلسطين، ونحن نرى مشهد التمثيل الاجرامي اليومي بالجثث الميتة والحية، كما لم نشاهد ذلك حتى في احلك كوابيس الهزائم التي تلاحقنا، ومع اننا نحاول ان ندفع عن انفسنا ايضا هذا المصير الذي ينتظرنا حتما، اذا ما بقينا مجرد ارقام في سجل الاحصاءات العربية، ومع اننا اخيرا، لا نطالب بما هو اكثر من موقف سياسي حازم وقوي - لا موقف حرب - حيال من ولغوا في دمنا من صهاينة وامبرياليين، ونجعلهم يفكرون مليون مرة قبل استباحتنا، واستباحة اوطاننا.

ولعل الافظع والاخطر، فيما يواجهه المواطن العربي المقهور، والممنوع من التصدي لقتلته، هو توقفه عن الحس والحركة، الامر الذي سينتهي به حتما الى مواطن فاقد للانتماء.. ويتحول الى مواطن »لا منتمي« تماما كما يخطط له الاعداء، فعندئذ، وعندئذ فقط تنسدل علينا جميعا ستارة الهزيمة الماحقة.