المشروع المثمر والمشروع الخاسر

 

بقلم: الشيخ د. بشر البشر

الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين ، لا إله إلا هو الملك الحق المبين وصلى الله وسلم على عبده ورسوله محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين

أما بعد :

فقد روى الإمام مسلم في صحيحه من حديث أبي مالك الأشعري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( كل الناس يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها ) فدل الحديث الشريف على أن الناس يعملون ولا بد ، وهم في الأصل على قسمين : قسم يعبد الله تعالى وحده لا شريك له فيبيع نفسه لله ويعتقها من عذابه ، وقسم يبيع نفسه للشيطان فيهلكها بتعريضها لعذاب الله تعالى ، هذا على سبيل الإجمال . أما على سبيل التفصيل فإن قوله صلى الله عليه وسلم يغدو يشير إلى تجدد العمل والبيع كل يوم مما يبين أن عمل الإنسان اليومي قد يكون فيه بعض الموبقات والتي قد تحصل من أصحاب القسم الأول وهم المسلمون ولذلك قال صلى الله عليه وسلم لأمته ( اجتنبوا السبع الموبقات  … الحديث ) متفق عليه ، وعمل المسلم اليومي قد يكون عملا صالحا نفعه خاص بصاحبه وقد يكون نفعه متعديا، وقد يكون عملا سيئا ضرره خاص بصاحبه وقد يكون متعديا - وإن كان العمل القاصر سواء كان صالحا أو سيئا متعديا عند التأمل لكن بشكل غير مباشر - ثم من وجه آخر فإن العمل اليومي قد يكون آنيا أو تلقائيا من دون تخطيط ولا ترتيب مسبق وقد يكون مشروعا ذا أهداف يحرص صاحبه أو أصحابه على تحقيقها في زمن معين وقد يستغرق العمر كله.

والمشروع المخطط له ينسحب عليه ما ينسحب على غيره من الأعمال فقد يكون صالحا مثمرا معتقا وقد يكون طالحا خاسرا موبقا ، وحتى يكون العمل مثمرا معتقا لا بد فيه من شرطين أولهما الإخلاص لله تعالى وثانيهما أن يكون صوابا على سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقد دل على هذين الشرطين نصوص محكمة منها قوله تعالى ( فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا )

فحسن النية وحده غير كاف ليكون العمل صالحا فالبدع والضلالات قد تبدأ بحسن نية من أصحابها ولم يمنع ذلك من كونها ضلالات باطلة لكونها مخالفة لما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم ، وقد حسم النبي صلى الله عليه وسلم هذا الأمر وبين الحكم فيه بوضوح ففي الصحيحين من حديث أنس رضي الله عنه - واللفظ للبخاري - قال جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم يسألون عن عبادة النبي صلى الله عليه وسلم فلما أخبروا كأنهم تقالوها وقالوا أين نحن من النبي صلى الله عليه وسلم قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ، قال أحدهم : أما أنا فأصلي الليل أبدا وقال الآخر : وأنا أصوم الدهر ولا أفطر وقال الآخر : وأنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدا ، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم فقال: أنتم اللذين قلتم كذا وكذا أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له لكني أصوم وأفطر وأصلي وأرقد وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني ) فلم يشفع لهؤلاء الرهط رضي الله عنهم حسن النية ولا صدق الطوية ليكون عملهم صحيحا مقبولا مع أن اثنين منهم - قاصد الصلاة وقاصد الصيام - كان ما أراداه مشروعا بأصله وإنما جاء الخلل في وصفه ومع ذلك كان الموقف النبوي حازما صريحا ، وقد وضع النبي صلى الله عليه وسلم قاعدة جامعة في هذا الباب حين قال ( من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد ) رواه مسلم من حديث عائشة رضي الله عنها وأصله في الصحيحين . ولو فتح الباب للعقول والأهواء لالتبس الحق بالباطل واستحسنت القبائح من الضلالات والفواحش كما قال الله تعالى عن بعض الخاسرين ( أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا ) الآية بل قد ينسبونها إلى الله تعالى وإلى شرعه كما قال تعالى عن بعضهم ( وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آبآءنا والله أمرنا بها قل إن الله لا يأمر بالفحشاء أتقولون على الله مالا تعلمون)

وبعض المشاريع القائمة اليوم من طرف بعض الإسلاميين سواء كانت في الصحافة أو المجلات أو مواقع الإنترنت أو القنوات الفضائية أو غير ذلك لها شبه بمشاريع أولئك الرهط الثلاثة التي أرادوها لأنفسهم وأجهضها النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن تبدأ ، فقد يتوفر حسن النية عند أصحاب بعض المشاريع لكن لا يكون الصواب حليفا لهم فهي مشاريع خاسرة ، جهود تبذل وأموال تهدر وأعمار تمضي لكن دون ثمرة تذكر ، وأسوأ من ذلك ما كان سببا في إثارة شبهة أو نشر ضلالة فمشروع كهذا موبق قد لا يسلم ذووه من التبعة يوم القيامة مع ما قد يصيبهم في الدنيا ، وقد أحسن من قال :

 إذا لم يكن عون من الله للفتى      فأول ما يجني عليه اجتهاده

وإن من الغبن أن يذهب المال والجهد والوقت فيما لا يفيد فكيف إذا كان فيما يضر وقد قال الله تعالى ( قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا ) قال الحافظ ابن كثير هي عامة في كل من عبد الله على غير طريقة مرضية يحسب أنه مصيب فيها وأن عمله مقبول وهو مخطئ وعمله مردود .اهـ  وقد روى الحافظ أبو بكر البرقاني بإسناده عن أبي  عمران الجوني قال : مر عمر بن الخطاب بدير راهب فناداه ياراهب فأشرف قال فجعل عمر رضي الله عنه ينظر إليه ويبكي فقيل له يا أمير المؤمنين ما يبكيك من هذا ؟ قال ذكرت قول الله عزوجل في كتابه ( عاملة ناصبة تصلى نارا حامية ) فذاك الذي أبكاني.

أما المشروع الناجح المثمر فقد جمع فيه صاحبه بين الإخلاص والصواب حيث أسس على علم بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعرفة بمنهج أهل السنة والجماعة مع الأمانة والقوة والخبرة فصاحبه على بصيرة من أمره يرى ثمرة عمله ويراها الناس معه يستفيد هو من مشروعه ويستفيد منه المسلمون فهو مشروع معتق يرجو صاحبه عند الله حسن الثواب ، والمسلم في الغالب يريد أن يكون مشروعه كذلك خاصة حين يستحضر قول الله تعالى : (قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين) فيجتهد أن تكون حياته وأعماله ومشاريعه فيما يقربه إلى الله تعالى .

ورحم الله سلف الأمة ما كان أفقههم وأدق ورعهم فقد حكى عنهم الشاطبي في الموافقات كراهية الخوض فيما ليس تحته عمل - عمل القلب وعمل الجوارح - واستدل الشاطبي على صحة ذلك باستقراء الشريعة ، وما ليس تحته عمل هو التجريدي النظري الذي لا يثمر معرفة صحيحة بالله سبحانه ولا محبة له ولا تعظيما ولا مهابة ولا خشية فرحمهم الله كيف لو أدركوا زماننا هذا ، فهل من وقفة صادقة للتقييم والمحاسبة امتثالا لقوله تعالى( ولتنظر نفس ما قدمت لغد ) أرجو ذلك .

وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم ( كل الناس يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها ) والله تعالى أعلم وهو الموفق والمعين .