قــراءة في فكــر منحــل

 

بقلم:  د. احمد نوفل

nofal_assabeel@yahoo.com

النهوض والارتقاء يبدأ بفكرة، والهبوط والانحطاط كذلك. وكما تفسد الاشياء وتتحلل، تفسد الافكار وتتحلل، ويفسد المنطق والمنهج الذي ينتظم الافكار، وينحل الاطار الذي يحتوي المفهومات، فتغدو كنشارة الخشب او برادة الحديد، او الغبار المتطاير.

وعندما ارشدنا القرآن العظيم الى منهج التغيير جعل مفتاحه تغيير ما بالانفس، وان اعظم ما بالانفس هو عالم الافكار، وكم نبه مالك بن نبي هذا الفيلسوف المفكر الى اهمية عالم الافكار،وان الافكار مقدمة على الاشياء، وكذا نبه الدكتور ماجد الكيلاني الى ان الامم في حال صحتها ومرحلة عافيتها، تدور في عالم الافكار «الصحيحة بالطبع» وفي حالة مرضها تدور في فلك الاشخاص وفي مرحلة الاحتضار تدور في فلك الاشياء.

والاستاذ المبدع جلال كشك رحمه الله نبه في عدة كتب له الى اهمية عالم الافكار وان الفكر المنحل او المحتل هو في ذاته: «اخطر من النكسة» ومن هنا كانت له عدة كتب من اروع روائع المكتبة العربية والاسلامية، ومنها: دراسة في فكر منحل، والغزو الفكري، ثم عدة كتب في الغزو الفكري والماركسية والقومية وغير ذلك.

فالفكر باختصار اما ان يكون رافعة ترقى بالامة او هاوية سحيقة تنحدر فيها وبها الامة. ونحن نواجه العدو الصهيوني الذي يخوض ضدنا حرباً من نوع مختلف، حرباً شمولية بكل ما تحمله الكلمة من معنى، وللفكر والثقافة والنفس فيها النصيب الاوفى. لانه ان احتل العقل والروح والفكر والنفس فقد حسم المعركة، ونشهد انه حقق في هذا الميدان: ميدان حرب النفس والفكر نجاحات هائلة، وبخاصة على صعيد المثقفين، او جماعة النضال الكلامي «الكلامولوجيا»، وان دعاة السلام مع محتل الارض وغاصب الحق والمخطط للقضاء على المستقبل، ليسوا كما يدعون دعاة سلام وانما فريق من الوكلاء والمنتفعين والمهزومين المأزومين داخلياً.

واخطر من الجاسوس المخبر عن المناضلين حتى تغتالهم يد الغدر الهمجية، اخطر من هؤلاء من يوهنون من عزم الامة ومن روح المقاومة لديها. فالمقاومة في الامة علاقة حياة، كالمقاومة في الاجسام سواء بسواء، وضرب جهاز المناعة في الامة كالافراد تماماً.. انه التسميم الفكري والايدز الثقافي والسياسي.

ومثل هؤلاء المروجين للمخدرات الفكرية منبثون في وسائلنا ومنهم المكشوف المعروف، ومنهم المتظاهر بالوطنية، ومنهم المزايد، ومنهم المغرر الجاهل وهم قلة.. ومهمة الجميع من هؤلاء التعويق والتثبيط كما وصف القرآن: «قد يعلم الله المعوقين منكم» «وان منكم لمن ليبطئن..».

وكم حدثتنا السور المدنية عن صور لما يصنع هؤلاء، ففي كل مواجهة لهم دور خفي ومعلن يتلخص في التوهين والاضعاف والتفرقة وبث اليأس..

وندخل في صلب الموضوع مباشرة، فقد كثر اللغط والحديث حول العمليات الاستشهادية التي هي اروع ما انتجت امتنا بل والعالم من صور المقاومة ضد المحتل، وأعلى ما اجترحت من امثولات البطولة والصمود، هذه العمليات التي اقضت مضاجع يهود واحلاف يهود، انبرى للتهوين منها، ولتوهين عزم الجماهير عنها جمع غفير من مرتزقة الفكر ومتكسبة الاقلام وطالبي الرضا المحلي والدولي، لانهم يغردون ضمن السرب المطبع والداعي للاستسلام.

ومن بين الركام الثقيل والغثاء الكثير اقتطف لكم بعضاً من مقالة من روز اليوسف وشيئاً من مقالة من دورياتنا المحلية.. وقبل الدخول في مقال روز اليوسف نعطيك لمحة سريعة عن حقدها اذ تقول عن عمرو خالد: روز اليوسف كشفت عمرو خالد: وكيل معتمد لتسميم العقول، كشفنا خبث خطابه الذي يبتز مشاعر الشباب ببراءة وجه حمل وسواد قلب ذئب.. الخ هذه عينة من روز اليوسف.. لمن لا يعرفها.

يكتب كرم جبر في روز اليوسف عدد 28/6 تحت عنوان: كشف حساب العمليات الاستشهادية ويسأل في بداية مقاله بأسلوب ساخر وكأن الموقف يحتمل من هؤلاء واضرابهم السخرية، فيقول: هل يمكن ان يكون «الموت الجميل» هو السبيل لانشاء الدولة الفلسطينية ورفع المعاناة والظلم عن الشعب الفلسطيني؟ وهل يمكن ان يكون واحة الأمن التي يبحث عنها الاسرائيليون؟ وكأن الكاتب كرم يريد بكرمه ان نوفر نحن الأمن للاسرائيليين، ومن هنا جاء سؤاله: هل هذه العمليات توفر لهم الامن؟ شيء عجيب، ثم يسأل: وهل يمكن ان يكون القتل الجميل هو الحل الامثل للفلسطينيين والاسرائيليين معاً؟ ولاحظتم طبعاً تكراره لوصف القتل الجميل، ولاحظتم كذلك تسويته بين الفلسطينيين والاسرائيليين وان المطلوب توفير حل امثل لهم، وهو في هذا منطلق من قناعة ان اليهود باقون وانهم شعب له حق الحياة، ولا يحق بالتالي الاعتداء على حياتهم.

ويجيب الكاتب على اسئلة نفسه بأننا «نرى لأول مرة شبه اجماع عربي على ضرورة البحث عن صيغة اخرى غير القتل الجميل او العمليات الاستشهادية حتى تتاح الفرصة لالتقاط الانفاس ليبدأ المفاوضون جولاتهم الشاقة بعيداً عن العنف والاجسام الحية التي تنفجر في الاوتوبيسات» ولن نعلق على الجولات الشاقة!! للمفاوضين ولا على مياوماتهم ولا كفاءتهم،ولا على قوله «الاجسام الحية التي تنفجر..

اما دعوى الاجماع فلا دليل عليها، ولو قلناها نحن لرمونا بالهرطقة واعلنوا عن كفرهم بالاجماع. ونحن نقول في المقابل: ان الامة مجمعة على المقاومة، والشارع العربي حكم بيننا وبينهم. وايضاً، اذا كان الكاتب يتكلم عن الاجماع الرسمي فان العالم العربي الرسمي مجمع على الولاء لامريكا ومحاربة من يقاطعونها فهل الامة مجمعة معهم؟ والرسميون العرب مجمعون على الاعتراف باسرائيل جزءاً ثابتاً من منطقتنا فهل الامة مجمعة مثلهم وعلى مثل قناعاتهم؟

ثم يقول كاتب روز اليوسف: «وليس أدل على يأس الفلسطينيين من جدوى العمليات الاستشهادية من الرسالة التي وجهتها 55 شخصية فلسطينية تناشد بوقف هذه العمليات» ونقول لروز اليوسف وكاتبها: ان الفلسطينيين كانوا يستقبلون العمليات بالزغاريد والحلوى لانها تنتقم من ظالمهم وترد على الجزار الذي يعتدي عليهم بمثل ما اعتدى عليهم. وهل يعتقد الكاتب ان اسلوب الحوار «وابناء المتحاورين يسبحون معاً» هذا هو طريق استرجاع فلسطين؟ ولماذا لم يخرج من ابناء الشعب الفيتنامي مثل السيد كرم ينصحهم بالعقلانية؟

ولو كان الرأي العام الفيتنامي على مثل قناعة روز اليوسف لفات على الشعوب المستضعفة مثل هذا الانتصار العظيم من الجبار العاتي. ولا ندري لعل الكاتب كان من المصفقين لشعب فيتنام. ولو كان الشعب اللبناني مثل كرم جبر ومجموعة الـ55 لفات على اللبنانيين نصرهم العظيم. لكن الحمد لله ان هذه الاصوات لا تمثل الا شريحة هامشية. ولو كانت الامة على منهج هذه الشريحة ماكان لنا حضارة ولا تاريخ اسلامي ولا موقع على الخارطة ولا عرفنا كرم جبر ولا عرفات.

ومجموعة الـ55 يا سي جبر رد عليها ببيان مجموعة مثلها لكن من المشهود لهم بالوطنية لا من الموصومين بالتبعية كجماعتك. ولو اراد الشعب لجمع مليون توقيع تؤيد العمليات الاستشهادية، ويا ليت اهلنا يفعلونها ليلقموا امثال الكاتب حجراً. والذين يقومون بالعمليات على كل حال فريق منهم من جماعة عرفات يا سي جبر، ومن كل الفصائل الفلسطينية التي تمثل كل الشعب عدا الموقعين والمطبعين.

ويتابع سي جبر مقاله بالقول: ان القتل لم يكن في يوم من الايام هو الذي يمنح صكوك الحياة لكن الذين يخططون للقتل هم الذين يغسلون امخاخ مقاتليهم لينفذوا ما يشاءون. ويعيد مقولة عرفات ان المخططين للعمليات في الخارج. ونقول له: تصريحات عرفات باتت معروفة الى حد الملل.

ثم يقول عنهم أي عن المخططين:انهم لا يعنيهم حتى لو سقط كل الفلسطينيين شهداء للعمليات الانتحارية. ويتكلم عن عملية الغول ويقول: ان الذين دفعوه احياء يستمتعون بحياتهم وهو مات. وكذب الاستاذ فليس من احد يدفع احداً للموت، ثم ان الغول لم يمت هكذا امرنا الله ان نعتقد. ان الامهات في فلسطين يودعن ابناءهن للشهادة.واين يستمتع المخططون بحياتهم ياسي جبر؟ ان القيادات في الداخل والخارج هي اول المطلوبين والمستهدفين، وابن نصر الله من اوائل الشهداء، وخالد مشعل كان سيكون شهيداً واحمد ياسين قضّى في السجن سنين والرنتيسي في قلب المواجهة. ثم يتابع رده على العمليات وتخسيرها لنا بأنه: «كلما تحركت الولايات المتحدة ونشطت لتحريك البحيرة الراكدة تنشط العمليات، واستشهد مرة اخرى وثالثة.. بعرفات وذكر الكاتب جهود مبارك الجبارة حيث نجح في اقناع الادارة الامريكية.. الخ ويقول : ان امريكا تراجعت بعد العملية واخر بوش خطابه» يا خسارة والف خسارة..وننصح الكاتب بأن يقرأ مذكرات كيسنجر وصاحبه السادات ليفهم متى تتحرك امريكا وهذا كله أي تحرك امريكا ونيتها في التدخل، كله من الضحك على الذقون. وهو قول مقلوب معكوس تماماً، فأمريكا تسكت وتترك اسرائيل تهضم وجبتها، فاذا ثارت عمليات تحركت، هذا ان كنا حريصين على تحركها ولكنا بخلاف جبر لا نحرص على رضاها ولا على حركتها فهي لا تعمل الا لصالح اسرائيل، واذا كانت دول عربية تبارك نجاح شارون في عملياته فماذا نرجو من امريكا؟

ويواصل سي جبر امطاره الحامضية على غراسنا، وكلماته المثبطة على رؤوسنا فيقول: ان المستفيد الاول هو شارون، وقوله بل مقاله كله يذكرنا بكاتب محلي كتب تحت عنوان: شارون محظوظ وقال فيه: اننا مضطرون للقبول بنظرية المؤامرة التي تقول بأن ثمة تلاقياً في المصالح بين مناهضي عملية السلام فلسطينياً واعدائها على الجبهة الاسرائيلية، وان هذا التلاقي قد يبرر نوعاً من التواطؤ!!

وختم مقاله «كاتبنا المحلي» بقول: الطريق الى المصائب غالباً ما عبدته نوايا مخلصة كتلك التي تعتمل في صدور الاستشهاديين!!

وهو ختام يكاد يتلاقى مع ختام روز اليوسف وكاتبها سي جبر الذي يقول:

«ان الاهداف الغامضة هي التي جعلت بعض العمليات الاستشهادية تتحول لصالح اسرائيل وضد مصالح الشعب الفلسطيني».

واذا كان المخلصون يجنون علينا كما يقول هؤلاء، فماذا نقول في الخونة والعملاء؟

وبعد فهذه عينة من الفكر المنحل الذي يوهن من عزم الامة ويكون طلائع للمحتل، مثله مثل المخبرين عن الاستشهاديين والمجاهدين

وليقل لنا عباقرة هذا الزمن الرديء: كيف يمكن ان نقابل تجاوزات اسرائيل العدوانية الاجرامية؟ وكيف يمكن ان نرد على المظالم؟ هل غير صوت النار والبارود يحق الحقوق؟ وقد جربنا السلام عشر سنين عجاف فماذا جنينا؟

وهل يمكن ان تعيرونا سكوتكم بعد تجربة السلام الفاشلة يا تجار السلام ووكلاء اليهود؟ اسكتوا ودعوا تجربة المقاومة تأخذ فرصتها كما اخذتم بتجارة السلام فرصتكم!!.