مطلوب شعب فلسطيني آخر يناسب اسرائيل!

 

بقلم: د. عبدالرحمن الترك

من الواضح أنّ الرئيس الأمريكي في خطابه الذي طال انتظار البعض له، قد أجّل قضايا الصراع الرئيسية للتفاوض مثلما أجلت من قبل . (الدولة، الحدود، اللاجئين، القدس، المستوطنات، المياه، المعابر الحدودية) فبعد أن فاوض الفلسطينيون حكومة العمل علي هذة القضايا مفاوضات مضنية كان آخرها في كامب ديفد فهل سيكون هناك اتفاق مع حكومة شارون علي هذة القضايا المصيرية؟ من الممكن أن يحدث ذالك في حالة واحدة فقط وهي استسلام فلسطيني وهذا لا يمكن أن يحدث حتي لو تركت القضية للأجيال القادمة.

ـ هذا البيان لبوش ليس خطة أمريكية واضحة، ويخلو من الأهداف المحددة المعالم، كما يخلو تماماً من آليات التنفيذ، ومن الناحية العملية ترك كل شيء لحكومة شارون، أي للطرف الأقوي عسكريا علي الأرض ليقرر ما يشاء.

ـ من الناحية العملية اشترط بوش الدخول في المفاوضات(حتي علي هذة الدولة المؤقتة العجيبة) بالقضاء علي المقاومة ومحاربة ما أسماه الإرهاب الفلسطيني، أي أنه أعطي شارون الغطاء والدعم الكامل لمواصلة عدوانه علي الشعب الفلسطيني.

ـ لعل النقطة الأخطر في بيان بوش دعوته إلي تغيير القيادة وتحديداً الرئيس عرفات، فالرئيس بوش يدرك أكثر من غيره استحالة تغيير عرفات فلسطينياً في هذة المرحلة، والأكيد أنه لن ينصح شارون بتصفية الرجل جسدياً أو حتي إبعاده لأن في ذالك تقوية له وإذا ترك عرفات ليخوض الانتخابات التشريعية والرئاسية فسينجح من جديد رئيساً، نكايةً من الشعب الفلسطيني بأمريكا وإسرائيل، إذن ماذا يقصد بوش من دعوته إلي تغيير قيادة عرفات؟ أعتقد أنّ في هذة الدعوة، ضغط جديد علي الرئيس عرفات وفرصة أخيرة له ليلجم المقاومة وليضرب بيد من حديد هذة المرة أبناء شعبه، وإذا فعل ذالك سينتهي الرجل فلسطينياً، وتكون امريكا وإسرائيل قد ضربتا عصفورين بحجر واحد والحجر هذة المرة فلسطيني، فكل الخيارات الأمريكية الإسرائيلية المطروحة أمام الرئيس عرفات تكاد تكون مستحيلة في ظل هذا العجز العربي الرسمي، وإذا لم يستجب فقد يواجه الخيار الأصعب، ويكون الخلاص منه ومن المقاومة في آن واحد، وتمهيد الطريق أمام حركة سياسية فلسطينية جديدة مدعومة أوروبياً وأمريكياً ومرضي عنها إسرائيليا لأنها لا تؤمن بالمقاومة المسلّحة كوسيلة لتحرير فلسطين، بل تعتقد أنّ طريقة غاندي في الهند ضد الاستعمار البريطاني، من الممكن أن تنجح في فلسطين وتري هذة الحركة أنّ العنف الفلسطيني يجلب لشعبنا الدمار والهلاك ويؤلب علينا المجتمع الدولي، ولن يوصل الشعب الفلسطيني إلي التخلص من الاحتلال، وأعتقد أن هذة الحركة السياسية الفلسطينية الموجودة فعلاً في الساحة الفلسطينية، ترقص فرحاً لخطاب الرئيس بوش، ولا أبالغ إذا قلت أن الرئيس الأمريكي يعول عليها كثيراً، هذا إن لم يكن يقصدها فعلاً بقوله (قيادات جديدة، ومؤسسات جديدة، وترتيبات أمنية جديدة) ولم يبق له إلاّ أن يقول شعب جديد مثلما قال شارون من قبله.

ـ من هنا أعتقد أن موقف الرئيس بوش وإدارته من الصراع، جاء ليكون أكثر تطــــرفاً ضد الفلســـطينيين من الحكومة الإسرائيلية، رغــــم حديثه عن دولــــة فلســـطينية مســــالمة إلي جانب الدولة العبرية، تضع الشعب الفلسطيني بكل مقــــومات وجوده من جديد، تحت رحمة إسرائيل، تماماً مثلما كان في اتفاقيات أوسلو.

ـ أعتقد أنّ أصدق وأوضح تعبير عن حقـــيقة الموقف الإسرائيلي حيال بيان بوش هو ما جاء علي لسان وزير الاتصالات الإسرائيلي ـ روفين رفلين ـ الذي قال: كان يمكن أن يكتب هذا الخطاب مسؤول في الليكود وبإمكاني إلقاؤه في الكنيست.

وأخيراً علينا أن نستذكر دوماً، أن الصراع العربي الإسرائيلي وأساسه القضية الفلسطينـــية، هو شأن أمريكي داخلي، وليس خارجي، تحكمه معادلة الوضع السياسي الكائن في الولايات المتحدة الأمريكية بكل ما فيه من تعقيدات وعلاقات براغماتية بينية وخارجية، وللصهيونية نصيب الأسد في صياغة مجمل هذا الوضع، بما يتفق ومصالح إسرائيل الإستراتيجية، وعليه فإنّ الاتكال والرهان علي البيت الأبيض لإعطاء الشعب الفلسطيني حقه في الحرية والاستقلال هو ضرب من الخيال والوهم، فالاتكال يجب أن يكون علي الله وليس علي أمريكا، وذلك بشحذ الهمم، وحشد الطاقات، ومواصلة مشوار الكفاح، بهذا تحررت شعوب الأرض ونالت حريتها بما فيها الشعب الأمريكي نفسه.