لماذا لا يقوم قادة الدول العربية بمناورات عسكرية في بلدانهم؟

لم يبق إلا مطالبة اسرائيل بقطع العلاقات معنا!

 

بقلم : علاء اللامي

 

تقوم حكومة شارون وتعتزم القيام خلال عدوانها الوحشي الجديد ضد الشعب الفلسطيني وقيادته بحزمة كاملة من جرائم الحرب الخطيرة والموثقة بالصوت والصورة ومنها:

ـ إعدام الأسري العزل من السلاح ببرودة دم وبرصاصة في الجمجمة من مسافة متر.

ـ التسبب بوفاة الجرحي وتركهم ينزفون حتي الموت ومنع الطواقم الطبية من القيام بواجباتها.

ـ محاصرة رئيس دولة منتخب ومحاولة اغتياله وإهانته علنا و عزله عن العالم الخارجي.

ـ محاصرة مدن بكاملها وتجويع وحبس مئات الآلاف من المدنيين في بيوتهم.

ـ تدمير وسرقة المنشآت والممتلكات المدنية في أرض محتلة.

ـ ترويع وإرهاب السكان المدنيين وخاصة الأطفال بواسطة وسائل قتالية خطيرة.

ـ ومن جرائم الحرب التي تعتزم الدولة الصهيونية القيام بها وقد أعلنت عنها جهارا جريمة الترانسفير الترحيل الجماعي للسكان الفلسطينيين فماذا بخصوص هذه الجريمة الخطيرة؟

في اليوم الثالث للعدواني الصهيوني علي الشعب الفلسطيني وقيادته المقاتلة المنتخبة بثت قناة الجزيرة القطرية خبرا قيل فيه أن الرئيس أبو عمار أخبر السيد أحمد الطيبي بأن الحكومة الإسرائيلية تنوي طرد مئات الفلسطينيين الذين اعتقلتهم قواتها الغازية الي مصر والأردن. ويبدو أن تلك القناة ندمت علي نقل وبث هذا الخبر فعمدت الي نفيه وتكذيبه بعد قليل ولكن قنوات أخري تناقلته واستمرت تبثه حتي ظهر مساء السيد أحمد الطيبي نفسه علي قناة شبكة الأخبار العربية (أي أن أن) فأكد الخبر وشرح تفاصيله ومع ذلك لم تسحب القناة القطرية تكذيبها.

ويمكن في الواقع التفكير بأن هذا التطور، هو أخطر بالون اختبار يطلق في سماء المنطقة وتجاوز خطير لجميع الخطوط الحمراء.وسيدرك الذين طالما طمأنوا الرأي العام بأن إقدام إسرائيل علي ترحيل ما تبقي من شعب فلسطين الي الدول المجاورة ليس إلا مبالغات وخرافات يطلقها بعض المتطرفين العرب والفلسطينيين. صحيح أن الخبر يتعلق بترحيل المئات من الفلسطينيين الي مصر والأردن ولكن هذا الرقم طبيعي جدا كبداية و سيتحول الي الآلاف بعد أسابيع أو أيام ثم يتصاعد الي الملايين. لنفكر بهدوء وعمق في هذا الموضوع ولنتساءل: ما لذي يمنع مجنونا متطرفا وجزارا مثل شارون من التردد في تنفيذ عملية ترانسفير شاملة للفلسطينيين؟

لقد أعلنت حكومتا القاهرة وعمان رفضهما لهذا المشروع الصهيوني، ولكن أية جدية وصدقية يتضمنها هذا الرفض إذا ما علمنا أن حكومة القاهرة اقترحت أن ترسل طائرة عمودية الي مدينة رام الله لإجلاء وترحيل الرئيس الفلسطيني أبو عمار نفسه؟ وهل يمتنع أو يتردد من يوافق علي ترحيل الرئيس الفلسطيني الصامد نفسه بطائراته الحربية عن المساهمة في تنفيذ المشروع الصهيوني لترحيل الشعب الفلسطيني من وطنه؟ سيقولون خرافات! هذا أمر محال! ولكن هل كان لإسرائيل أن توجد أصلا وتحتل ما احتلت من أراض لو لا هذه السذاجة السياسية والعمي الاستراتيجي الذي حكم النظام العربي الرسمي منذ ولادته وسيحكمه الي آخر يوم من حياته؟ أما الرفض الأردني فلا يقل تهافتا خصوصا إذا ما لوح شارون بشعاره القديم والقائل بأن الأردن هي الوطن البديل للفلسطينيين. و حين تكون المقايضة بين بقاء العرش والمساهمة في الترانسفير سيختار أصحاب العرش عرشهم وسيقوم التاريخ بعمله فيما بعد كما تقول الحكمة الملكية الشهيرة (العرب ينسون بسرعة)!

ليست المصيبة في النسيان العربي فقط بل في العجز عن الفعل المقاوم والقصور عن أداء الواجب التضامني والغريب أن جميع الحكام العرب تقريبا يتحججون أحيانا بالارتباطات والوضع العالمي وأحيانا بالبعد الجغرافي . ومن أغرب ما سمعناه من أطراف جبهة الرفض والعنتريات تكرارهم جميعا لكلمات الخزي و العار والشنار للنظام العربي الرسمي الذي يشكلون جزءا لا يتجزأ منه بل أن أحدهم لعن الجيوش العربية كلها وكل من (يرتدي البذلة العسكرية من المحيط الي الخليج) وطالب ببيع الأسلحة في سوق الخردة وهذا كلام ساخن وعنيف حقا ولكن قائله يتناسي أنه ضابط عسكري وأنه وصل الي السلطة عن طريق الدبابة فلماذا لا يبدأ هو بنفسه وجيشه؟

ذكرنا حالة الحاكم العربي عموما و الذي يكرر بأنه لا يستطيع أن يحارب حتي آخر جندي في جيشه، وأنه لوحده لن يستطيع أن يفعل شيئا تذكرني هذه الحالة بمسرحية ساخرة كتبت وأخرجت في تشيكوسوفاكيا وكانت معادية للنظام القائم آنذاك وتدعو الناس للانتفاض ضده وفكرتها بسيطة وهي: يصعد ممثل من قاعة الجمهور الي المسرح ويقول: لا أستطيع أن أفعل شيئا بمفردي أنا وحيد. ويصعد ممثل آخر ويكرر الكلمات ذاتها ويصعد ثالث ورابع وهكذا حتي يمتلئ المسرح بالممثلين الذين يكرر كل واحد منهم: أنا وحيد لا أستطيع أن أفعل شيئا بمفردي، غافلين عن إنهم مجموعة قادرة علي القيام بكل شيء لو كانت ذات إرادة حية وحرة .

إن من تجليات العجز العربي عدم التفكير حتي بالقيام بحركات الحد الأدني الصغيرة والتي تحمل معاني التحذير و الإنذار للعدو بهدف تخفيف الضغط الهائل علي الشعب الفلسطيني فحين يحتج حاكم عربي بالبعد الجغرافي أو الارتباط بمعاهدات واتفاقات دولية لماذا لا يأمر جيشه بالقيام بمناورات عسكرية علي حدود بلاده؟ لماذا لا تقوم مجموعة من الدول العربية بمناورات برية أو بحرية كتلك التي تقوم بها دوريا وموسميا مع القوات الأمريكية والبريطانية والفرنسية؟

والواقع فإن مَن يقرأ من العرب لن يتولاه العجب أو الشعور بالمفاجأة لو أقدمت حكومة شارون علي تنفيذ الترانسفير وترحيل الشعب الفلسطيني ومن المؤشرات المهمة علي ذلك النقاش الواسع الذي يدور داخل المجتمع الصهيوني وطبقاته الأكثر تطرفا وعنصرية وعداء للعرب وقد شارك في هذا النقاش رجال الدين الذين يتمتعون بوزن سياسي واجتماعي كبير. وفي هذا الإطار نقلت جريدة هآرتس الواسعة الانتشار (عدد 25/3/200) تقريرا لأحد كتابها هو أنشيل بيبر يحمل العنوان المعبر التالي (التوراة أيدت الترانسفير ولكن هل ما زال الأمر ساري المفعول؟) ومن الخلاصات الخطيرة التي ينتهي إليها التقرير قول الكاتب (أن الجدل المحتدم بين أوساط المتدينين الوطنيين حول قضية الترانسفير وعلاقتها بالتوراة يشير الي تزايد الاهتمام بالفكرة باعتبارها حلا متاحا). هذا إذن ما يقوله ويكتبه الإسرائيليون أنفسهم فلماذا لا يريد الناطقون باسم النظام العربي الرسمي تصديق ذلك؟ وما الذي يمنع من حدوث كارثة كهذه إذا كانت ثمان دول عربية ترتبط بعلاقات رسمية مع الكيان الصهيوني تمتنع عن قطع علاقاتها به احتجاجا علي المجزرة البشعة التي ترتكب بحق الشعب الفلسطيني في الوقت الذي بادرت فيه مقاطعتان من المقاطعات الثلاث التي تؤلف الاتحاد الفيدرالي البلجيكي الي قطع علاقتها بإسرائيل؟ هل معني ذلك أن شعور البلجيكيين القومي العروبي أعلي وأقوي من ذلك الذي يعتمل في نفوس قادة مجموعة الثمانية العربية؟

لقد تم تفريغ هذا الشعار ـ قطع العلاقات وسحب الاعتراف ـ من أي محتوي سياسي من خلال الإجراءات والتصريحات المترددة وسحب تلك التصريحات والعودة لتأكيدها ولعل أوضح مثال علي هذا السلوك السياسي الإعلان عن أن الحكومة الأردنية حذرت من إمكانية اتخاذ إجراءات بحق إسرائيل إذا لم تسحب قواتها فورا وتفك الحصار عن الرئيس الفلسطيني المحاصر في غرفة مكتبه. بعد هذا التصريح بساعات خرج تصريح مخفف يقول إن الحكومة الأردنية ستتخذ تلك الإجراءات في حال لم يتحسن الوضع وبعدها صرح مسؤول آخر أن حكومته قد تطرد السفير الصهيوني كشخص غير مرغوب فيه ولكنها لن تقطع العلاقات وستستمر السفارة الإسرائيلية بالعمل كالمعتاد.. ويبدو أن هذا السقف المنخفض لم يعجب الصهاينة والأمريكان فخرج صباح يوم الاثنين مسؤول أردني وأعلن إن الأردن لا تنوي أن تطرد السفير الإسرائيلي! يا سبحان الله إذا لم يكن المرء عارفا قدره وقوته الحقيقية فلماذا يتورط فيما لا يستطيع؟ ألم يكن من الأسلم و الأشرف أن يلوذ النظام بالصمت والفرجة علي المذبحة شأنه في ذلك شأن أعضاء المجموعة الثمانية المعترفة والمرتبطة بالعدو؟ نأمل، علي أية حال، أن لا يبادر الأردن الي قطع علاقته باليمن إذا أصرت علي عقد قمة عربية جديدة أما علاقاته مع العراق الذي تزود حكومته الأردن بالنفط مجانا تقريبا فلن تقطع أبدا!

لا مندوحة والحال هذه من البؤس والتعاسة، لا مندوحة وقد بحت أصوات الملايين من مطالبة الدول العربية الثماني بقطع علاقاتها مع دولة المجازر والقتل والترحيل الجماعي، لا مندوحة من التفكير جديا بأن يطالب الصهاينة في دولة إسرائيل رئيس وزرائهم الجزار شارون بقطع العلاقات مع تلك الدول العربية علي اعتبار مفاده إن من غير اللائق لدولة ديموقراطية كدولتهم أن تقيم علاقات مع دول لا تحترم نفسها أو شعوبها.. وعندها لا نعتقد بأن شارون سيتردد دقيقة واحد في تنفيذ إرادة شعبه فيقطع تلك العلاقات فيريح ويرتاح! وحينها فقط سينزل النظام العربي طوعا الي المكان الوحيد الذي يليق به وسيبقي هناك الي الأبد، و ما ثمة داع لذكر ذلك المكان فهو معروف.