أي قيمة وبأية معايير؟

 

بقلم : عدلي صادق

من خلال تقييم علمي، موضوعي، ولا أثر للعاطفة فيه أو عليه، كيف بمقدورنا أن نحسب قيمة الاتفاقات والعلاقات العربية مع الدولة العبرية، والقيمة المعنوية، وما فيها من الإحترام والمهابة و مسك الخاطر للحكام الذين يحرسون هذه الاتفاقات والعلاقات؟!

ففي شؤون الحياة العادية، يمكن للمرء أن يشطب من رأسه ومن قلبه، أعز صديق، إن فوجئ بأن هذا الصديق لا يتنازل عن حق له علي شخص ثالث، إكراماً للمرء، عندما يدخل علي الخط بكل ثقله لصالح الشخص الثالث؟ أما عندما لا يتنازل الصديق عن باطل، أو عن مزاعم، أو سفالات مع آخرين، فإن المرء يبادر الي اسقاط وهم الصداقة مع السافل، بل يعدها من أفدح أخطائه!

في الأردن ـ مثلاً ـ تأخرت الإتفاقية مع العدو، وإن لم تكن الإتصالات الهاشمية ـ الصهيونية، قد توقفت منذ بدء الاستيطان في أوائل القرن المنصرم، وقبل أن تنشأ دولة هذا الإستيطان، في منتصف القرن نفسه. وكانت ذريعة الحكم، أن الأردن سيبرم الاتفاقية، بعد أن يتوصل أصحاب القضية الي السلام . فماذا عن الموقف، وعن الاتفاقية وعن العلاقات مع العدو، بعد أن اتضح أن السلام الفلسطيني الإسرائيلي، الذي تأسست تبعاً له، اتفاقية السلام الأردني الإسرائيلي قد انقلب الي حرب ضارية، تشنها الدولة التي تحكمها أشد العناصر فاشية وعنصرية وتطرفا وإرهاباً؟!

وفي مصر، كان الرئيس السادات قد مضي في تنفيذ الورقة المصرية، من اتفاقات كامب ديفيد تحت عنوان الورقتين، وأن هناك ورقة لاتفاقية إطار، للقضية الفلسطينية. صحيح أن الفلسطينيين لم يختبروا جدية العدو في كذبة الحكم الذاتي، لكن الصحيح أن السادات اختبر هذه الجدية بوضع أعلام المدعوين الي مؤتمر مينا هاوس وكانت النتيجة، أن الليكودي إلياهو بن أليسار، رئيس الوفد الإسرائيلي الي مينا هاوس رفض دخول القاعة ما لم يُزل العلم الفلسطيني. ولما قيل له ان الجماعة لن يصلوا فجأة الي القاهرة، ولن يقفزوا من فوق أسوار دمشق العالية ـ آنذاك ـ وأن المسألة شكلية، لإثبات أنهم قد رفضوا الدعوة والفرصة المتاحة (وما تزال بعض الأوساط الفكرية والإعلامية، في مصر، تتحدث عن فرصة ضائعة في مينا هاوس ) إلا أن بن أليسار رفض التبرير، وأصر علي التعامل مع المسألة، بمعانيها الرمزية، المرفوضة من قِبل الليكود والفاشية الصهيونية.

والآن، مرت سنوات، علي محاولات الفلسطينيين، تنفيذ شيء من مضمون الورقة ـ الإطار، التي مضي بذريعتها تنفيذ الورقة المصرية من كامب ديفيد . ويعرف الأمريكيون، أن كامب ديفيد كانت صفقة متكاملة، وأن موضوع السلام الشامل كان هدفها النهائي، وأن انقلاب الطرف الإسرائيلي علي مساعي واتفاقات السلام الشامل، يجعل الطرف المصري في حِل من بعض التزاماته ذات الصلة بشكل السلام الشامل ومفاعيله، كالتطبيع والعلاقات الديبلوماسية. فما أخذته مصر من كامب ديفيد هو معظم حقها القُطري، وما تبقي من تلك الإتفاقات، ينبغي أن يكون مرهوناً بمسألة السلام الشامل!

وبصراحة، كيف يمكننا أن نعتبر الحُكام العرب، الذين تقيم أقطارهم علاقات مع الدولة العبرية، كباراً ومؤثرين، وذوي مهابة، وأن نعتبر ـ في الوقت نفسه ـ تدابيرهم وعلاقاتهم مع العدو، حكيمة وذكية وذات أسباب قوية، إن كان هؤلاء الحكام ـ مجتمعين ـ غير قادرين علي تأمين سفر ياسر عرفات الي بيروت وعودته، بموجب حق كفلته اتفاقات كانوا من رُعاتها والشاهدين عليها، ثم يصبحون غير قادرين علي إيصال قارورة ماء لياسر عرفات، فضلاً عن عجزهم عن وضع أي أفق سياسي للفلسطينيين، أو عن إشعار شارون بخطورة العبث في مصير المنطقة؟!

لا نود التزيّد في التقريع. فأمام الحكام العرب، الذين لهم علاقات مع العدو، ألف سبب يبرر لهم أن يخلعوا من العلاقة التي باتت مُحرمة. والفلسطينيون لا ينتظرون منهم شيئاً غير الخلع المتاح. فهل يطلب الفلسطينيون شيئاً من حكام سورية، الذين استراحوا من كل شيء، لمجرد أنهم لم يقيموا علاقات متأسسة مع الدولة العبرية، وإن كانوا قد شبعوا تجريباً واتصالات؟!