عوائد النفط تبخرت.. ومكانة العرب في انحسار

الاقتصادات العربية في زمن العولمة والمواجهات العقائدية

 

بقلم: نداء المعاني

 

قد يكون من مفارقات هذا العصر الذي يسمي بعصر العولمة في جميع أبعادها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية وما نجم عنه من انفتاح اقتصادي أدي إلي تبني عدد كبير من دول العالم منهج الاقتصاد الحر والذي يدعو إلي تحرير حركة السلع والخدمات ورؤوس المال والقوي البشرية أملا في زيادة الرفاه العالمي، أن نري أنه وفي الوقت الذي أجمع المحللون فيه أن عقد التسعينات يشهد تبلورا للعولمة حيث يسود في معظم دول العالم تعميم لأساليب إنتاجية وأنماط استهلاكية نجمت عن انتشار الثقافة الاستهلاكية، والثقافة الجماهيرية المنمطة عالميا، في هذا الوقت بدأت تطفو علي السطح في آخر عقدين من الزمن بذور للاختلاف والتمايز بين الشعوب ترتكز إلي المعتقدات الدينية خاصة فيما يتعلق بالإيمان والانتماء والأسرة والدم والعقيدة بعيدا عن الأيديولوجيات الفكرية الماركسية الاشتراكية والليبرالية الرأسمالية الغربية التي سادت مرحلة الحرب الباردة لعقود من الزمن. إذ أن التشابه في الأشياء وتعميمها علي المستوي العالمي الكبير أو علي المستوي الكوني أدي بالضرورة إلي حاجة المحليات في معظم أجزاء العالم التعبير عن نفسها وتميزها من خلال الفروق الخاصة لكل منها، سواء كانت ثقافية أو عربية أو دينية وهي قضية مبررة حيث أصبح العالم يمثل قرية كونية واحدة.

واقتصاديا بدأنا نلحظ انتقالا من مرحلة ثنائية الأقطاب حيث سادت العالم قوتان اقتصاديتان عالميتان، الاقتصاد الاشتراكي مقابل الاقتصاد الرأسمالي إلي مرحلة تعدد الأقطاب والقوي الاقتصادية من خلال ظهور التكتلات الاقتصادية الإقليمية والتي أصبح لها دورها الفاعل في تحديد مستقبل الشعوب والأمم، وفي حين ساد الاعتقاد لفترة من الزمن بأن الدوافع الاقتصادية كانت المحرك الأساسي لهذه التكتلات، إلا أن المتتبع لتاريخ تطورها ودراسة حالات النجاح فيها، يبدو له جليا بأن الانتماء الثقافي والحضاري والبعد الديني في هذه التكتلات أثًر في طريقة تشكلها وتكونها ونجاح عدد منها وفشل البعض الآخر منها علي الرغم من جدوي الأسس الاقتصادية التي قامت عليها، فتركيا مثلا ما زالت غير قادرة علي الانضمام إلي الاتحاد الأوروبي، في حين نري دولا في أوروبا الشرقية أدي انضمامها إلي الاتحاد إلي كلفة عالية تحملتها دول الاتحاد وتم استيعابها اقتصاديا نتيجة انتمائها إلي نفس المنظومة الحضارية والعقائدية.

ولذلك نري في مقولة صموئيل هنتنغتون في كتابه صدام الحضارات تحليلا يقترب إلي حد ما في تفسير صور التمازج والتكتل بجميع أشكاله الاقتصادي والعسكري والسياسي التي يشهدها العالم، يقول صموئيل في كتابه هذا ان الصراع في العالم الجديد لن يكون أيديولوجيا أو اقتصاديا بل سيكون الانقسام الكبير بين البشر والمصدر الغالب للصراع ثقافيا.. ان الدين أصبح محوريا في العالم الحديث... وان التقسيم الذي يشهده العالم في المرحلة المقبلة سيكون بين الحضارات المتعددة، ولذلك فإن صدام الحضارات المقبل هو صراع قبائلي علي نطاق عالمي والفروق الثقافية هي التي تحتل الأساس والمركز في التصنيف والتمييز بين البشر.

ولذلك يمكن القول هنا بأن التجاوز الجغرافي وتجاوز الحدود الفاصلة بين الدول الحديثة الذي أدت إليه التشابكات الناجمة عن التطور في أساليب الإنتاج والتوزيع والتسويق وتطور التكنولوجيا وتبني المعلوماتية المعولمة الذي خلق تنميطا موحدا لهوية هذا الكون قد أثار وأباح ظهور النزعات المحلية لتأكيد هويتها واثبات تمايزها.

والسؤال المطروح هنا ما هو موقف الدول العربية من هذه التطورات والمستجدات العالمية التي خلقت هذه المفارقات وأدت إلي إشكاليات أصبحت مصدرا إضافيا للتحدي الذي نواجهه. وتحديدا كيف يمكن أن نقيس مستوي أداء اقتصادات الدول العربية في زمن العولمة، زمن التحرر والانفتاح، سواء من أجل تأهيل المجتمعات المحلية لتطوير إنتاجها السلعي والخدمي بما يمكنها من تلبية الاحتياجات الأساسية لأفرادها بعيدا عن المكاسب الطفيلية الريعية التي أصبحت مصدر دخل أساسي في كثير من الدول العربية، ومن ثم الارتقاء بمستوي معيشتهم ليتناسب مع التطور التقني والمعلوماتي الذي يشهده العالم اليوم وبما يمكنهم من تنمية طاقاتهم ومواهبهم الإبداعية لاستدامة هذه التنمية المتحققة ولتمكنهم من تحقيق إضافة نوعية للتنمية الاقتصادية العالمية حتي تجد هذه الدول مكانها المركزي علي خريطة العالم الاقتصادية؟

أما السؤال الثاني أو الجانب الآخر في هذا الموضوع فهو يتعلق بموقف المجتمعات العربية إزاء هذه التناقضات والمفارقات التي نجمت عن العولمة وكانت الثقافة العربية الإسلامية أحد أهم مصادر إثارتها وتطورها بسبب التناقض الحاد في المفاهيم والمبادئ والقيم التي قامت عليها لدي تنميطها وتعميمها وانعكاس ذلك علي مسار التنمية الاقتصادية في العالم العربي؟

وللإجابة علي السؤال الأول لا بد من استعراض الإنجازات التنموية التي تم تحقيقها علي مدي العقود السابقة، وإذ تصنف الدول العربية ضمن مجموعة دول العالم الثالث أو دول العالم النامية، نري أن التحدي في المراحل السابقة أمام دول العالم الثالث تمثل في الانتقال من مرحلة الدول النامية أو الأقل نموا إلي مرحلة الدول الصناعية المتقدمة واللحاق بها من العصر التكنو إلكتروني إلي عصر المعلوماتية والآن ما يسمي بمرحلة تجاوز الفجوة الرقمية.

وإذا نجح العديد من هذه الدول خلال العقود الماضية والتي تلت الحرب العالمية الثانية في النهوض باقتصاداتها إلي مرحلة متقدمة من التطور والنمو أدي إلي نقلها لمصاف الدول المتقدمة كما حصل مع دول المعجزة في شرق آسيا، نري ترنح الدول العربية ومراوحتها في مكانها لأكثر من خمســــــين عاما.

وبالنظر إلي موقع هذه الدول علي خارطة الاقتصاد العالمي تظهر لنا الأرقام انحسار القوة العربية الاقتصادية وبعدها عن مراكز الثقل الحقيقي، فعلي الرغم من الزيادة في معدلات النمو التي شهدتها إلا أن مصدر هذه الزيادات يعود بشكل رئيسي إلي الزيادة في انتاج المادة الخام الرئيسية وهي النفط والتي تمثل المصدر الأساسي لمجموع دخول الدول العربية بحيث لم يطرأ تغير نوعي في بنية وهيكلية القاعدة الإنتاجية وفي حين بلغ الناتج العربي الإجمالي في عام 2000 (700,3) مليار دولار نجد أنه لا يمثل سوي 2.2% من الناتج العالمي، وما زالت الصادرات العربية تشكل ما مجموعه 3.8% من صادرات العالم بما في ذلك النفط ومشتقاته، وتمثل قيمة التجارة العربية الخارجية 3.1% من حجم التجارة السلعية العالمية وما زالت المنطقة تعاني من قصور حاد في القدرة علي جذب الاستثمارات الأجنبية أو استقطاب رؤوس الأموال العربية في الخارج والتي بلغت حوالي (1000) مليار دولار مستثمرة في الخارج، وفي حين استقطبت الدول العربية ما نسبته 0.37% من مجموع الاستثمارات الأجنبية العالمية في العام أي ما هو أقل من نصف بالمئة، وما نسبته 1% من إجمالي التدفقات الرأسمالية إلي دول العالم الثالث أي ما مجموعه 8.7% مليار دولار في العام 1999.

ولا يزال متوسط نصيب الفرد في هذه الدول من الناتج المحلي الإجمالي (2540) دولارا كما سجل في العام 2000، إلا أن هذا المتوسط يصل إلي (500) دولار في بعض الدول ويرتفع إلي أكثر من (21,000) دولار في قطر والإمارات، وتؤكد الأرقام علي وجود شريحة كبيرة تحت خط الفقر خاصة في الدول العربية ذات الدخل المنخفض والكثافة السكانية العالية حيث يبلغ المتوسط اليومي لنصيب الفرد من الناتج المحلي بالأسعار الجارية أقل من خمسة دولارات في تسع دول عربية يشكَل سكانها نحو 73% من جملة سكان الدول العربية.

وقد أدي ذلك التدهور في مستوي دخل الفرد إلي تدهور مستوي الخدمات التعليمية والصحية بما ينعكس سلبا علي معدل البطالة وإنتاجية الفرد العربي فهنالك ما يقارب الـ 80 مليون نسمة من الأمية في العالم العربي أي ما نسبته 38% من السكان، وفي حين تشير الأرقام إلي وجود 92 مليون عامل (قادر علي العمل)، فإن معدل البطالة العام يقدر بـ 20% ما يعني وجود 19 مليون فرد عاطل عن العمل، وبالنظر إلي معدل نمو السكان المرتفع فإن نسبة البطالة ستزداد ولا نريد أن نضيف هنا قضية الفجوة الغذائية والأمن الغذائي ومشكلة المياه وحجم المديونية الخارجية والذي بلغ في العام 2000 حوالي (126) مليار دولار أي ما يمثل 18% من إجمالي الناتج المحلي وما يؤدي إليه عبء خدمة هذه الديون في استنزاف الموارد المحلية.

وبتقييم سريع لتطور أداء الاقتصادات العربية في العقد الماضي واستقراء توجهات المستقبل نري تحسنا شكليا نجم عن تبني سياسات الانفتاح والتحرر من خلال تبني برامج تصحيح اقتصادي وهيكلي بالإضافة إلي انضمام العديد من الدول إلي اتفاقيات منظمة التجارة العالمية، والشراكة الأوروبية المتوسطة، وبعض الاتفاقيات التجارية الحرة وغيرها من الاتفاقيات التجارية التي أدت إلي إصلاحات في السياسات والتشريعات ومحاولة إعادة هيكلية اقتصاداتها وتنويع مصادر الإنتاج والدخل وتنشيط القطاعات غير النفطية، ولكن مرة أخري نجد أن هذه السياسات لم تخرج عن كونها نجحت في تحقيق بعض من الاستقرار الاقتصادي الكلي والتوازنات الاقتصادية العامة والخارجية دون تلمس أثر مباشر في زيادة الكفاية الإنتاجية لعوامل الإنتاج من رأس المال العربي والقوي البشرية المحلية التي تحقق الاستخدام الأمثل للموارد والتوزيع الأمثل لها وتؤدي إلي زيادة رفاه الأفراد وتحقيق الثراء للأمة بحيث ينعكس علي جميع الشرائح فيه.إذا وعودة إلي التحدي المتعلق بقضية تجسير الفجوة الاقتصادية فما زالت الدول العربية تصنف ضمن المعايير والمقاييس الدولية بأنها في المراحل الأولية من دورة التطور والنمو حيث تعتمد الاقتصادات فيها علي الموارد الطبيعية وهي تصنف بأنها دول ذات إنتاجية ضعيفة وقيمة مضافة هامشية، دول غير مبتكرة وغير مبدعة، دول لا تزال تستورد التكنولوجيا ولا تعتمد علي البحث والتطوير والإبداع في العملية الإنتاجية وبالتالي فهي قاصرة عن المنافسة في الأسواق العالمية، وهذا يقودنا إلي تحفظات أمام قدرة معظم الدول العربية علي مواجهة حالة التعري لدي الانفتاح الكامل والتحرر الذي هو في طريقه في غضون بضع سنين.

أما التحدي الآخر والذي سيؤدي إلي تبعات اقتصادية نجمت عنه حالة المفارقات التي أدت إليها العولمة والتي أشرت إليها في مقدمة حديثي، فقد بدأنا نتلمس تبعاتها السلبية، والتي تمثلت بشكل رئيسي في ارتفاع درجة المخاطر التي أصبحت ترتبط بعوامل عدم الاستقرار السياسي لدول المنطقة العربية مما قد يؤثر علي درجة الانفتاح وحرية انسياب العامل البشري ورؤوس الأموال والبضائع، بالإضافة إلي تراجع الطلب العالمي علي النفط وضعف حركة الطيران والخسارات المتلاحقة التي سجلتها عدد من الأسواق العربية والأضرار الفادحة التي لحقت بقطاع السياحة في عدد من الدول العربية، إلا أننا نتحسس بعض الآثار الجانبية قد تكون إيجابية إذا ما تم النظر إليها واخذها بالاعتبار في سياساتنا المستقبلية، وبالرغم من أن مصدر هذا التحدي يعود إلي المفارقات التي نجمت عن تبعات العولمة وما أدت إليه من نماذج حياتية منمطة إلا أنها مع الأسف أخذت تفرض علي الدول العربية والإسلامية شكل المواجهة والصراع بسبب اختلاف البيئة العقائدية والدينية التي تنتمي إليها شعوب هذه المنطقة.

وقد أخذت هذه المواجهة شكل الصراع الحضاري والمتمثل بالتحدي الثقافي من خلال الهجوم الذي يشنه العالم الغربي علي الحضارة الإسلامية والثقافية العربية والتشكيك بقيمتها ومبادئها الإنسانية التي اعتمدت عليها الحضارة الغربية في بداية انتقالها في مرحلة تطورها اثر صحوتها من العصور الوسطي المظلمة وأدت إلي نقلها من المرحلة الإقطاعية إلي المرحلة الصناعية، ومن ثم المراحل الحديثة التكنولوجية المتطورة.

إذن أصبحت الدول العربية أمام مجموعة من التحديات متداخلة ومتشابكة في أبعادها الاقتصادية والاجتماعية والعقائدية والدينية، وهذه المرحلة بحاجة إلي إعادة تقييم شامل ومفصل لهذه التحديات والفرصة الناجمة عنها لوضع استراتيجية عربية إقليمية موحدة تأخذ بالاعتبار الأولويات الملحة وبنفس الوقت تمثل خطة شاملة بعيدة المدي لوضع الكتلة العربية الاقتصادية في موقعها الملائم علي الخارطة الاقتصادية العالمية، وهنا أود أن أقترح الآتي:

1- لا بد من التركيز علي دور مؤسسات القطاع الخاص في البدء جديا بعمل دراسات وأبحاث لإعادة تحديد دوره الفاعل في العملية التنموية الاقتصادية وتعزيز مبدأ مشاركة الفرد الفاعلة، وخلق نزعة الإبداع والابتكار من خلال توفير التعليم المناسب وبيئة العمل المحفزة علي التفكير الحر المبدع حتي ننتقل إلي مرحلة الإنتاج المبدع الذي يحقق القيمة المضافة العالية التي تعزز المكانة التنافسية علي مستوي الوحدة الجزئية وعلي مستوي الاقتصاد بشكل عام.

2- الأخذ بجدية قضية التعاون الإقليمي والتكتلات الاقتصادية، بحيث يتم التنسيق الكامل بين الدول العربية حول آلية الانضمام إلي الاتفاقيات الدولية أو بعض الاتفاقيات الأخري مثل الشراكة الأوروبية المتوسطة لتعظيم الفائدة المرجوة منها.

3- ان لا يعول علي دور الحكومات في تطوير عمليات الاستثمار وزيادة حجم التراكم الرأسمالي والبشري العربي وزيادة كفاءة استخدام الموارد، ان هذا المشروع يجب أن يتحمله القطاع الخاص العربي من خلال تأسيس مجلس للأعمال العربي علي مستوي الجامعة العربية بحيث يتم التنسيق بعيدا عن الأدوار السياسية وإنما بناء علي الموجبات والمبررات الاقتصادية والاجتماعية التنموية.

4- ان مواجهة مرحلة الصراع والتحدي اللذين فرضهما العالم علي الدول العربية بسبب الثقافة العربية المتميزة والخلفية الدينية الإسلامية يجعل هنالك حاجة ماسة إلي التركيز علي قضيتين متلازمتين لا بد من أن تعمل الحكومات علي توفيرها وهي قضية الأمن لمواطنيها بأبعادها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية وتوفير الحد الأدني من الحرية بما يخلق أفرادا لديهم قدر كاف من الانتماء لإعادة صياغة هويتهم بدون نزعات التطرف أو التبعية المفرطة من خلال إيجاد القنوات التعليمية المناسبة بحيث نتجاوز المخلفات القبلية والعصبيات وعقلية المجتمع السلطوي والأبوي والعشائري الذي يهدم أسس بناء مجتمع مدني قادر علي النماء والتطور.

إن مجمل ما سبق يشير إلي التلازم الوثيق في ضرورة تحقيق التنمية الاجتماعية والاقتصادية بشكل متلازم لخلق إنسان عربي متوازن ورفع سوية أدائه علي المستوي الفكري والثقافي والاقتصادي والاجتماعي بحيث يصبح جزءا من منظومة اجتماعية واقتصادية فاعلة تعمل باتجاه تحقيق أهداف واضحة ومحددة تشعره بالانتماء من خلال مساهمته فيها والإضافة إليها وتعزز قدراته الإنتاجية، ولا بد أن تحقق التنمية المستهدفة الحد الأدني من العدالة في توزيع الحصص والمكاسب الاقتصادية من خلال مؤسسية العمل وتبني قيم العمل المنتج وقضية الإبداع والابتكار لدي الفرد العربي أملا في إنجاز مشروعنا النهضوي العربي الذي نتطلع إليه في جميع أبعاده.