الادارة السياسية للازمة الراهنة:

رسالة الى القوى السياسية العربية

 

 

بقلم : طلعت رميح

tromaih@hotmail.com

 

ثمة سببان لكتابة هذه الرسالة:

الاول :هوالقلق من وصول الهبات الجماهيرية العارمة التى تجتاح محيط المنطقة العربية من ادناها الى اقصاها ،تاييدا للانتفاضة ودعما لها ودفاعا عنها ..الى نفس النتيجة التى وصلت اليها الهبات السابقة الداعمة للكفاح الفلسطينى فى النتفاضة الاولى التى استمرت سبع سنوات..ونفس مصير الذى وصلت اليه الهبات الجماهيرية المؤيدة لانتفاضة نفق الاقصى..ونفس المصير الذى واجهته الهبة الجماهيرية الكبرى عند بدء الانتفاضه الراهنة والتى صارت خامده الا ما ندر حتى جاءت المرحلة الراهنة من العدوان الصهيونى.

الثانى: ملاحظة انه بينما الحكومات باتت مدربة على استيعاب هذه المظاهرات ..بكل معانى الاستيعاب وطرقه واساليبه ..فان القيادات العفوية الجماهيرية مثلها مثل القيادات السياسية المثقفه والمدربة..لا تدرى ما تفعل بهذه الحشود الهادرة او معها سوى الانخراط وسط صفوفها وطرح الشعارات السياسية وقيادة الحشود طالما هى غاضبة الامر الذى جعل النتيجة النهائية الغالبة حتى الان لكل ما جرى تاتى على نفس الارضية السياسية التى حددتها الانظمة العربية فى موازناتها مع بعضها البعض او مع الامريكان او مع الضغوط الصهيونية .لا يعنى ذلك بالطبع بان الامور تجرى كاملا كما تريد الانظمة تماما او ان الحركة تجرى بارادة الانظمة او ان لا نتائج ايجابية باهره فى توعية الجماهير بطبيعة المعركة والاعداء وايقاظ مشاعر التضامن وغيرها كثير.

*****

القضية الرئيسية التى تطرحها هذه الرسالة وتلفت النظر اليها ووضعها امام الجميع هى انه فى مثل هذه الحالات الجماهيرية لا ينبغى ان يكون الجهد الرئيسى للقيادات والطلائع متركزا فى قيادة التظاهرات-فقط- ولا فى رفع الشعارات السياسية والاهازيج - فقط-لكن الجهد الاهم يجب ان يتوجه نحو تنظيم الجماهير فى اشكال جماهيرية تنظم الجهود وتفعلها وتحافظ على ديمومتها طالما الاحداث مستمرة ، وفى غير استمرار شدتها وطرح الشعارات المرحلية التى تنطلق من تجذير البعد الشعبى المختلف عن الرؤى الرسمية فى المنطقة العربية اى خيار المواجهة.  ذلك ان الحادث الان هو ان القيادات والنخب منشغله ليل نهار بالندوات والمؤتمرات وبالمظاهرات والحديث للجماهير حول المآسى الفلسطينية وحول الشعارات السياسية المطلبية –وهو جهد طيب ولا شك- وهى تحركات غالبا ما يتناقص عدد المتواجدين-كثرة من الكلام المعاد غالبا- فيها رويدا رويدا حتى تنتهى الحاله ويعود الناس كما كانت عليها الاحوال قبل اندلاع المظاهرات الغاضبة وتخرج انظمة الحكم الرسمية سالمة تماما تقريبا بموازناتها واوضاعها وحيث لا تتطور الحركة الجماهيرية باتجاه خط المواجهة ومحاصرة مواقف الحلول المتهادنة والمتخاذلة او الضعيفة.

*****

الموقف السياسى والفهم السياسى هو خلف تلك المشكله.

المشكلة الحقيقية فى كل ما يجرى –بل فى عمق تاريخ الحركات السياسية العربية- الا قليلا –هو انها حركات ليست مستقلة حقيقة عن ارضية النظم الرسمية الامر الذى يجعل الخلافات مع هذه النظم خلافات تكتيكية وليست جذرية .فهى اما حركات مطلبية توجه اهتماماتها وتركزها على الطلب من الانظمة  وتراهن عليها واماحركات تستهدف الضغط علي هذه الانظمة فى سبيل تحقيق هذه الطلبات –لا فرق جوهرى فالنتيجة واحدة .ان القضية الجوهرية هى الانطلاق من حدود محددة للمواقف الرسمية وطرح البديل الكامل لها فى الصراع مع الصهاينة والامريكان .تلك هى القضية والفهم السياسى الكامن خلف هذه المواقف-اضافة الى عدم الثقه فى النفس-هو عدم ادراك الحركة السياسية –بجد- عمق المخاطر الصهيونية بما يجعل قضية المواجهة المباشرة مع الكيان الصهيونى والولايات المتحدة هى القضية الاولى بلا استثناء وبما يجعل كل تحركاتها وافكارها بشان الاحداث والمطالب الداخلية مرتبط بتلك القضية .لو ان الامر كذلك لاصبح الموقف مختلفا فى التعامل مع الجماهير او بين القوى السياسية وبعضها البعض ، وفى التعامل مع الشعارات السياسية وفى الدعاية والدعوة الاستراتيجية والمعتقدية بل وفى الصراعات والخلافات مع الاجهزه الرسمية.ان شعارات قطع العلاقات مع العدو الصهيونى دون التوجه للسفارات بصفة يومية –وتحويل حياة من فيها الى جحيم -حتى اغلاقها ،وكذلك السفارات الامريكية فكثير من الحركات السياسية نقود الجماهير للطالبة باغلاق السفارة الاسرائيلية فى القاهرة وعمان –دون ان يتوجهوا الى السفارة الامريكية . شعارات الحرب عن طريق الجيوش النظامية هو فى النهاية شعار مطلبى يدعم الثقه فى امكانية حدوث ذلك.

*****

ان جذرية المواقف واستقلالها عن الاطروحات الرسمية التى تحكمها توازنات وظروف الاوضاع الداخلية-حيث لوبيات الضغط الامريكية والصهيونية والفسادية-والتوازنات القطرية والدولية ،وتوجيه كافة الجهود والنشاطات فى كافة المجالات باتجاه خيار المواجهة هو الحل الصحيح والمنتج لحركة جماهيرية قادرة على الفعل وقادرة على ايجاد البديل وقادرة على احراج كل الضعفاء وعلى تنمية الوعى واشعار الجماهير بقدراتها.

بقى ان هذا الاتجاه هو ما يدفع الحركة الجماهيرية نحو تحركات رشيدة ومتميزة دون الانقلاب الى احداث داخلية صدامية .وهو امر لا بد من دراسته من قبل الطلائع السياسية .ان جذرية المواقف وتحويلها باتجاه العدو –الامريكى والصهيونى –وادارة كل الصراع السياسى من خلال هذا الاتجاه ومن زاويته ومن زاوية توازناته وضروراته هو وحده القادر على تغيير كل ظروف الحركة السياسية .هو القادر على الانجاز جماهيريا وفى حلحلة العلاقات بين القوى السياسية وبعضها البعض.