قصة الصراع بين شارون الاسرائيلي وابو عمار الفلسطيني

 

بقلم : جمال عبدالحي التميمي

 

قصة حصار شارون لأبو الحطة الفلسطيني تعود في جوهرها الشامل وجذورها الأولي الي تاريخ قديم وحتي قبل ولادتهما وتعود بجذورها الي بدايات المؤامرة الصهيونية لاحتلال فلسطين وتبدأ فعليا في 15 أيار 1948 تاريخ إعلان الدولة العبرية في فلسطين اليوم الذي بدأت المؤامرة فيه بتشريد الشعب الفلسطيني عن أرضه وجلب المهاجرين اليهود وتوطينهم في الأراضي الفلسطينية.

فشارون الذي ولد عام 1928 لعائلة روسية اسمها تشرمان قبل ان تغير اسمها الي شارون ولد في مستوطنة كفر ملال وفي الرابعة عشرة انظم الي منظمة الهاغانا السرية التي اشتهرت بعمليات القتل والإرهاب ضد المدنيين الفلسطينيين خلال السنوات 1920ـ 1948، اما أبو الحطة الفلسطيني والمعروف في شهادة ميلاده محمد عبد الرؤوف القدوة الحسيني فقد ولد في القدس عام 1929 وهو ابن لتاجر قماش غني والتحق في صفوف المقاومة ضد الانتداب البريطاني في ريعان شبابه.

تفاصيل القصة الحقيقية تبدأ بعد التحاق شارون بجيش الاحتلال الإسرائيلي واستلامه عام 1953 قيادة وحدة كوماندوز خاصة تسمي الوحدة 101 وكان المسؤول المباشر عن مجزرة قبيا التي راح ضحيتها 69 مدنيا فلسطينيا وقيادته عام 1956 في حرب السويس أيام العدوان الثلاثي علي مصر فرقة كوماندوز خاصة وكان المسؤول عن قتل الكثير من الجنود والأسري المصريين. وفي عام 1967 قاد فرقة في الحرب وعرف عنه تهوره واندفاعه للقتل والدمار وهو ما أكدته سياسة البطش والتنكيل التي اتبعها بعد احتلال قطاع غزة واستلامه منصب قائد المنطقة الجنوبية. ويؤكد شارون وماضيه الإرهابي وإيمانه بالمعتقدات الصهيونية البالية التي تدعو الي إقامة إسرائيل الكبري أو إسرائيل التوراتية انه يملك خوفا قديما في داخله تسبب في جعله اقرب الي الجنون في أفكاره واقرب لأن يكون سايكوباث Psychopath وهو ما يجعله يصر علي حصار ياسر عرفات والشعب الفلسطيني.

اما الوجه الأخر فهو ان ياسر عرفات التحق لدراسة الهندسة المدنية في جامعة القاهرة عام 1951 وبدأ نشاطه الطلابي في الاتحاد العام لطلبة فلسطين والذي ترأسه في 1952ـ 1956، وفي عام 1956 انضم للجيش المصري لمحاربة العدوان الثلاثي برتبة ملازم متطوع وهو ما أكده الفريق محمد فوزي وزير الدفاع المصري السابق. وبعد ان منع للعودة الي وطنه بسبب الاحتلال ذهب الي الكويت وعمل بها مهندسا للبناء من 1957 الي 1965 وهو تاريخ إعلان انطلاقة المقاومة الفلسطينية وحركة فتح التي كان أحد مؤسسيها والتي قادت العمل المسلح ضد الاحتلال وخصوصا بعد هزيمة حرب 1967 والذي كان شارون أحد قيادات العدو الإسرائيلي العسكرية. من إحدي مفارقات القصة الغريبة انه في عام 1973 انتخب شارون عضوا في الكنيست الإسرائيلي بسبب برنامجه الانتخابي الذي يدعو الي طرد الفلسطينيين الي الأردن وهو نفس العام الذي اصبح أبو عمار قائدا عاما للثورة الفلسطينية وحطته رمزا للنضال الوطني الفلسطيني.

قبل عشرين عاما تقريبا تأخذ المواجهة بين الاثنين سياقا مختلفا فقد كانت المقاومة الفلسطينية ومنظمة التحرير الفلسطينية وبجانبها فصائل المقاومة الوطنية اللبنانية تسطر وترسم أروع ملاحم البطولة والتضحية في مواجهتها للغزو الإسرائيلي للبنان عام 1982 والذي قاده شارون نفسه عندما كان يشغل منصب وزير الدفاع آنذاك. في ذلك الوقت كنا نشاهد ونتابع الأخبار وشاشات التلفزيون وهي تعرض صور الإرهابي شارون ـ البلدوزر ـ مرتديا سترته العسكرية ويقود دباباته ومجنزراته ويعطي أوامره للطائرات الحربية لقصف المواقع الفلسطينية بوحشية ومواصلة البحث الدقيق عن صاحب الحطة والكوفية الفلسطينية للنيل منه وإذلاله أمام العالم في ظل صمت عربي. ولكن شارون لم يتمكن من كتابة السيناريو وإنهائه حسب رغباته فكنا نري أبو الحطة الفلسطيني في الجانب الاخر يتنقل ليلا نهارا بين مواقع الثورة العسكرية المختلفة وهو يرتدي ثيابه العسكرية الكاكية يعطي التعليمات والأوامر ويحاول رفع همم رجال الثورة والمقاومة للصمود والتصدي للاجتياح الصهيوني وإفشال خطط شارون. الحقيقة ان أبو عمار (الختيار) كان يتنقل من مكان الي مكان ومن موقع الي آخر دون ان تقع حطته علي الأرض وكأنها تصرخ سأبقي شامخة علي رأسه رغم كل هذا الدمار والقتل والإرهاب ورغما عن وحشية وحصار شارون وجيشه.

نعم قبل عشرين عاما فشل شارون الجنرال المستوطن في فلسطين المحتلة بلد وموطن الحطة الفلسطينية في خطته للقضاء علي الثورة وإركاع القيادة الفلسطينية. القصة تتضمن أيضا أحداثا ووقائع طريفة ففي ذلك الوقت العصيب وفي شدة القصف ووحشية الحصار لمدينة المقاومة العربية بيروت وصلت رسالة من الرئيس الليبي معمر القذافي الي القيادة الفلسطينية يطلب فيها من المقاومة الوطنية وقادتها بالانتحار والقتال حتي الموت علما أن القيادات العربية لم تتحمل مسؤولياتها بالدفاع عن مدينة وعاصمة عربية محاصرة ولعدة شهور.

الآن وبعد مرور عشرين عاما وبعد عودة القيادة الفلسطينية وأغلب فصائل منظمة التحرير الفلسطينية الي الداخل الفلسطيني وبعد اندلاع الانتفاضة الفلسطينية المباركة وإصرار الشعب الفلسطيني علي الصمود والنضال حتي نيل كافة حقوقه غير منقوصة بدماء أطفاله ورجاله ونسائه نري الصورة نفسها تتكرر أمام أعيننا مرة أخري فأبو عمار وحطته الفلسطينية محاصرة في رام لله ولكن دون ان تصل رسالة من أحد في زمن الضعف العربي هذا. بل وفي ظل الحصار الشديد والوحشي الذي يفرضه شارون علي الشعب الفلسطيني وقيادته وعندما نتابع الأخبار ونشاهد ما تفعله الآلة الحربية الإسرائيلية بالشعب الفلسطيني ونسمع ما يصرح به شارون بأنه يأسف لعدم قتل عرفات عام 1982 ويصر علي استمرار حصاره وإرسال الدبابات الي المدن والقري الفلسطينية لتدمر وتعيث في الأرض خرابا وفسادا وتقتل الرجال والنساء والأطفال ونراه يستمر في إعطاء أوامره للطائرات الحربية بقـصف الأهـــــداف المدنية الفلسطينية لتدمير الاقتصاد ويكشف في خطابه الأخير عن خطـــــته لاقامة مناطق عازلة نخجل من أنفسنا ونحن نسمع ونقرأ عن انعـــــقاد مؤتمر القمة العربية وظهور اقتراحات جديدة كانت موجودة سابقا في أدراج المكاتب للتطـــــبيع العلاقات مع إسرائيل ويكــــون الشرف في كشفها لصــــحفي أمريكي يهودي ـ توماس فريدمان ـ معروف بمساندته وتأييده للكيان الصهيوني وفي ظل زيادة التوسلات التـــــي تصدر من بعض القادة العــــرب لإسرائيل والولايات المتحدة لرفع الحصار تجعلنا نتساءل عن مدي أهمية تلك المؤتمرات وأهدافها.

في هذه الظروف التي تواجه نضال الشعب الفلسطيني واقترابه من نيل حقوقه الوطنية نري ان جواب شارون للقادة العرب وهو ما أكده خطابه وقراره الأخير ـ الذين اجتمعوا في بيروت والتي حاصرها قبل عشرين عام وارتكب فيها مجازر صبرا وشاتيلا أمام أعينهم دون آن يحرك لهم ساكن: ليذهب مؤتمركم ولتذهب قراراتكم الي الجحيم لقد حاصرت عرفات قبل ذلك ولم يخرج منكم إلا الكلمات والتنديد وسأحاصره الآن ولن تقدموا له إلا كلمات الشجب والتنديد وفي احسن الأحوال التأييد.

نقول أن القصة في فصلها الأخير وبعد عشرين عاما مازالت القيادة والشعب الفلسطيني صامدين والحطة زادت عنفوانا وشموخا وان قصة الاثنين قاربت علي النهاية ولم يستطع شارون منذ التحاقه في الجيش هزيمة الإرادة العربية والفلسطينية ولم تجلب أيديولوجيته الأمنية والعسكرية التـــــي ترعرعت مــــعه منذ ولادتـــــه في المستوطنة الأمن والأمـــــان للإسرائيليين رغما عن كل أشكال الدعم الأمريكي وان الصمود الفلسطيني زاد إصرارا وقوة لجعل ألوان حطته السوداء والبيضاء رمزا للحق والعنفوان العربي فهل من مجيب وهل من معين يا عرب؟