ثقافة الفقر: المشروع الصهيوني ونهاية
النظام العربي القديم
بقلم : د.
يوسف نور عوض
ظلت
الإدارة الامريكية منذ عدة اسابيع تشغل القادة العرب برغبتها في اجتياح العراق
بينما كان هدفها الحقيقي صرف الانظار عما كانت تدبره مع ارييل شارون من اجتياح
للمدن الفلسطينية وترويع الاطفال والنساء والشيوخ.
واختارت
الولايات المتحدة واسرائيل توقيتا مهما لهذا العمل الاجرامي، وليس هو عملية نتانيا
كما يعتقد الكثيرون، وإنما قمة بيروت التي رقص علي أنغامها الرؤساء والقادة
المنهزمون الذين تمادوا في انهزامهم بالقول إنهم يقدمون رسالة سلام الي العالم تضع
اسرائيل في موضع الحرج، ولم يعرف هؤلاء القادة أن لا احد في العالم يستمع إليهم
لانهم لم يجبروا أحدا علي احترام مواقفهم، وفي الوقت الذي كانوا يقدمون فيه
مبادرتهم للعدو الصهيوني خرج الرئيس جورج بوش يرتدي قميصا، وهو تعبير عن استهتاره
بالقادة العرب ليقول إن من حق اسرائيل أن تدافع عن نفسها ضد الارهاب الفلسطيني وأن
علي القادة العرب أن يدينوا هذا الارهاب. وعندما يقول الرئيس الامريكي ذلك في ظروف
الاجتياح فهو يؤكد تأييده لما يقوم به الجيش الاسرائيلي. ولم يكن الرئيس الامريكي
وحده الذي يقول ذلك، وإنما أيضا وزير خارجيته كولن باول الذي خرج ليقول انه يتفهم
الاسباب التي دعت اسرائيل لمحاصرة الرئيس عرفات، وإن علي الرئيس الفلسطيني أن يفعل
المزيد كي يوقف العمليات الارهابية ضد اسرائيل. ولم يوضح كولن باول كيف يمكن
للرئيس المحاصر أن يفعل ذلك، ولكن أجهزة الاعلام العربية وخاصة تلك التي تسيطر
عليها الحكومات تجاهلت كل هذا وركزت علي آخر حديث كولن باول الذي حذر فيه شارون من
تعريض أمن اسرائيل للخطر.
وعلي الرغم
مما يجري في أرض فلسطين فلم يخرج علينا رئيس عربي سوي القذافي يدين ما يجري بقوة،
بل ظل وزراؤهم يناشدون المجتمع الدولي كي يقوم بمسؤولياته دون أن يحددوا من هو هذا
المجتمع الدولي الذي يتحدثون عنه، هل هو بريطانيا التي تقف خلف الولايات المتحدة،
أم هو فرنسا التي تتكلم بلسانين، أم روسيا التي تقول شيئا وتفعل شيئا آخر، أم هي
الصين الصامتة أبدا، أم هي ماليزيا التي يقول رئيسها إن الاعمال الاستشهادية أعمال
إرهابية ؟
الحقيقة هي
أنه لا يوجد أصدقاء للحكومات العربية لان العالم يعرف الكثير من فسادها ويعرف أن
من يقومون علي أمرها لا يتحملون مسؤولية الشعوب بصدق، ولكن الحكام رغم ذلك لا
يكفون عن التستر خلف خطابهم التقليدي الذي يحذرون فيه اسرائيل من أنها تلعب بالنار
وتعرض المنطقة للخطر، ولا يعرف أحد ما الخطر الذي يمكن أن تخافه اسرائيل من هذه
الانظمة التي فضحها الزمن قبل ان تفضحها الحروب . فها هي سورية تلتزم الصمت وكأن
شيئا لا يعنيها والتصر الوحيد الذي حققته هو منع الرئيس عرفات من القاء خطابه أمام
القمة، وغابت مصر عن المشهد بصورة كاملة كما غابت عن مؤتمر القمة لانها كانت تريد
من العرب الاخرين أن يتخذوا القرارات التي تجعلم يلتحقون بها في التطبيع مع
اسرائيل بمحض ارادتهم. وظل الاردن يمارس أسلوبه القديم في مقاومة صوت المعارضة
الداخلي، وعندما اشتد الضغط علي حكومته خرج وزير خارجيته يتصريح يقول إنه يدرس طرد
السفير الاسرائيلي من عمان، وفي اليمن أعلن الرئيس صالح أنه يعتكف في منزله
احتجاجا علي ما يجري، وأما الجامعة العربية فقد أعلن أمينها العام أنه يعد العدة
لقمة عربية تدرس الموقف. وحتي يجتمع الرؤساء مرة أخري يكون شارون قد دمر المدن
الفلسطينية وأعاد بنيتها الاساسية للعصر الحجري. ولا ندري كيف سيقابل الرؤساء
الرئيس عرفات بعد الخروج من هذه الازمة.
هذا الوضع
في مجمله يجعلنا نتساءل لماذا يحدث كل ذلك؟ هل لاننا أمة ضعيفة وخائرة وغير قادرة
علي الدفاع عن مصالحها؟
الاجابة بكل
تأكيد لا، لان ما يفعله الاستشهاديون الفلسطينيون يؤكد غير ذلك، بل يؤكد أن الشعب
العربي أيضا قادر علي الابتكار والتصدي، ولكن الانظمة العربية التي يسيطر عليها من
ينهبون الاموال ويدمرون المصارف آخر ما تفكر فيه هو التصدي لقضايا شعوبها، لان
أمثال هؤلاء لا يصبحون أبطالا والحقيقة التي لم يصرح بها العقيد القذافي هي أن
الجيوش العربية ليست مجرد سلاح مكدس وخردة وإنما هي وسائل لقهر الشعوب العربية فهل
هناك بلد عربي لا يقوم فيه الجيش بدور البطش والقهر تحت شعارات الثورة والوحدة
والقومية في بلاد آخر ما يؤمن فيها القادة بالشعارات التي يرفعونها ؟ لكن الصراع
العربي الاسرائيلي دخل مرحلة جديدة ربما ستكون نهاية النظام العربي القديم لاسباب
كثيرة.
يحاول
القادة العرب أن يفهمونا أن العالم دخل مرحلة العولمة وسيطرة القوة الواحدة التي
يجب أن يخضع لها الجميع وإخبارنا أيضا أن الحروب لم تعد مجدية وأن الاسلوب الوحيد
لحل المنازعات هو السلام. ويجعلون ذلك مبررا لسياسة الاستسلام، ولكن هل تريد
اسرائيل حقا السلام؟ ولا نتحدث هنا من منظور فلسفي، لان الحقيقة هي أن المشروع
الاسرائيلي هو في الاساس مشروع صهيوني أي أن الهدف من قيام دولة اسرائيل ليس هو تهجير
يهود العالم الي وطن جديد، إذ لوكان الهدف هو الهجرة لفضل يهود العالم البلاد التي
كانوا فيها لكونها اكثر غني وتوفر لهم فرصا افضل في الحياة، ولكن أهداف المشروع
الصهيوني هو إقامة وطن للصهيونية يرمز اليها وهو وطن لا يمكن ان يقوم علي مساحة
صغيرة وقد عمل الصهاينة علي تحقيق هذا الهدف وهم ناجحون فيه بدليل أنهم يمتلكون
القوة التي لا يملكها العرب. ليس ذلك فحسب بل إنهم يريدون من العرب أن يعيشوا تحت
ثقافة الخوف والضعف، وهو ما يجعلهم يقفون صفا واحدا لتدمير العراق. لماذا؟ لانه
يملك أسلحة الدمار الشامل التي يهدد بها جيرانه كما يقولون. فهل يعقل أن العراق
سيستخدم القنبلة النووية ضد الكويت أو السعودية أو الاردن؟ الخوف إذن من استخدام
هذه القوة إن وجدت ضد الكيان الصهيوني ومشروعه الرهيب والعرب جميعا يساعدون
الصهيونية في تحقيق هذا الهدف تحت الشعار الغامض، الانصياع للشرعية الدولية التي
لا تعترف بها اسرائيل وآخر أمرها رفض تنفيذ القرار الصادر من مجلس الامن الذي
وافقت عليه حتي الولايات المتحدة.
هذه الصورة
القاتمة والمأسوية تؤكد حقيقة واحدة وهي أن النظام العربي الشائخ وصل الي نهايته،
والمسألة لا تتعلق فقط بالحرب مع اسرائيل أو مواجهتها عسكريا وإنما تتعلق بصنع
الحياة الحضارية فوق الارض العربية، وهي حضارة غائبة بعد أن سيطرت ثقافة الفقر
والخوف علي العقل العربي، ويعرف الذين هاجروا منا الي العالم الغربي أنهم تحرروا
من ثقافة الفقر فلم يعودوا يخافون علي أرزاقهم أو أنفسهم من جور الحكام وظلمهم
لانهم يقفون مع الحكام علي قدم المساواة وحقوقهم مصانة. وهذا واقع غير موجود في
العالم العربي لان كل شخص في هذا العالم يخضع لثقافة الفقر، خائفا علي لقمة عيشه
وعلي مصير أولاده من بطش الحكام وسجونهم في مجتمعات لا عمل للحكام فيها سوي البطش
بالمواطنين وتحويلهم الي أذلاء، وهكذا نجد المثقفين في العالم العربي علي الرغم من
حملهم أرفع الشهادات يقفون أمام أعتاب السلاطين من أجل أن يصبحوا رؤساء للتحرير أو
متحدثين رسميين باسم الحاكم. يبررون أهواءهم وخروجهم علي منطق العقل. إنها ثقافة
كاملة من الفقر والخوف تصنع هذا الوضع المزري في العالم العربي. وبالتالي تصبح
المواجهة مع اسرائيل، أمرا ثانويا لان المجتمعات التي يخضعها حكامها لا تستطيع أن
تحقق الحرية. فالمعركة إذن هي في داخل البلاد العربية ذاتها. ولكن الوعي ليس من
طريق واحد وإلا كان حال البلاد الفوضي. ذلك أن الهدف ليس هو الاقصاء بكون كثير من
الحكام العرب يتصرفون في ضوء ثقافة وعقلية مظلمة تصنف الشعوب في مصاف الاعداء، كما
أن المسألة لا تتعلق بأشكال الحكم سواء كانت ملكية أو جمهورية وإنما في الثقة
بأبناء الشعب واحترامهم لانه بدون ذلك لن يكون الحكام أقوياء ولن يتمكنوا من
مواجهة عالم متغير، ويخطيء الحكام إذا ظنوا أنهم قادرون علي دخول المستقبل بتلك
العقلية الارهابية في عالم يحتاج الي التنمية والتقدم والنمو الاقتصادي. وتلك أمور
لا تتحقق إلا بالعلم وتوفير فرص العمل عن طريق المشاريع وتوسيع مجال الانتاج
الاقتصادي، لا بتوزيع الارزاق للمحظوظين فقط.
والحقيقة في نهاية الامر هي أن المشروع
الصهيوني يضع تحديا أمام الواقع العربي، وهو مشروع لا يستهدف توطين اليهود وإنما
يستهدف وضع قاعدة للسيطرة علي العالم. ونحن العرب أول ضحايا هذا المشروع، فهل نترك
له المجال كي ينفذ مخططه أم نبدأ بالخروج من ثقافة الفقر واستشراف ثقافة الحرية؟
الاجابة
معروفة ولكنها لا تتحقق بأن تجتمع مجالس الوزراء العرب لتخرج ببيانات تدين الإرهاب
وتناشد المجتمع الدولي كي يتحمل مسؤوليته. ذلك ان مثل هذه البيانات تستفز المشاعر
العربية. وتؤكد عدم مسؤولية هذه المجالس في وقت يذبح فيه أبناء الشعب الفلسطيني،
فما هو مطلوب هو التصدي للتحدي الاسرائيلي، ولا يعقل أن ما تمتلكه الدول العربية
من آلة حربية غير قادر علي هز الكيان الصهيوني، ولو فتحت الجيوش العرب ترساناتها
ووزعت السلاح الخفيف والذخائر علي المجاهدين لتغير الموقف علي أرض فلسطين. ولكن من
يمتلك الارادة في مثل هذه الجيوش كي يتخذ مثل هذه القرارات في وقت يتواري فيه
القادة تاركين للأزلام التغني بأمجادهم في الوقت الذي تعيش فيه الشعوب في عالم
الفقر والفاقة والخوف.