محللون اسرائيليون: اقامة الجدار الفاصل يمثل انتصاراً للحركة الوطنية الفلسطينية

جدار شارون الفاصل.. مَنْ يعتقل مَنْ؟

 

«ان من يريد اثبات انتصار الحركة الوطنية الفلسطينية على الحكومة الاسرائيلية فان عليه ان ينظر الى هذا الجدار الذي يعكف الجيش على اقامته حولنا ، أي انجاز يريده الفلسطينيون اكثر مما حققوه فعلا باجبارنا على الانغلاق خلف الجدران الاسمنتية والاسلاك الشائكة»، بهذه الكلمات علق الجنرال ايفي ايتام الوزير في مجلس الوزراء الامني المصغر وزعيم حزب «المفدال» الديني الوطني.

ويتساءل ايتام في مقابلة اجرتها معه القناة الاولى في التلفزة الاسرائيلية موجهاً حديثه الى رئيس الوزراء الصهيوني ارئيل شارون «انه من المحزن حقاً أن تسئ الى كل انجازاتك العسكرية التي يعرفها العرب، بهذه الخطوة البائسة والتعيسة. محاربة الارهاب تتطلب مواجهته في قواعده وفي عقر داره، وليس بالهرب من امامه على هذا النحو المخزي».

ويذهب بنحاس فالنتشتاين احد قادة المستوطنين اليهود في الضفة الغربية الى حد وصف الجدار الذي يعكف جيش الاحتلال على اقامته بجدار معسكر «اوشفيتس»، وهو احد مراكز الاعتقال التي اقامها النازيون لليهود في بولندا اوائل الاربعينيات، ويضيف في مقابلة مع الاذاعة الاسرائيلية باللغة العبرية قائلاً: «الا ان هناك فرقاً هاماً ان اوشفيتز اقامه اعداؤنا لنا، اما هذا الجدار فنقيمه نحن لانفسنا».

ويبدي المستوطنون اليهود في الضفة الغربية بشكل خاص حساسية خاصة لاقامة الجدار، ويتهمون الدولة بالتخلي عنهم وتركهم وشأنهم مع المقاومة الفلسطينية، كما يقول ابراهام دومب من قادة المستوطنين في «كريات اربع» القريبة من الخليل.

وهناك عدد من المفكرين المحسوبين على اليمين يرون في اقامة الجدار بمثابة تحويل الدولة الى زنزانة، كما يصفها المفكر والاديب اليميني موشيه شامير. لكن على الرغم من هذه الانتقادات، فان الاغلبية الساحقة من الصهاينة تؤيد اقامة الجدار حيث يرى اكثر من خمساً وثمانين بالمائة من الصهاينة ان هناك احتمالاً ان يؤدي اقامة الجدار الى تحسين الاوضاع الأمنية في الكيان الصهيوني بشكل ملحوظ.

ويقول أحد سكان المستوطنات الحدودية الواقعة الى الغرب من الخط الاخضر للقناة الثانية في التلفزة الاسرائيلية وهو يشير الى العمال الذين بدأوا العمل في اقامة الجدار «ليس مهم ما يقوله هؤلاء المنافقون، يمكنهم ان يطلقوا على المشروع أي وصف يختارون، لكن المهم بالنسبة لنا ان يوفر هذا الجدار الحد الاقصى من الامن».

شكوك حول جدوى الجدار كوسيلة دفاعية

وعلى الرغم من كل الاعتبارات التي يضعها اصحاب المواقف المختلفة من اقامة الجدار داخل الحلبة السياسية الصهيونية فان هناك شكوكاً جدية حول الجدوى الامنية من اقامة هذا الجدار، حيث يقول الجنرال يوم طوف ساميا الذي تولى في السابق منصب قائد المنطقة الجنوبية في جيش الاحتلال ان على المتحمسين لاقامة الجدار ان يفكروا ملياً قبل التعبير عن حماسهم لهذه الفكرة. ويضيف ساميا ان الفدائيين الفلسطينيين استطاعوا في السابق تجاوز جداران اكثر احكاماً من الجدار الذي تعكف «اسرائيل» على اقامتها. ويقول ان الجدار الذي كان يحيط بمستوطنة «عتصمونا» التي استطاع احد استشهاديي حركة حماس اقتحامها وقتل خمسة من سكانها كان اكثر احكاماً من الجدار التي تنوي الدولة اقامته ومع ذلك لم يفلح هذا الجدار في منع فدائي واحد من التسلل وتنفيذ كل ما خطط له».

ويشدد ساميا بشكل خاص على المهنية العالية التي أظهرها المقاتلون الفلسطينيون الذين ينوون تجاوز الجدار والاسلاك الشائكة لتنفيذ عملياتهم الفدائية، ويضيف ان الفدائيين الفلسطينيين اصبحوا في كثير من الاحيان مزودين بتقنيات قادرة على ابطال مفعول شبكات الانذار المبكر التي تزود بها الجدر الشائكة. لكن هناك من يشير الى ان وسائل اخرى قد يلجأ اليها المقاتلون الفلسطينيون في محاولاتهم لتجاوز الجدارن الاسمنتية مهما كانت محكمة.

ويقول الجنرال يوني فيجل المختص في تصميم التحصنيات العسكرية ان المعلومات الاستخبارية تؤكد ان لدى الفلسطينيين طائرات شراعية وبامكانهم استخدامها في تنفيذ العمليات الفدائية في أي مكان يريدون وبدون أي عائق، مشدداً على الصعوبة الكبيرة في قدرة سلاح الجو الاسرائيلي على اعتراض مثل هذه الطائرات. كما يشير فيجل الى امكانية ان يستخدم الفدائيون الفلسيطنيون المناطيد الطائرة في تجاوز الجدار الفاصل.

 

وهناك من يرى ان الفدائيين في حال تعذر عليهم ان ينفذوا عمليات في داخل الخط الاخضر، فانه بامكانهم ان ينفذوا عمليات فدائية ضد المستوطنات اليهودية والمواقع العسكرية الصهيونية في داخل الضفة الغربية وقطاع غزة، وهذا سبب اخر يدفع المستوطنين للحنق على ارئيل شارون.

ابعاد سياسية

الا ان النقطة التي تشكل ضربة سياسية لايدلوجية اليمين الصهيوني التي يمثلها شارون وحزب الليكود، هو ان اقامة الجدار تمثل اقراراً ضمنياً بالخط الاخضر الذي يفصل بين الضفة الغربية وقطاع غزة، مع العلم ان اليمين الاسرائيلي يرى انه يتوجب ضم معظم اجزاء الضفة الغربية الى «اسرائيل»، بكلمات اخرى فان اقامة الجدار كرست واقعاً سياسياً مغايراً، اقر به شارون ام لم يقر به. وهذا ما جعل للمقاومة الفلسطينية ثماراً سياسية، بعكس الشعار الذي يرفعه شارون والقائل ان «اسرائيل» لا يمكنها تقديم تنازلات سياسية للفلسطينيين ماداموا يقومون بعمليات المقاومة.

وهناك من الساسة الصهاينة من دعا شارون الى استغلال اقامة الجدار لتطبيق فكرة الفصل السياسي بين الشعب الفلسطيني و«اسرائيل»، وذلك عبر اخلاء المستوطنات اليهودية النائية، وتجميع المستوطنات اليهودية في ثلاث تجمعات كبيرة يتم ضمها لـ«اسرائيل» وذلك في اجراء احادي الجانب ودون التوصل لاتفاق سياسي مسبق مع ممثلي السلطة الفلسطينية.

قصارى القول، بمعزل عن كل ما تقدم فان هناك حقيقة بات يدركها معظم الصهاينة وهي ان أي اجراء دفاعي يقدمون عليه لن يحول دون تواصل المقاومة الفلسطينية بكل قوة حتى اقرار المؤسسة السياسية الاسرائيلية انه لا يمكن ان يطبع المجتمع الصهيوني حياته على هذه الارض دون دفع استحقاقات الاقرار بالحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني.