منهج التسول والتوسل السياسي
بقلم : د. خالد عبدالله*
حينما دعا وزير خارجية قطر إلى انتهاج سبيل التوسل إلى
الولايات المتحدة ، فهو لم يفعل سوى أن نحت مصطلحا وأن أطلق مسمى على نهج عربي
رسمي، ربما دون قصد، متكامل ومتأصل يدفعه إيمان العجزة والمبلسين أن لا حياة وأن
لا أمان وأن لا سلطة لا تستمد البركة ولا تبدي الصغار لأمريكا. فهو نظام قد استبدل
العبودية وجحد بكل الآيات إلا الآيات الأمريكية. بل هو إيمان وحداني لا يجعل مع
أمريكا شريكا.
ولقد كان هذا التصريح مناسبة لرفع الغلالة عن النظام،
ولكن اجتمع على وأد معناه تقزز المخلصين من معانيه المباشرة الذليلة، وهرع كتبة
النظام للسخرية منه لأنهم فزعوا أن تنكشف عورته. ولقد أدى التسرع في التركيز على
الرسول وعلى منطوق الكلمة وليس على دلالاتها إلى ازورار عن معاينة الحقيقة على
بشاعتها، وإلى المشاركة في طمر مفهوم له قدرة تفسيرية رهيبة من حيث أنه يمكن له أن
يشرح وأن يبين كل المبادرات والمناورات والتناقضات العربية. فكان الهجوم على أضعف
حلقات النظام العربي الرسمي، على صحته، إنقاذا للنظام، وكأنه يليق أن ترتكب السيئة
ونسميها حسنة وأن تقترف الرذيلة ونسميها فضيلة. فالنظام العربي يوالي منهج التوسل
والاستجداء فعلا ويعتز بها ممارسة. وطمس خصائص النظام وعدم تسميتها بما يحيط
بجوهرها يؤدي إلى الارتباك في التوجه والخلط في العمل. ولقد وقعنا في شرك ما نأخذه
على النظام. فكلنا يستهجن ويستغرب أن يناشد النظام العربي أمريكا بالتدخل وهي تعلن
تحيزها ويطلب منها التوسط وهي تحدد مسار الفعل الإسرائيلي وتمده بكل أسباب النجاح.
فكيف بنا أن نطلب من النظام العربي أو نتوقع منه أن يفعل خلاف طبيعته وأن يسعى وراء ما يراه تهديدا لوجوده.
بل أن القول أن النظام العربي لا يقوم بواجباته تجاه
المحكومين مناقصة على الحقيقة، إذ أن ما يقوم النظام به فعلا تمكين لأمريكا من
مقدرات الأمة وبلدانها. فمفهوم التوسل سيجلي الغموض في التصرفات العربية المتناقضة
ظاهرا ويشرع أبوابا مؤصدة على المقاصد والنوايا الرسمية. وهو أقرب إلى الإدراك في
الثقافة العربية من مفهوم التبعية وأكثر تأثيرا في حشد المعارضة لنهج التبعية.
ولذلك، بات خليقا بالمفكرين النزيهين أن يسبروا غور مفهوم التوسل والاستجداء، وأن
يصقلوا أسسه وأن يبلوروا تجلياته وأن يعينوا آليات عمله ووسائل التعمية عليه. ففي
ظل هذا المفهوم المتكامل يستطيع المواطن أن يرى منبع كل رأي أو عمل أو مؤسسة
ومساراتها ومآلاتها. حينذاك لن يبدو له تناقضا بين باقات الورود الملقاة على
إسرائيل وهي تلقي بحمم صواريخها على شعوبهم، وقيام الجيوش وتأهيلها. فكلها تنبثق
من نفس الرؤية وتصوب نحو المقصد. فكما أن مبادرات السلام طلبا للرضا الأمريكي
وانصياعا لطلباته لحماية النظام، فكذلك الجيوش وكذلك خطط التنمية وكذلك تنفيذ
إعادة الهيكلية الاقتصادية، وكذلك مؤتمرات القمة في حضورها وفي الغياب عنها.
فالإطار المفاهيمي ضروري لفك الألغاز وإزالة التعمية
وتوضيح مجرى الأمور. ومن مصلحة
النظام الرسمي أن ننطلق من مفاهيم متعددة ومختلفة، وأن نصنف النظام الرسمي إلى
أنواع، لأن ذلك يسقطنا في المتاهات الهامشية ويسلط أنظارنا على التافه من الأمور
أو على ما يذر الرماد في العيون. ويولد تفسيرات مختلفة تدفع أحيانا إلى التفاؤل
وأحيانا أخرى على التشاؤم رغم أنها في الحالين جزء من فسيفساء النظام العربي
الرسمي. ولا ينبغي لأحد أن يتصور أن ليس هناك ظلالا من الاختلاف وأطيافا من
الألوان المتعددة، لكن هذه الظلال وجميع كل تلك الأطياف ينظمها ناظم واحد التعلق
بالبقاء، ويجمعها قاسم مشترك التشبث بالاستمرار ولن يتحقق البقاء والاستمرار إلا
بأسبابهما. ولقد قرر النظام العربي أن ذلك رهين حدين: إرضاء الوحدانية الجديدة أو
عدم إغضابها.
والتطوير المعرفي لمفهوم التوسل ضروري في غياب الأزمات
أكثر منه أثنائها. لأنه حينما تسقط الأزمة على النظام العربي يبدو هزاله ويسطع
ضعفه وهشاشته، ويتضح تداعيه، لكن في غياب الأزمة تكون تخوم المناورة أرحب للنظام
العربي أو بعض أركانه.
لقد كان الاجتياح
الإسرائيلي كاشفا لكل النظام العربي حتى بانت أنفاقه المظلمة وتعرت مساربه
المشلولة فيها تدفقات الحياة، بل أنه بات مضطربا فزعا لا يعرف ما يصنع ولا يدرك ما
يقول. حتى أن وزير خارجية أكبر بلد عربي يصرح أن ما بذل
من جهود لا يكفي، موجها الحديث إلى
العالم الخارجي، فأية مفارقة هزلية هذه. ولا يقل عنها سخرية ما قاله البعض الآخر
أنه سيتخذ إجراءات، أو أن يقول وزير خارجية بلد آخر أن الهجوم على مقر ياسر عرفات أكبر إجرام ومع ذلك
فليس لديه ما يفعله إلا الإصرار على إحراج
شارون بمبادرته حتى يقتله
ضيقا بها وبرما من كثرة الإلحاح. ولو نظرنا
إلى مثل هذه التصريحات أو الممارسات من منظور منهج التسول والتوسل لوجدنا
تفسيرا ولما وقع اللوم على المظاهر ولما صرف الاهتمام إلا الأسس والقواعد. فكيف
بدول تعيش على تسول الدعم المالي أو الدعم السياسي إلا اتباع منهج التوسل السياسي.
فكيف بالنظام العربي الذي في جله يعيش على دعم سياسي ومالي أمريكي ويتسلح بما تمن
عليه الولايات المتحدة من سلاح ويستمد بقاءه من لطف الأمريكان ومنهم أن يخرج علينا
إلا مفلسا من كل مصداقية ومن كل قدرة . فمنهج التسول والتوسل يفسر ظواهر، وليس هو
الظاهرة ويشرح منطلقات مسار التسول والتوسل وليس هو المسار، ويبين القواعد التي
تتحكم بالممارسات السياسية وليس هو الممارسة. ولذلك يمكن فهم القلق الذي أبداه
النظام العربي على محاصرة الرئيس عرفات أو احتمال قتله، واستغرب الجمهور أن القلق
لم يمتد إلى الشعب الفلسطيني. وحينما نرجع إلى منهج التوسل والتسول سنجد أن ذلك
منسجما ومتوائما مع منطلقاته. فهم يخشون على الرئيس الفلسطيني لأنهم لا زالوا
يتصورون أن لا غيره يمكنه أن يمضي المقايضة الضيزى، وأن يسير في سلام الشجعان كما
يراه النظام العربي. ولذلك بادروا بالتهليل لأن هناك ضمانات أمريكية بعدم قتله. بل
أنهم من شدة فرحهم لم يستطيعوا كتمان الأمر أو عدم إخراجه بالطريقة الفجة التي
أظهرت أنهم لا يبالون إن سوي الشعب الفلسطيني بالتراب. فقد رأوا في عدم قتله بشرى
أن مبادرة النظام لا زال يحيطها الأمل، وأن أمريكا لم تغير ما أسرت إليهم وتأتيهم
بجديد لا يعلمونه قد يزعزع وجودهم ويزلزل أنظمتهم.
والنظام العربي يجد في
الهجوم الإسرائيلي فرصة ومخاطرة، وأعضاؤه حيارى بينهما. فلو نجح الهجوم الإسرائيلي
في احتواء الانتفاضة فهو كسب مزدوج. فسيريحه أولا من كشف عجزه المشين وهشاشته
المخزية، ويمهد المناخ لأن يعقد الصفقة التاريخية التي سترضي الأمريكان وترفع عنه
القلق من غضب أمريكي يذهب بالامتيازات ويستبدل بهم قوما آخرين. وتكمن المخاطرة
المتزايدة معالمها من فشل الحماقة الإسرائيلية أو تواصلها التي قد تأتي بما يرجون
أن يومه لا زال بعيدا
تلك هي نتائج منهج
التسول والتوسل، مع الاحتفاظ بحقوق الملكية الفكرية للسيد وزير الخارجية القطري،
التي ينبغي أن تقرأ وأن تحلل من خلال عدساته لا من خلال مناظير مختلفة تجعل
المشاعر العربية تجري هبوطا وارتفاعا كالبارومتر تبعا للأحداث والتصريحات
والمظاهرات السياسية.
* الرئيس السابق لبعثة الجامعة العربية إلى واشنطن.