فلسطين قضية غير عربية
بقلم
: زياد ماجد
ليس ما يجري في فلسطين اليوم تكراراً لما جرى في عمليات
عدوانية سابقة. فثمة محاولة إسرائيلية لتدمير رمزية السلطة الفلسطينية من جهة
وتفكيك بنيتها المادية من جهة ثانية، بهدف خلق واقع لا يمكن للفلسطينيين فيه
الاستمرار بانتفاضتهم ولا حتى إطلاق مفاوضات سياسية تعالج القضايا التي يناضلون في
سبيلها، وصولاً الى إجبارهم على القبول بحل إسرائيلي <<لمشكلتهم>>.
ولعل
تذكر الحل الذي اقترحه شارون قبيل انتخابه، والقاضي بإقامة <<دولة>>
فلسطينية فوق قطاع غزة وجزء من الضفة الغربية (24% من أراضيها)، يفيد في معرض
تحليل أهداف العملية الراهنة وبعض سلوكياتها (مثل ترحيل العشرات الى غزة وتجنب
اقتحام قطاعها).
هل
يمكن إفشال محاولة الحل الاسرائيلية هذه؟
ترتبط
الإجابة على ذلك بعامل واحد أوحد: قدرة الشعب الفلسطيني وقيادته على الصمود
والقتال بمعزل عن أي رهان دولي أو عربي.
فدولياً،
يبدو التواطؤ الأميركي كاملاً والى حدود غير مسبوقة، في حين يسيطر الصمت الحكومي
أوروبياً.
أما
عربياً، فالعجز والاستسلام للانتظار سائدان. وهنا بيت القصيد، إذ لم يعد من الجائز
الاستمرار في استخدام مصطلحات ومفاهيم وعموميات وكأنها بديهيات أو مسلمات.
فما
معنى أن يطالب العرب بنصرة فلسطين باعتبارهم مستهدفين وأكثرهم غير متضرر أو متأثر
اقتصادياً وسياسياً بما يجري، ولا هو قادر أساساً بحكم تركيبته الداخلية وعلاقاته
الخارجية على مواجهتها.
لنحاول
التدقيق قليلاً في خريطة الوطن العربي ولنحدد أي <<عرب>> نناشد...
ما
هي علاقة <<عرب>> موريتانيا وليبيا وجزر القمر وقطر بما يجري اليوم
فوق أرض فلسطين؟ وما هي مصالح <<عرب>> الصومال وجيبوتي أو تونس
والمغرب والجزائر أو اليمن والبحرين وعمان المهددة إن ضاعت فلسطين والمنتعشة إن
تمكن أهلها من الانتصار؟ وعلى أي أساس يمكن للحكومات في هذه الدول والممالك أو للشعوب (راضية كانت
أم مقموعة) أن تتحرك لنصرة القضية الفلسطينية أو حتى للدفاع عن مصالحها إن هي
اعتبرت أن الحرب تشن عليها؟
ربما
يمكن أن يقال إن السعودية والعراق والكويت قلقة مما يجري. لكن يمكن أن يقال أيضاً
إن قلقها مصدره أسباب غير فلسطينية، وبالتحديد أميركية، نتيجة احتمالات الحرب
الأميركية الجديدة في الخليج.
الخلاصة
ان مصر وسوريا والأردن هي الممعنية بما يجري والمتحسسة من خطر انتصار إسرائيلي
لتماسها الجغرافي مع فلسطين... لكن ما الذي تقوم به؟ أين هي ديبلوماسياتها؟ وأين
هي إجراءاتها ضد إسرائيل والمصالح الأميركية؟ وأين هو عملها الداعم للفلسطينيين
خارج إطار التصريحات والمزايدات؟
هذه
أسئلة لم يعد التهرب منها ينفع في شيء، ولم تعد رومنسية القومية العربية تفيد في
الإجابة عليها.
فالقضية
ليست قضية أنظمة قمعية متآمرة فحسب (وإن صح فيها كل هذا القول)، ولا هي قضية شارع
غاضب تعيقه الحدود الجغرافية <<المصطنعة>> عن التواصل والتماسك
والدفاع عن <<فلسطينه>> وأهلها فقط.
القضية
أعقد من ذلك، وأكثر التصاقاً بكمّ الهموم والتحديات والمكتسبات وصراعات المصالح
الجاثمة فوق كل طبقة وفوق كل مجتمع وفوق كل منطقة من مناطق الانتشار العربي...
... أما لبنان الذي لم نذكره. فقصته قصة أخرى.
قصة تلاحم فعلي مع الفلسطينيين، تلاحم حرب أهلية، وتلاحم حرب تحريرية، وتلاحم
حرمان من حقوق مدنية.
قصة
لنا عودة إليها لاحقاً، ومن بوابة مزارع شبعا...