خطاب الرئيس بوش الجديد بلا جديد

 

بقلم: د. معن ابو نوار

نعم؛ لم يقدم الرئيس جورج بوش جديدا في خطابه الذي تطلع إليه كل عربي ومسلم؛ وتوقع منه ولو أملا ضئيلا في تسوية سلمية شريفة لتحرير الشعب الفلسطيني من الاحتلال البربري الوحشي المفروض علي الشعب الفلسطيني منذ خمس وثلاثين وسنة. بل وبدل ذلك الأمل الضئيل؛ أعلن الرئيس بوش عن تحالفه الكامل مع ما يفرضه مجرم الحرب شارون علي الشعب الفلسطيني من قتل وإرهاب وتدمير لما تبقي من حياته الغارقة في المآسي والأحزان.

في مطلع خطابه 25 حزيران 2002 قدم الرئيس زبدة رؤيته؛ إذا استحقت وصف الرؤية؛ بكلماته: قوي التطرف والإرهاب تحاول قتل التقدم والسلام بقتل الأبرياء، مما يخلق ظلا مظلما علي إقليم كامل . وأضاف: لا يعطي الحال الراهن أملا بتحسن الحياة لأن المواطنين الإسرائليين مبتزون من قبل الإرهاب؛ وهكذا ستواصل إسرائيل الدفاع عن نفسها؛ وحال الشعب الفلسطيني سيزداد أكثر وأكثر تعاسة . وهكذا وحسب رؤية الرئيس بوش التعاسة التي يعانيها الشعب الفلسطيني ليست نتيجة للإحتلال الإسرائيلي البربري؛ بل نتيجة للإرهاب الذي يعتقد الرئيس بوش أن الفلسطينيين يمارسونه ضد الإسرائيليين.

وأعلن الرئيس رؤيته بقوله: رؤيتي في دولتين تعيشان جنبا إلي جنب بسلام وأمن. وبكل بساطة لا يوجد سبيل للوصول إلي ذلك السلام حتي تقوم جميع الأطراف بمحاربة الإرهاب . إذن ليس الإرهاب؛ حسب رأي الرئيس هو الناجم عن إرهاب الاحتلال الإسرائيلي بكل دباباته ومروحيات الأباشي الأمريكية التي يستخدمها؛ بل إرهاب الشعب الفلسطيني الأعزل.

بالرغم من ذلك يأمل الرئيس بوش بأنه إذا انقطع الأطراف عن الماضي؛ وانطلقوا علي طريق السلام نستطيع تجاوز الظلام إلي نور الأمل . كلام شاعري جميل؛ ولكن كيف؟ ويعطينا الرئيس بوش جوابه: يتطلب السلام قيادة فلسطينية جديدة... مختلفة، لكي تولد الدولة الفلسطينية . في كلماته الواضحة؛ ولهجته الحازمة؛ وتركيزه علي الكلمتين جديدة و مختلفة لم يترك الرئيس مجالا ولو لذرة ظن أنه يعني قيادة غير الرئيس ياسر عرفات، بل مختلفة عنه. وأكد علي رأيه مكررا: أنا أطالب الشعب الفلسطيني أن ينتخب قادة جددا؛ قادة لم يبتزهم الإرهابيون، وأطالبهم ببناء ديمقراطية تستند إلي التعايش والحرية .

ولم يكتف الرئيس بمساندته العجيبة السافرة لكل كلمة يقولها مجرم الحرب شارون في هذا المجال، بل حشر اسم مصر والأردن في صف إسرائيل عندما طالب: إذا حقق الشعب الفلسطيني هذه الأهداف، يمكنهم أن يتوصلوا إلي اتفاق مع إسرائيل ومصر والأردن حول الأمن واتفاقات أخري للإستقلال . وتعامي الرئيس بوش عن حقيقة أن مصر والأردن تطالبان بقوة بذات المطالب الفلسطينية وتساندان الشعب الفلسطيني في كفاحه السياسي والمعنوي والروحي من أجل حريته من الإحتلال وإقامة دولته الفلسطينية الوطنية المستقلة علي أرض آبائه وأجداده. فلا توجد ذرة خلاف بين السلطة الفلسطينية والحكومتين المصرية والفلسطينية؛ وعلي العكس الخلاف بينهما وبين إسرائيل وحسب. إذا كان الرئيس بوش يعرف ذلك فهي مصيبة؛ وإذا كان لا يعرف حقيقة الأخوة المصرية الأردنية الفلسطينية فالمصيبة أعظم.

وكما يفعل مدير مدرسة ابتدائية ألقي الرئيس بوش علي مشاهديه من العرب والمسلمين محاضرة مملة استغرقت خمس عشرة فقرة من خطابه، حول الديمقراطية التي يجب علي الشعب الفلسطيني أن يقيمها من أجل الحصول علي تأييد أمريكا لإقامة دولة فلسطينية... ليست مستقلة أو ذات سيادة... بل دولة فلسطينية مؤقتة... لا يوجد مثلها في تاريخ العالم القديم أو الحديث؛ ولا تنص عليها كلمة واحدة في القانون الدولي.

ثم واصل الرئيس بوش تهديداته السابقة ضد بعض الدول العربية والإسلامية بقوله: لقد قلت في الماضي أن الدول إما تكون معنا أو تكون ضدنا في الحرب علي الإرهاب . ثم طالب قادة الدول محاربة حماس والجهاد الإسلامي وحزب الله؛ خاصة إيران والعراق وهدد سورية بقوله: يجب أن تختار سورية الجانب الصحيح في الحرب علي الإرهاب بإغلاق معسكرات الإرهابيين، وطرد المنظمات الإرهابية . ويعني بذلك المنظمات الفلسطينية.

كأن كل ذلك لا يكفي لإثارة الفرح والسعادة والرضي في قلب كل إسرائيلي صهيوني؛ وفي نفس الوقت إثارة النقمة والغضب في قلب كل عربي مسلم أو مسيحي، وكل مسلم في العالم؛ قال الرئيس بكل إصرار ووضوح: خلال حركتنا نحو حل سلمي (يعني قبل الاتفاق علي الإنسحاب الإسرائيلي إلي حدود 1967؛ وقبل عودة القدس الشرقية إلي الشعب الفلسطيني؛ وقبل التوصل إلي حق عودة اللاجئين) يتوقع من الدول العربية إقامة علاقات دبلوماسية وتجارية أقرب مع إسرائيل ومؤدية إلي تطبيع كامل للعلاقات بين إسرائيل وجميع العالم العربي . وهكذا يرفض الرئيس جورج بوش المبادرة العربية للسلام جملة وتفصيلا وكل حرف فيها.

لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم؛ يا ألله إرحم الشعب الفلسطيني الذي لم يلق ذرة رحمة من بوش.