هذا وقت التضحيات

 

بقلم : وائل عثمان

wosman2002@hotmail.com

 

لا أدرى ماذا سيكون عليه الحال في فلسطين بل حتى في مصر عند نشر هذا المقال، فالأحداث تتلاحق بسرعة رهيبة. لكن مهما تغيرت الأحوال، ستظل النتائج المستخلصة واحدة، والرسالة المستهدفة لا تتغير حتى ولو احتلت إسرائيل كل الأراضى الفلسطينية أو ارتفع معدل قتلها للفلسطينيين لآلاف بدلا من عشرات في اليوم الواحد. كذلك، لن تتغير إذا ما صعّد النظام المصرى من أسلوب مواجهة الطلبة المتظاهرين بأكثر من الضرب المبرح القاسى اللاإنسانى والذى بثته العديد من القنوات التليفزيونية.. رغم أنهم ما خرجوا إلا ليقولوا "لا" لإسرائيل وأمريكا.

ستظل الرسالة واحدة.. وهى أن هذا هو وقت التضحيات.

سئمنا الكلام والمناقشات والتحليلات الذكية والغبية وإبداء النصح للشباب "المتهور الطائش - وربما غدا العميل -!"  وللشعب الذى "لا يعرف مصلحته ولا يفهم في السياسة"!

نعم. هذا وقت التضحيات

..والكتّاب ومثقفو الأمة في المقدمة. هذا وقت الكلمة تقال، لا نخشى فيها غير الله، فإنها شهادة سنحاسب عليها، ولو كان الثمن هو الاعتقال. فلن نكون أفضل من المعتقلين هناك في إسرائيل.

وإذا كان المتنبى قد سخر من قومه في الشطر الثانى من بيته الشهير "يا أمة قد ضحكت من جهلها الأمم" فإنه لو كان بيننا الآن لقال "يا أمة قد سئمت من صمتها الأمم".

هذا وقت التضحيات

إن كنت تنعم في رغد من العيش فتذكر إخوانك الذين هدمت بيوتهم وحرقت أرضهم، فحاول أن تشاركهم محنتهم فرسولنا الكريم عليه أفضل الصلاة والسلام يؤكد على هذا المعنى حيث يقول "من أصبح ولم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم" ولا أقول لك تبرع بكل ما تملك (فنحن لن نصل لدرجة إيمان أبى بكر الصديق رضى الله عنه) ولا أقول لك امنع نفسك عن نعم الدنيا وحلالها الطيب، لكن جرّب أن تدفع للمقاومة الفلسطينية مقابل كل متعة حلال تتمتع بها جزءا مما تدفعه فيها.

حاول إن كنت تستخدم سيارتك دائما، أن تستغنى عنها يوما وتستخدم المواصلات العامة، واحمد ربك على نعمة المشى التى حرم منها أخ لك هناك أصيب بطلقة من جنود أحفاد القردة والخنازير، وتبرع بقيمة "بنزين" هذا اليوم للمقاومة.

ولا تحتقرن ضآلة ما ستتبرع به فرب درهم أثقل في الميزان عند الله من ألف دينار كما أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم.

المهم هنا أن نوجه ما نتبرع به لجهة نثق في أمانتها وقدرتها على تسليمها لمستحقيها فإن تجاربنا مع الجهات الرسمية علمتنا الحذر من التبرع من خلالها.

هذا وقت التضحيات

إن كنت طالبا فلا تجبن واخرج للتعبير عن رأيك، وتذكر أنه وإن فاتتك محاضرة أو محاضرات فإخوانك هناك قد أغلقت في وجوههم منافذ العلم والمعرفة.

وليس مطلوبا منك سوى التضحية بساعات قليلة يعلو فيها صوتك لتسمع شباب العالم الذى خرج يتظاهر من أجل فلسطين إن هذه هى قضيتنا جميعا نحن العرب والمسلمين.

هذا وقت التضحيات

نداء لكل من يتعامل مع الكمبيوتر والإنترنت ويجيد لغة أجنبية أن اقتطع من وقتك ما تبلغ به العالم كله حقيقة الموقف. واعلم أنهم هناك يحترمون الرأى العام ويتأثرون به عند رسم سياساتهم واتخاذ قراراتهم. وإنه، والله، لفرض عين سيحاسب عليه كل مستطيع يهرب من هذا الميدان.

هذا وقت التضحيات

واعذرونى إن وصفت ما نقوم به، أو ما يجب أن نقوم به، بالتضحيات. فأية تضحيات هذه؟

إنى لأخجل والله وأنا أمنى نفسى بأنى هكذا قد أديت واجبى. أخجل من وفاء إدريس وآيات الأخرس ودارين أبو عيشة وكل شهيد وشهيدة في فلسطين.

أخجل ولا أدرى من الذى يضحك على من. هل أنا الذى جاوزت المدى، أم أنا وأنتم كلانا يضحك على ومن الآخر.

ضحك كالبكا؟ لا بل هو بكاء في بكاء في بكاء. 

لكن ليس هذا وقت ذرف الدموع ولطم الخدود، والتوسل أو التسول لدى أمريكا. نريد أن نوجه هذه الشحنة الانفعالية في اتجاه وعمل إيجابى حتى يكون دعاؤنا لشهدائنا له معنى ومصداقية.

لا أحب أن أثبط من حماس واندفاع الشباب، لكن لا أحب أيضا أن يكون بلا جدوى أو فائدة. وللأسف فإن الرؤية الشاملة لما نستطيع عمله غير واضحة لدى الشباب، وهذا شئ طبيعى في غياب القيادة والرمز والقدوة.

إن الكثيرين يطلبون بصدق فتح باب الجهاد، وهو حق وواجب لا شك في ذلك، ومن يستطيعه فهو الجهاد بمعناه الأعظم. لكن ما العمل إذا حيل بيننا وبين الجهاد بالنفس؟ هل نقنع أنفسنا بأننا حاولنا ونكتفى بهذا؟

أين إذن فهمنا لقول الله تعالى "إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة " وقوله تعالى "يا أيها الذين أمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم، تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم، ذلك خير لكم إن كنتم تعلمون".

وإن كانت "النفس" قد سبقت "المال" في الآية الأولى فإن "المال" قد سبقها في الآية الثانية.

والقاعدة تقول: "ما لا يدرك كله لا يترك جله".

 هذا وقت التضحيات

إن قيمة التضحية المتكررة بمال أو وقت أو جهد هى في استمرار الإحساس بالقضية والتعايش معها في كل لحظة حتى إذا جاء الوقت والمكان المناسبين لكل فرد تفجرت طاقة العنف المتراكمة من هذا التعايش في الموضع الصحيح إن كان هنا أم هناك.

هذا وقت التضحيات

فإن لم تكن تشعر برغبة صادقة وميل للتضحية، بل إن لم تنو الآن وليس غدا أن تترجم هذه الشحنة من الغضبة لله والوطن إلى عمل إيجابى فاعلم أنك خارج الدائرة خارج الزمان بل خارج الحياة كلها.