ملكي (أكثر من الملك)

 

بقلم: وديع الخازن 

 

 في الوقت الذي اجمعت الأوساط العربية كافة على رفض مضمون خطاب الرئيس الاميركي جورج بوش، اعتبرت الحكومة الاسرائيلية ان ما جاء في هذا الخطاب حقق انتصارا دبلوماسيا لرئيس الوزراء الاسرائيلي أرييل شارون الذي تمكن خلال زياراته الست الى واشنطن من اقناع الرئيس جورج بوش باقصاء الرئيس الفلسطيني ياسر عزفات.

ونقلت أوساط واسعة في واشنطن عن مسؤولين اسرائيليين قولهم ان خطاب الرئيس بوش تميز، في الأساس، بلهجة اشد عداء للفلسطينيين، ولكن المسؤولين في وزارة الخارجية الاميركية بذلوا جهدا مضنيا من أجل التخفيف من حدة مضمونه، وشطب التعابير القاسية. وبحسب المصادر الاسرائيلية، فان مسودة الخطاب شهدت 27 تعديلا منذ اعداده في وزارة الخارجية قبل شهر تقريبا.

وما كاد الرئيس جورج بوش ينتهي من القاء خطابه يوم الثلاثاء الماضي حتى بادر أرييل شارون الى الاتصال هاتفيا بمستشارة البيت الابيض لشؤون الامن القومي كوندوليسا رايس ليبلغها رضاه التام عن فحواه، وليقول لها بالحرف الواحد: <<لقد استمعت الى هذا الخطاب باهتمام كبير، وكان له وقع عميق لدي. وأرجوك ان تنقلي تقديري للرئيس على تصميمه في مكافحة الارهاب وعلى قيادته للعالم الحر>>. وجاء موقف وزير الاتصالات الاسرائيلي ريوفين ريفلين، وهو من قياديي الليكود، ليؤكد ان خطاب الرئيس جورج بوش فاق توقعات حزب الليكود، وانه ما كان ليتردد في ان يلقيه بنفسه بكل فخر أمام الكنيست. أما صحيفة يديعوت احرنوت فقد لخصت خطاب بوش بعنوان افتتاحي واحد: <<عضو جديد ينضم الى الليكود>>! فأضحى الرئيس الاميركي <<ملكي أكثر من الملك>>!

علاقة الغزل السياسي المفاجئة هذه، التي نشأت بين بوش والليكود، ما هي إلا خطوة تحضيرية لانتخابات اعضاء مجلسي النواب والشيوخ التي ستجري في تشرين الثاني القادم، والمتزامنة مع بداية النصف الثاني لولاية الرئيس جورج بوش في سدة الحكم الذي يريد ان يحقق لنفسه في هذه الانتخابات اكثرية جمهورية مريحة.

ولا يمكن ان يؤمن الاكثرية تلك الا بواسطة أصوات الجالية الاميركية اليهودية التي يبلغ عدد افرادها حوالى الستة ملايين، أي أكثر من سكان إسرائيل نفسها. فضلا عن ان الجالية الاميركية اليهودية، اعتبرت دائما <<مفتاحا>> انتخابيا للحزب الديموقراطي.

وما يريده الرئيس بوش هو إحداث ثغرة في حائط هذا الاحتكار الديموقراطي لأصوات اليهود الاميركيين. وهي ثغرة يريدها اوسع ما تكون لتضمن تجديد ولايته في انتخابات الرئاسة الاميركية في نهاية سنة 2004. وهكذا، يدفع الفلسطينيون والعرب، مرة اخرى، من حسابهم الخاص ومن حساب قضاياهم القومية ثمن اللعبة الانتخابية الاميركية.

لكن المفارقة، وهي مفارقة مؤلمة، ان عرفات نفسه اعتمد، في مرحلة سابقة، على حسابات انتخابية موازية ليرفض مشروع الحل الذي اقترحه بيل كلينتون في آخر أيام ولايته. فقد وجد من يهمس في اذنه ويقول له ان الرئيس جورج بوش الجمهوري، وبالتالي، المتحرر من سياسة اللوبي اليهودي ومن أصوات الناخبين اليهود، سيكون اكثر تفهما للقضية الفلسطينية واكثر كرما من بيل كلينتون الديموقراطي اسير تلك الأصوات.

ومهما يكن من أمر، لقد نجح أرييل شارون، حتى الآن، في <<مرمغة>> الهيبة الاميركية في وحوله، تارة بمناداته الى مؤتمر دولي للسلام وطورا بآخر إقليمي، محاولا تمييع قرارات الشرعية الدولية ومؤتمر مدريد للسلام، وخاصة، المبادرة التي اطلقتها قمة بيروت، ولم تكن لتحلم بها اسرائيل منذ نشوء الكيان الصهيوني.

مما لا شك فيه ان هذا الوضع المستجد، بعد كل ما جاء في خطاب الرئيس جورج بوش، سينعكس سلبا على الأوضاع في منطقة الشرق الاوسط. وسواء ضغطت واشنطن أو لم تضغط على العرب، وسواء عقد المؤتمر الدولي في منتصف هذا الصيف أو لم يعقد، وسواء قامت سلطة فلسطينية جديدة أم لا، فان عملية السلام بين العرب والاسرائيليين دخلت مرحلة تاريخية جديدة، قد تطول سنوات وسنوات.

أما السلام العادل والشامل المبني على قرارات الشرعية الدولية ومبدأ <<الارض مقابل السلام>>، فلا يزال بعيدا، ودونه عقبات عديدة.