الرؤى المتناقضة للتسوية .. مشهد مقارنة

 

 

 

بقلم : عبد الرحمن فرحانة

 

 

اليمين الصهيوني في واشنطن و اليمين الصهيوني في تل أبيب يشكلان قطبي المعادلة في المشهد السياسي الراهن ، و يتردد بوش بينهم كبندول ساعة الحائط بثبات و رتابة لاعتبارات نفعية و أيدولوجية . و معظم المؤشرات تشير إلى أن بوش يسحب أمريكا نحو اليمين بوتيرة أعلى حتى من الرئيس ريغان تحت شعارات قومية لا يستطيع الطرف المعاكس مواجهتها مستثمراً أحداث الحادي عشر من سبتمبر .

 

في الاتجاه الموازي يقوم شارون بتمتين قاعدة اليمين برغم التناقضات التي تتخللها مستثمراً اللحظة الراهنة لحالة الجمهور الصهيوني المتوتر من جراء الوضع الأمني المضطرب . بل إن الاتجاه المعاكس في الحالة الصهيونية المتمثل بحزب العمل يعيش حالة انقسام غير مسبوقة في ظل تنافس رؤوسه الثلاث بن أليعازر و رامون و بورغ و ما يرافقه من انقسام أيضاً في الرؤى السياسية تجاه العلاقة مع اليمين في الحكومة الحالية ، و كذلك العلاقة مع الطرف الفلسطيني في ظل التغيرات الراهنة التي أفرزتها انتفاضة الأقصى . و مع أن المشهد الآنف الذكر لا يُرى فيه أية خيوط أمل للحالمين بخيار التسوية و المصابين بحمّاه السياسية إلا أن الأسطوانة المشروخة ما زالت تردد .. "(السلام) خيارنا الاستراتيجي"!! .

 

و مما يزيد الأمور تعقيداً فإن الصورة البانورامية الحالية للمشهد تضم ثلاثة رؤى متناقضة تماماً و من المستحيل إجراء توافق بين مضامينها و هي :

 

-رؤية بوش .

 

-خطة شارون .

 

-رؤية السلطة الفلسطينية .

 

فالرؤية التي طرحها بوش جاءت مخيبة للآمال لكونها منحازة و فضفاضة السياق يشوبها ضبابية متعمدة و منفلتة من الجدولة الزمنية المطلوبة و لا تتحدث عن أية آليات للتنفيذ ، حتى مرجعيتها يمكن التلاعب عليها . أضف إلى ذلك أنها لم تلزم أمريكا بأية التزامات محددة و جادة ، و الطامة الكبرى أنها جعلت شارون ضابط الإيقاع و وفق دقات قلبه و على هواه ستتسلسل خطوات تنفيذ متطلبات الرؤية . من جانب آخر ألزمت بعض الأطراف العربية التزامات واجبة التنفيذ دون مناقشة و بطريقة استعلائية .

 

و تلخيصاً تعبر الرؤية عن انتصار حاسم لليمينين الأمريكي و الصهيوني و تمكنهما من فرض أجندتهما ، كما أنها أفضت عن خفة الوزن الدبلوماسي العربي و هامشية دوره برغم جهوده المحمومة في هذا السياق . و برغم المديح الخجول الذي لاقته الرؤية من قبل بعض الأطراف في المنطقة إلا أنهم في قرارة أنفسهم يلعنون كل حرف فيها و لكن ثقل الهيمنة الأمريكية تعقد الألسن . و كتنفيس عن هذه الحالة المحتقنة ترددت أصوات بعض فقهاء السياسة العرب للمطالبة بالإيضاحات و التفسيرات و عن طبيعة آليات التنفيذ و نحو ذلك .

 

و في الاتجاه الآخر يطرح شارون رؤيته للحل لكي يضع على الطاولة الترجمة العبرية لرؤية بوش ليكون فرسان "السلام" في الجانب العربي على نور .. في نفق التسوية !! .

 

و حسب زئيف شيف الكاتب الصهيوني في هآرتس العبرية بتاريخ 28/6/2002 ، فالتفاصيل الأساسية لخطة شارون هي:

 

-لا نية لشارون للتفاوض حول الحل النهائي إنما حول مواضيع ثانوية .

 

-يجب تأجيل إقامة الدولة الفلسطينية .

 

-لا تفكيك للمستوطنات أينما كانت .

 

-و حسب خطة (طريق الإصرار) يرغب البقاء في مناطق الضفة الغربية لمدة زمنية طويلة بحجة اقتلاع الإرهاب .

 

-السيطرة على منطقتين أمنيتين غربا بمحاذاة الخط الأخضر و شرقاً في غور الأردن و كذلك منطقة (غلاف القدس) .

 

-المستهدف هو اتفاق مرحلي فقط و لفترة طويلة .

 

و المفردات أعلاه تعبر عن مدى انخفاض السقف الواطئ الذي سيطأطأ رؤوسهم له الحالمون بالتسوية و إلا فالعصا الغليظة بانتظارهم و لا خيار مستقبلاً في منطقهم ربما سوى الانصياع .

 

و في الجانب الفلسطيني تبرز رؤية السلطة الفلسطينية التي قدمها نبيل شعث للإدارة الأمريكية قبيل إطلاق رؤية بوش ، و تضم في متنها حسب الكاتب الصهيوني عكيبا الدار في يديعوت أحرونوت العبرية المضامين التالية :

 

-الحدود بين الدولتين الفلسطينية و (الإسرائيلية) هي خطوط الهدنة في الرابع من حزيران 1967 مع تعديلات طفيفة متبادلة و متساوية .

 

-ممر إقليمي بين الضفة و القطاع .

 

-القدس الشرقية عاصمة لفلسطين و الغربية عاصمة لـ (إسرائيل) !! .

 

-القدس مدينة مفتوحة لأبناء الديانات الثلاثة .

 

-الطرف الفلسطيني يفرض سيادته على البلدة القديمة ما عدا الحي اليهودي و منطقة حائط (المبكى) .

 

-إقامة تعاون أمني بين الطرفين يتبعه نظام أمني إقليمي .

 

-عدم السماح لانتشار قوات معادية لأي من الطرفين في أراضي بعضهما البعض .

 

-الاتفاق على حل "عادل" لقضية اللاجئين استناداً لقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة (194) !! .

 

-حل قضية المياه وفق المعايير و المواثيق الدولية .

 

-إنهاء الصراع و توقف المطالبة بأية حقوق من قبل الطرفين !! .

 

القراءة السريعة للرؤى الثلاثة المتناقضة و ما يحيط بهما من مناخ سياسي مضطرب لا يبشر بأن المنطقة مقبلة على إرساء قواعد لتسوية كما يحلم بها مبشرو (السلام) العرب ، لأن ما يحدث ليس تسلسلاً منطقياً من شأنه أن يوصل لاتفاق تسوية إنما ما يجري هو فرض لأجندة شارون تحت غطاء من الطحن العسكري على الساحة الفلسطينية و تخويف بالعصا الأمريكية الغليظة للأطراف الإقليمية . و تتجه الأمور نحو التصعيد بوتائر أعلى مما سبق و ذلك لأن الطرف الصهيوني متمسّك بأجندته بشكل تامٍ و غير مؤهل لتقديم تنازلات ترضي الحد الأدنى من تطلعات الطرف العربي . و الأهم من ذلك أن الدور السياسي الأمريكي يتناغم في الوقت الراهن مع استراتيجية بوش الجديدة القائمة على القسر مخلّفة استراتيجية الردع و الاحتواء لملفات التاريخ .

 

و لأن المقاومة الفلسطينية تشكل عقبة كأداء تقف دون تحقيق متطلبات الاستراتيجية الأمريكية بالمنطقة و استجابة للاستراتيجية الجديدة فمن المتوقع افتعال انفجار في المنطقة و ربما وفق إحدى الصيغتين :

 

الأولى : إعطاء الضوء الأخضر لشارون للقيام بمغامرة عسكرية ربما تكون على الحدود الشمالية أو ربما بمستوى منخفض كضرب أهداف منتقاة في سوريا .

 

الثانية : ضرب العراق و تقديم الملف العراقي قسراً على الملف الفلسطيني .

 

و يستهدف إحداث الانفجار في حالة وقوعه خلخلة المنطقة و إحداث متغيرات جديدة  تمكن أمريكا من هيكلة المنطقة وفق استراتيجيتها العامة ، و كذلك تعطي فرصة للكيان الصهيوني للخروج من ورطته الحالية التي أدخلته فيها انتفاضة الأقصى. و في هذا السياق يقول أحد مدراء الـ (سي آي إيه) السابقين غراهام فولر : (إنني لا أتوقع رؤية أي شيء في فلسطين ما لم تزد الأمور هناك سوءا ، و هو ما سيرغم الجميع على إعادة النظر في المشكلة مرة أخرى) .