عصـر الانتــداب الجــديد

 

بقلم: د. خالد عبدالله

الذين خيب أملهم، وأحبط مساعيهم، في النظام العربي، خطاب الرئيس الأمريكي كانوا يبحثون عن السراب، ويترقبون المحال. فقد آثروا متابعة أهوائهم، وملاحقة أحلامهم في فهم منطلقات وآليات وأهداف السياسية الأمريكية. فلم يكن تاريخ السياسات الأمريكية محل نظرهم، ولم تكن دوافعها وأغراضها نصب أعينهم، ولم تكن مؤسساتها موضع استطلاعاتهم. فكثير منهم يظن أن تقلب الأشخاص في قيادة هذا المارد نذير انقلاب الوجهة في مسار سياساته. وبعض آخر مكر به إلي الظن، أو هكذا يريدنا أن نتخيل، أن الثرثرة الأمريكية حول إقامة الأمور علي حدود العدل وموازين النصفة ستنتقل إلي أرض الفعل. وهي تنتقل فعلا إلي أرض فلسطين، لأن ذلك كان دوما معاني العدل في السياسات الأمريكية يشهد عليها هنود أمريكا الحمر، ويرويها عبيدها السود، ويئن منها أعداؤها الصفر. فقد أضعنا الفرصة تلو الأخري، كما يقول أبا ايبان، لكن ليس في تفويت اغتنام فرص العبودية التي منحت إلينا من إسرائيل وأمريكا، وإنما في عدم فهم أو تجاهل جوهر السياسات الأمريكية. فنحن علي إصرار دائم، وعناد متواصل في أن نري أشكال الترويج التي لها قواعدها الأساسية، وحقيقتها الفعلية. وأحدث مثال علي ذلك، أن بعض المسؤولين الفلسطينيين ارتضوا أن يبتلعوا طعم الديمقراطية والانتخابات، والدولة، والاحتلال، وأن يسايروا في عملية التزوير الفكري والسياسي، ظنا أن ذلك يأتي بالغنيمة، ويبعد الشر. وهذا التصرف لن يقود إلي تغيير موقف أمريكا. وسيؤدي إما الي مسايرته فعلا بعد مداهنته قولا، أو إلي مصادمة مع السياسة الأمريكية. فشراء الوقت إغراء للآخرين لأن لا يروا الملك عاريا. فما طرحه بوش في خطابه ينطوي علي أمرين، جوهر السياسة الأمريكية، وتزويقها. وقد تركنا الجوهر ومررنا عليه لماما، وآثرنا الوقوف عند العابر وإعطاءه الاعتبار.

فالعابر في خطاب بوش، الحديث عن الديمقراطية، وعن استقلال القضاء، وعن إقامة الدولة الفلسطينية، وعن إنهاء الاحتلال. بل أن طريقة الحديث عن بعضها يطلق السخرية من الأعماق رغما. فمن يصدق أن أمريكا ترعي الديمقراطية حقا، وقد رأينا أحدث أمثلتها في أفغانستان، حينما استبدلت دكتاتورية طالبان بديمقراطية أمراء الحرب. فالفرق بين الحالين، أي الانتقال من نظام دكتاتوري إلي آخر ديمقراطي هو كلمة أمريكية. وهكذا سيكون الحال في فلسطين. بل لا يمكن استبعاد أن يحدث الانتقال من حكم ديكتاتوري لياسر عرفات إلي حكم ديمقراطي له. فقد انتقل وضعه من إرهابي إلي شريك ديمقراطي، والآن تستعيد الدائرة دورتها. ولكنها قد تستأنف الدوران، فهذا كله تحت رحمة القرار الأمريكي. أما استقلال القضاء الذي يدعو إليه الرئيس بوش، فقد رأيناه في الإصرار الأمريكي علي اعتقال المقاومين الفلسطينيين وسجنهم، بل رأيناه في الولايات المتحدة الأمريكية باعتقال الكثير تحت طائلة الأدلة السرية. فهي إذا كانت لا تتعامل مع المقيمين فيها، بل مع بعض مواطنيها، وفق أحكام الدستور الأمريكي، فهل هي لا تبات ليلها سهرا علي إقامة العدل في بلداننا؟ لكن القضاء الذي تريده مستقلا عن حقوق الناس الطبيعية في المقاومة، تريده ملتزما بالقوانين التي تكبلها اتفاقات أوسلو.

ولأن القاضي لا يستطيع الخروج عن مرجعياته القانونية، فهي تريد التحكم بالقضاء الفلسطيني من خلال مصدرين. الأول، مرجعية اتفاقات أوسلو. الثاني، خلق أجهزة أمنية بمعرفتها ووفق رأيها، وربطها مع مخابراتها ومخابرات إسرائيل، تكون وظيفتها جلب المتهمين إلي القضاء المستقل لينزل أحكامه وفق متطلبات دعم الأمن الإسرائيلي. فالقضاء سيكون مستقلا عن القيادة الفلسطينية لكنه منضبط بقوانين أمريكا وإسرائيل. هذا هو الفرق بين استبداد الأشخاص واستبداد المال، أحدهما يتقلب العدل علي هواه، وثانيهما يترسخ في أرض مصالحه.

أما الرخاء الأمريكي فيذوق الشعب الفلسطيني طعمه مرتين. مرة حينما يري الدعم الأمريكي بمليارات الدولارات، طائرات وصواريخ، تتجه إلي إسرائيل كي تواصل احتلالها ثم تدميرها لمؤسساته ومنازله وحقوله وبساتينه، ومرة أخري حينما يراها تنتصب مستوطنات علي أرضه التي تقضمها إسرائيل علي مدار الساعة. أما الدولة الفلسطينية، ورقة التوت لعهر السياسة الأمريكية، فهي غائمة في معناها، وضبابية في دلالتها كمعاني ودلالات العدل في السياسة الأمريكية. طبيعتها، وتوقيتها، ودوامها في مد وجزر، كلما اقترب منها النظام العربي والسلطة الفلسطينية، غابت وراء الآفاق. لقد كانت قبل عدة أشهر معروضة بشريطة الهدوء، أما الآن فمنالها مقرون بتغيير الشعب الفلسطيني.

وقد أضاف الساحر الأمريكي إلي المعروض من طعمه كلمة الاحتلال التي هلل لها البعض. وكأن الأرض الفلسطينية لن تكون محتلة إلا إذا أكدتها أمريكا، بالرغم أيضا من أنها تعتبرها كذلك منذ عام 1967، هذه هي السياسة الأمريكية كما هي السياسة الإسرائيلية تعرض علينا بعض حقوقنا كتنازلات فنستطير فرحا، ثم حين تبينها، نجد أن ثمن استرجاعها خسرانها بطريقة أخري. تلك قصص أوسلو وطابا وواي ريفر تتكرر في خطاب بوش.

أما جوهر الخطاب فهو لب السياسة الأمريكية التي تقوم علي ركيزتين أساسيتين يجدها من يريد في أية وثيقة أمريكية معنية بالشرق الأوسط. الأولي، حماية أمن إسرائيل. الثانية، ضمان تدفق النفط بأسعار مناسبة، بالطبع للمصالح الأمريكية. فما رآه البعض في خطاب بوش تحيزا فظيعا فهو ليس كذلك من وجهة النظر الأمريكية، لأن هذا جوهر مصالحهم. فالولايات المتحدة تعيق، منذ عقود طويلة، أي حل دائم، بل تسهر دائما علي استمرار الصراع وإدارته. فالحل الدائم، الذي يرضي به الناس ولا يدفعهم للعنف، خطر علي وجود إسرائيل واستمرارها ككيان يحمي المصالح الأمريكية. فالحل الدائم الذي يتضمن عودة اللاجئين إلي ديارهم، سيقضي علي يهودية الدولة. بل حتي الحل الآخر الذي يقبل بعودة اللاجئين إلي الدولة الفلسطينية المقترحة سيحيد الدولة اليهودية، في نظرهم، ومن ثم يلغيها مع مرور الوقت. ولذلك فإسرائيل تقضم الأراضي الفلسطينية حتي تحيل مثل هذا الحل إلي محال عمليا. فاستمرار إسرائيل في الوجود، أو استمرار دورها في الخطط الأمريكية، رهن باستمرار الأزمة، أو قبول الفلسطينيين بالعبودية. ولأن الأمر الثاني محال، نجد أن الهم الأمريكي ينصب علي إدارة الأزمة، كلما اشتدت يرخي زمام العنان لإسرائيل لاستخدام المزيد من العنف، وفي نفس الوقت يبسط لسان المبادرات لإغراء الفلسطينيين والعرب. فخطاب بوش ضم الاثنين. فقد قال لإسرائيل علي مشهد من العرب، أنكم مؤيدون بالدعم الأمريكي لإعادة الاحتلال وإطلاق يدكم في الأراضي الفلسطينية تدميرا للبني الفلسطينية، وبناء للمستوطنات. وهو يقول للقيادة الفلسطينية وللنظام العربي، إما أن تقوموا بحماية أمن إسرائيل ، أو لا حياة سياسية لكم.

لكن الخطاب يشي بمسار جديد يشابه الانتداب الاستعماري القديم، لكن مندوبيه من أهل البلاد. فهو يطلب من الفلسطينيين انتخاب قيادة جديدة غير ملوثة بالإرهاب أي المقاومة. وهذا الطلب فيه تضييق للخيارات بحيث لن يكون هناك إلا أفراد قلائل ينسجمون مع مقياسه. ودلالة ذلك أن الولايات المتحدة لم تعد تكتفي، كما في السابق، أن تكون سياسات البلدان منسجمة مع سياساتها الخارجية والاقتصادية، بل تريد أن يكون الانسجام نابعا من قلب المجتمع، لا وقفا علي الحكومات. ولذلك أصبحت تري ضرورة أن تعين مندوبين من أهل البلاد يرعون مصالحها ثم يجرون التعديل في المناخ الثقافي والاجتماعي الذي سيقبل بالسياسات الأمريكية. أي أنها لا تريد المراهنة علي الحكام، بل تأمين مصالحها من خلال تغيير ما في نفوس الناس. وقد بدأت ذلك في أفغانستان بكرزاي، وهي تحاول الآن في فلسطين، وتعد العدة للعراق. وسيحملها نجاحها إلي بلدان أخري بدأت إرهاصاتها تبدأ منذ فترة. وقد كان التلميح إلي ذلك في الخطاب في مقطع يؤكد أنه (إذا ازدهرت الحرية في التربة الصخرية للضفة الغربية وقطاع غزة فإنها ستلهم الملايين من الرجال والنساء في العالم الذين هم علي حد سواء مرهقون بالفقر والظلم، والذين هم علي حد سواء يستحقون منافع الحكم الديمقراطي) فليس هناك قاسم مشترك يجمع الفلسطينيين بهؤلاء إلا أنهم مبتلون كما يري بوش بما يبتلي به الفلسطينيون من قيادات غير جديرة بحكمهم. فإذا كان الاحتلال ليس سببا لتعاسة الفلسطينيين، فكذلك ليست سياسات الاستعمار القديم ولا سياسات العولمة سبب محنة هؤلاء الملايين. فالجميع مطالبون أن يعملوا بهمة حتي تأتيهم المنافع (الأمريكية) بسرعة . ولكن ليس من الضروري أن تغيب القيادات فلها فرصة التجدد إذا استوعبت الوصفة الأمريكية وسارعت بتجريعها لشعوبها.