بوش باحثا عن الشريك المحلي والعربي في تصفية فلسطين سياسيا

(رهان الذئب الخبيث علي غباوة الحمل المستضعف)

 

بقلم: مطاع صفدي

منذ اربعة وخمسين عاما منح ترومان مما لا حق ولا ملكية له فيه، ثلاثة ارباع فلسطين الي العصابات اليهودية الارهابية المجلوبة من ما وراء البحار، من اجل اقامة دولة اسرائيل. اي ان ذلك الرئيس الامريكي اباح لدولته ان تغتصب وطنا كاملا وتطرد شعبه مشرداً هائماً وتمنحه لحفنة من المغامرين الصهاينة. واليوم وبعد قيام ذلك الكيان العدواني المصطنع الذي لا يصدقه اصحابه انفسهم الا بالتكاذب الجماعي، والهرطقة الغيبية، بعد هذه الاكذوبة الدموية الكبري، يأتي رئيس امريكي آخر هو بوش الصغير ليتبرع بمشروع دويلة وهمية، كآخر رشوة رخيصة الي الشعب الفلسطيني والامة العربية والعالم الاسلامي كله، كيما يقبل الشعب ببيع وطنه ثم بتدمير كيانه المجتمعي والانساني، وكيما تضفي الامة علي اللص شرعية لصوصيته الدائمة، وتسمح له ان يتغلغل في اعماق وجودها الحضاري، وكيما يتناسي العالم الاسلامي القدس وقبة الصخرة. فهذا هو بوش يريد ان يكمل المشروع الناقص الذي بدأه ترومان قبل نصف قرن ونيف، فيجهز علي بقية الوطن السليب ويبدد كيان الشعب الحي الصامد داخل دويلة وهمية فاقدة لابسط ضوابط السيادة وامكانيات الحياة والاستقلال الحقيقي.

اذا كان ترومان قد سرق الارض، واعتقد انه سرق معها صاحبها من وجوده التاريخي والمستقبلي معا الي غير رجعة فان حفيده بوش يعتقد بقدرته علي اقناع الضحية واشراكها في الغاء نفسها بنفسها، واجهاض انبعاثها التحريري الناجز تحت اغراء الوهم بالدويلة المزيفة، انه اشبه برهان الذئب الخبيث علي غباوة الحمل المستضعف، فقد بدا الرئيس الفلسطيني انه قابل بمشروع التصفية، مع اعتراضه علي الغاء شخصه الكريم فهو موافق علي الدويلة المؤقتة شرط ان يكون رئيسها، وهو مستعد لتصديق كافة المواصفات التشويهية، والوعود المكررة بالمفاوضات التي خبرها، ويعرف تضليلها قبل غيره. فماذا يفيد اذا كان خطاب بوش العتيد قد اشار من بعيد الي وقف الاستيطان والعودة الي بعض حدود السابع والستين دون الاشارة الكافية لمشكلة اللاجئين ومشكلة القدس وسواها من العناصر المؤسسة لمفهوم القضية الفلسطينية، ثم، والانكي من كل ذلك اجل بحث كل هذه المسائل لثلاث سنوات في ظل اسطورة (الدويلة المؤقتة) التي هي من آخر ابتكارات دبلوماسية الاحتيال العلني الذي يميز الامبراطورية الجامحة.

بالرغم من كل هذا الطابع الاحتيالي الصارخ الذي لا يمكن حتي ان يخدع عقول الاطفال فقد اعلن مبارك رئيس كبري دولنا العربية استحسانه للخطاب (التاريخي) ثم تبعه ملك الاردن، وبالطبع لم يكن الرئيس عرفات يستطيع شيئا سوي استحسانه هو الاخر لسلوك الرضوخ، باعتباره اخر ممكنات السلطة الوطنية المدمرة، والنتيجة النهائية للحملة الشارونية، لكن المنظمات الفلسطينية الاخري ستؤكد الرفض وتتابع الكفاح، اما الجهات الدولية الاخري وفي المقدمة الاتحاد الاوروبي، فقد كان وزير خارجية فرنسا اول المصرحين بالمعارضة لمبدأ تغيير الرئاسة الفلسطينية. لكن الاتحاد ككل ليس في وارد

المزايدة علي الموقف الرسمي لمصر والسلطة الوطنية نفسها. ومع ذلك لا شيء علي الاطلاق يوحي بنهاية المطاف. فلن يضع خطاب بوش الامبراطوري فاصلا بين ما سبقه وما سيلحق به. وسوف يتتابع التناقض القديم ما بين مستوي الدبلوماسيات والواقعيات. ولن نقول ان امريكا استطاعت الامساك من جديد بزمام المبادرات، بل علي العكس، ذلك ان الخطاب لم يطرح اية حلول، بقدر ما زاد الامور علي الارض تعقيدا. فكأنما اراد بوش من خطابه ذاك ان يرفع عن كاهله مسؤولية التدهور المتزايد في اوضاع فلسطين. وربما ميز نفسه قليلا عن الموقف الاسرائيلي، معتقدا انه جاء بالاجوبة المطلوبة من الدور الامريكي، المتهم حتي من قبل اصدقائه الغربيين بالتقاعس والتهرب من المواجهات الواضحة. ها هو يلجأ الي ذلك الاسلوب التقليدي فيما يسمي باعلان المبادئ. لكنه هو ذلك الاعلان الذي لن يغير شيئا علي الارض، ان لم يكن قد اسبغ علي العدوان الشاروني مشروعية جديدة تتيح لاسرائيل ان تسوغ عدوانها البربري كمرحلة تمهيد امنية وتأديبية لاستئناف المفاوضات. كأنما امريكا اذن قالت كلمتها، وما علي الآخرين الا الانصياع. ولكن كيف سيتحقق هذا الانصياع اذا كان بوش لم يلزم نفسه بموعد محدد لانعقاد المؤتمر الدولي الذي من المفترض ان يضع آلية للتنفيذ. وماذا سينفذ هذا المؤتمر ان انعقد ذات يوم، الا ان يطلق مسار المفاوضات العقيمة اياها. وذلك هو اقصي انتاجه المنتظر.

النتيجة الوحيدة التي تفرض نفسها علي ابسط وعي عربي مسؤول يمكن اختصارها في تذكر تلك البداهة الاولي القائلة انه ليس ثمة من حلول هابطة من السماء هكذا، وانه حتي لو ارادت اقوي قوة عالمية وهي امريكا اليوم بالطبع ان تفرض امرا واقعا، فلن يغدو هذا الامر واقعيا حقا الا اذا اقتصر علي الامور السلبية والتخريبية ومن يقوم بهذه المهمة نيابة عنها وبالاصالة عن نفسه هو شارون. ومن هنا يجيء التوافق والتكامل موضوعيا بين امريكا واسرائيل، حتي عندما لا يتم التفاهم بينهما علي مختلف التفاصيل وبعض الاهداف الثانوية. فلا حاجة الي تكرار القول ان واشنطن تغطي سياسة اسرائيل وتحميها. ذلك ان امريكا ملزمة بهذا السلوك المتواطيء شاءت ام أبت. واذا افترضنا ان اسرائيل لم تكن تملك امثال شارون لكانت امريكا تسلمت مهمة تدمير الشعب الفلسطيني مباشرة وبوسائلها الرهيبة كما فعلت اخيرا في افغانستان. علي كل حال فالعارفون بحقائق الامور في واشنطن يعتقدون ان امريكا تحارب (الارهاب) العربي بجيوش شارون. فاسرائيل اليوم تكاد تجد فرصتها الكبري في التحول الي يد امريكا الضاربة ليس في فلسطين وحدها، ولكن ملء الشرق الاوسط وما وراءه.

وقد اصبح شارون الذي يعي ازدواجية هذا الدور بينه وبين واشنطن، يعد نفسه لمهمات اخطر واوسع في جوار فلسطين. هذه هي مهمة التهديدات المتصاعدة ضد لبنان وسورية، والتي راحت تتناغم وتتداخل مع التهديدات الامريكية الوقحة ضد العراق بالاضافة الي اشكال الانذارات الموجهة الي قادة سورية ولبنان. انها المهمة الهادفة الي تطويق المنطقة المشرقية كلها بزناد من الرعب، مع تنويع اساليب الحرب النفسية ضد شعوب المنطقة وقادتها.

فالوحش الارهابي يبحث عن ساحات تمارينه التي ان خمدت نيرانها تفقد (الامبراطورية) اهم وسائل تحققها، وهي استسلام الشعوب سلفا قبل خوض اية دفاعات جدية في وجه التسلط السياسي وادواته العسكرية المباشرة، وما يجر وراءه من اشكال العبوديات الاقتصادية الممتطية لأفراس عولمة الاستغلال والامن معا، فما ينتويه البيت الابيض هو تجويف العمق العربي من اخر مقاوماته الطبيعية التي تشكل الانتفاضة الفلسطينية رافعتها الجهادية اليومية الباسلة.

اذا كان رئيس امريكا (ترومان) قد تبرع من اوطان الاخرين بوطن ودولة لبني صهيون، فان بوش لن يكون له شرف التعويض واعطاء الفلسطينيين دولتهم المؤجلة منذ ذلك التاريخ، اذ ان ترومان منح كيانا لمن لا كيان له الا في تاريخ الاساطير، واما بوش فانه يطرح وهم الدويلة المؤقتة ليجهز علي ما تبقي للفلسطينيين من وجود سياسي ومن وطن تاريخي حقيقي، وهم الذين كان لهم كل الوطن والكيان الواقعي الاصيل، فالدولة منحت شتات اليهود كيانا لاول مرة في تاريخهم، بينما دويلة بوش سوف تكرس زوال الشعب الفلسطيني بحكم ارادة بعض قادته هذه المرة، وانخراطهم في المشروع الذي لن يعمل علي نسيان مباديء القضية الفلسطينية وبداهاتها المطلقة، بل علي نسيان هذا النسيان الي الابد.

اسرائيل ماضية يوميا في استئصال مقومات الوجود السياسي للشعب الفلسطيني، بضرب مؤسسات السلطة ومطاردة رجالها ومعها قمع مختلف الحركات الثورية الاخري جميعها، وامريكا تخترع بدعة الدويلة المؤقتة جاعلة منها تكريسا سياسيا لنهاية الانهزام الفلسطيني الذي تتكفل بانجازه دبابات شارون ليل نهار، بدلا من تدخل امريكي حاسم لاول مرة يأمر بوقف التصفية السياسية والجسدية والجلاء عن المدن الفلسطينية، فان بوش يجعل هذه التصفية شروطا مسبقة للبدء باقامة الدويلة، تحت دعوي القضاء علي الارهاب، ثم لا يتورع بوش عن التحدث بالديمقراطية في الوقت الذي يبارك فيه اشنع حملة قمع جماعية فاقت مختلف غزوات الاحتلال السابقة ضد الشعب الفلسطيني البطل الذي أحيت مقاومته الخارقة تاريخ البسالة الانسانية الاعجازية المتفوقة علي عقيدة الوحشية المطلقة للعسكرتاريا الامريكية، ونموذجها المرعب منذ حرب فيتنام، حتي امست المقاومة الفلسطينية، ورفيقتها علي درب الكفاح الانساني الجدي قصة الصمود العراقي، من ابرز شعارات المظاهرات العالمية المتنقلة ما بين حواضر اوروبا وامريكا، وهي تلاحق مؤتمرات العولمة واصحابها من مجموعة الثماني الكبار المتحكمين بالمصائر الكونية.

لا ريب ان صمود الثورة الفلسطينية اضحي شاغلا محوريا لسادة هذا العالم، كما هو حاصل اليوم في اجتماعهم بكندا.

لكن الاقطاب المتفقة علي هدف التخلص من بطولات المقاومة وتحريضها العالمي المتزايد، قد لا يري معظمهم في مشروع بوش حلا واقعيا، فهم مختلفون حول الوسائل الي درجة ان زعماء الاتحاد الاوروبي خاصة يجاهرون منذ اللحظة الاولي للخطاب اللاتاريخي، بعدم قناعتهم بهزال المشروع ولا واقعيته، فلا يثيرهم الانحياز الفاضح لاسرائيل فقط، بقدر ما يثيرهم الطابع الدعاوي المحض الهادف الي تبرئة الذمة الامريكية من مسؤولية الكارثة الشارونية المتمادية، وهي التي بدون الحماية العلنية من الشريك الامريكي ما كان لها ان تبلغ حد الاثارة العالمية الراهنة ضد طواغيت الارض بزعامة التكساسي الامريكي وشريكه الدموي الصهيوني، وعلي هذا تجد واشنطن نفسها وحيدة مرة اخري حتي بين اقرانها، لا احد من ناديها يعلن قناعة ما غير مشوبة باعتراضات اساسية، وامريكا اعتادت الا تفعل الا مع الشركاء الذين تقودهم، وقلما تنقاد بهم. ها هي اليوم تواجه معارضة اعضاء ناديها انفسهم، كما تلاقي موافقات خجولة من بعض القادة العرب، وحده شارون الذي يسبح بحمد سيده في البيت الابيض، لكن دون ان يصدقه جانب كبير من الاسرائيليين انفسهم، اذ يعلمون ان الخطاب كلام في الهواء، اما الثوار فيضربون في كل مكان من اسرائيل متي شاؤوا.