الالتفاف والمراوحة في سياسات بوش وشارون

 

بقلم: محمد الأيوبي 

منذ أيام باراك الأخيرة في الحكم ووصول المفاوضات الاسرائيلية الفلسطينية الى الطريق المسدود في كامب ديفيد (2)، لاحظ المراقبون ان خططا عدة وضعت في كل من اسرائيل والولايات المتحدة للخروج من هذا المأزق، ودفع الامور بالاتجاه الذي يخدم مصالح الدولتين... أما التنفيذ فقد عهد به الى ارييل شارون الذي قام في الثامن والعشرين من ايلول 2001 بزيارته الاستفزازية لساحة المسجد الأقصى مشعلا بذلك فتيل الانتفاضة الثانية التي زادتها احداث 11 ايلول تدهورا وتعقيدا.

فنتيجة لهذه الاحداث وجدت الولايات المتحدة ضالتها بالعثور على العدو الذي كانت تبحث عنه، منذ سقوط الاتحاد السوفياتي، وتفكك حلف وارسو، والضالة الجديدة هي <<الارهاب>> الذي تجسد في حركات اصولية اسلامية رعتها الولايات المتحدة في البداية وقدمت لها كل الدعم لتحارب الروس في افغانستان ثم لتعود بعد مدة من انتهاء هذه الحرب وعلى طريقة اهل الجاهلية ان تأكل صنم التمر الذي صنعته يداها.

وليست مسألة الصنع وتبرير الأكل في رأي كثير من المحللين هما الإشكالية في هذا السياق إنما الاشكالية تكمن في كيفية نجاح مجموعات صغيرة متطرفة من السهل جدا حسب تقارير أبسط اجهزة الأمن في العالم مراقبتها وإحباط مخططاتها... ففشل المخابرات المركزية الاميركية (CIA) في الكشف المبكر عما حدث يوم 11 ايلول امر يدعو، وبحق، الى الاستغراب ويثير في الوقت نفسه جملة تساؤلات لا بد من الاجابة عنها وهي:

لماذا فشلت اجهزة الأمن الاميركية في الكشف عن هذه المؤامرة الضخمة؟ والسؤال الثاني لمصلحة من جاءت هذه الاحداث ومن هي الجهة المستفيدة مما حدث بصورة مباشرة.

يبدو حسب تطورات الحرب على الارهاب ان شارون كان المستفيد الاول منها، فقد أقحم هذا الأخير نفسه في حمأتها وعمل جاهدا على اقناع الاميركيين بأن ما يحدث في فلسطين له علاقة بما يحدث في افغانستان وما حدث يوم 11 ايلول في الولايات المتحدة الاميركية، لقد نجح شارون في ذلك ربما لوجود رئيس اميركي وإدارة متعاطفة معه بشكل كبير. فإدارة الرئيس بوش الابن قد أحاطت شارون منذ تسلمها مقاليد السلطة برعاية خاصة، وغضت الطرف عن وسائل العنف التي استخدمها ضد الفلسطينيين في معركتهم غير المتكافئة مع جيشه، ويكفيه دعما وصف الرئيس الأميركي له بأنه <<رجل سلام>> برغم سجله الحافل المعروف.

فالخطورة كل الخطورة في اعتقاد عدد كبير من المسؤولين العرب تكمن في تبني الولايات المتحدة لمواقف شارون بزعم انه يتصدى للإرهاب، متجاهلة ان الاحتلال الاسرائيلي لأراضي الضفة وغزة منذ العام 1967 هو سبب التفجير وسبب استمرار الصراع واشتداده.

إن هدف شارون واليمين الاسرائيلي منذ وصولهم الى السلطة هو الالتفاف على مقررات اوسلو، وإلغاء كل الاتفاقيات والمعاهدات الموقعة مع الفلسطينيين، ولاحقا الغاء مرحلة منظمة التحرير التي نجح الاسرائيليون بتحجيمها وقص جوانحها عندما استدرجوها بمساعدة اميركية وأوروبية للتخلي عن ميثاقها الداعي الى ازالة اسرائيل من الوجود والاعتراف بها كدولة، من دون ان يحصلوا بالمقابل على ضمانات مكتوبة تعيد اليهم حقوقهم، خصوصا الدولة المستقلة، وحق عودة اللاجئين الذي نص عليه صراحة قرار الجمعية العامة رقم 194.. فالخلاف الدائر الآن بين الفلسطينيين والاسرائيليين يقوم على ما تبقى من اراضي فلسطين التاريخية اي على 22% فقط من هذه الاراضي، ومعلوم ان المساحة المتبقية من الارض مزروعة بالمستوطنات التي لا يعترف اي حزب اسرائيلي حتى الآن بإخلائها وإعادتها الى الفلسطينيين.

ومن يلاحق التصريحات السياسية اليومية للمسؤولين الاميركيين والاسرائيليين يرى تطابقا كبيرا في وجهات نظر الطرفين.. فالمتفق عليه بين هؤلاء جميعا ان المفاوضات ستطول وأن الحل النهائي لن يكون قريبا حتى لو أدت المفاوضات الى قيام دولة فلسطينية مؤقتة في المدى القريب.

وكشرط مسبق للعودة الى طاولة المفاوضات تحث حكومة شارون وبدعم اميركي واضح السلطة الفلسطينية على اجراء اصلاحات ديموقراطية شاملة داخل اراضيها، كما تدعو الى انشاء اجهزة امنية فلسطينية يخشى كثير من المسؤولين العرب ان تصاغ وفق شروط اوسلو التي تخدم الأمن الاسرائيلي ولا تؤدي الى قيام دولة فلسطينية مستقلة عاصمتها القدس. فالدولة الفلسطينية ذات السيادة، والانسحاب الاسرائيلي من الاراضي العربية التي احتلت عام 1967، هو مطلب عربي ملح ويمثل الحد الأدنى الذي يقبل به هؤلاء تمشيا مع مبادرة الأمير عبد الله بن عبد العزيز التي أقرها مؤتمر القمة العربية الأخير في بيروت.

أما اسرائيل فإنها تعمل في المقابل على اقامة حكم اداري ذاتي للفلسطينيين، وتسعى الى القضاء تماما على مرحلة منظمة التحرير كما أسلفنا. فخطة شارون الحالية تقضي بإعادة 42% من مساحة الضفة الغربية وقطاع غزة، وإبقاء المستوطنات كما هي ورفدها بمهاجرين جدد وترحيل السكان الأصليين.

وينطلق شارون في الوقت الحاضر وفي كل تصريحاته السياسية من منطلق القوي المنتصر الرافض لكل قرارات الشرعية الدولية وكل الاتفاقات التي وقعها الفلسطينيون مع اسرائيل، بدءا بمدريد مرورا بأوسلو وصولا الى رام الله وبيت لحم، وهدف شارون الأساسي كما هو واضح كسر شوكة الفلسطينيين وقهر ارادتهم.. وهو كما يبدو لن يتكرم عليهم بأكثر من الحكم الاداري الذاتي الذي سبق ذكره، ووضع زعيم فلسطيني صوري تابع لاسرائيل يلبي كافة متطلباتها ويساعد في الوقت ذاته على تعزيز المصالح الاميركية في المنطقة. فسياسته الحالية بكل بساطة استمرار لسياسات شامير ونتنياهو السابقة وتقوم هذه السياسة على رؤية صهيونية توراتية تتمسك بالأرض وتدعم سياسة اقامة المستوطنات، ويصب تصريح شارون الأخير الذي يعتبر فيه الدفاع عن مستعمرة نتزريم في قطاع غزة هو بنفس أهمية الدفاع عن تل ابيب في خانة التشدد ويكشف عن نيته في رفض الانسحاب من الاراضي التي احتلت عام 1967.

وكما هو معروف فإن شارون متمسك بالمستوطنات ومؤيد لخطوات العزل الأحادي لمدن الضفة والقطاع، وداعم قوي لإقامة الكانتونات المنفصلة في كل الاراضي المحتلة. وهو ينفذ ما يريد دون ان يجد معارضة من احد باستثناء عمليات عسكرية محدودة يقوم بها الفلسطينيون دفاعا عن قضيتهم إلا أن هذه العمليات تلقى ومع الأسف استنكار الدول الغربية عموما والولايات المتحدة على وجه الخصوص.

أما بالنسبة للادارة الاميركية فيبدو ان ما نشرته صحيفة <<يديعوت احرنوت>> عن موقفها من صراع الشرق الأوسط صحيح فقد أشارت الصحيفة الى أن هناك سياستين مختلفتين تتنازعان الادارة الاميركية الحالية ورئيسها، وهما سياسة الرواد الاوائل القائمة على العنف وإبادة الآخر وقهره والمقصود به إبادة الهنود الحمر وقهر السود.

وسياسة الليبرالية، والتحرر، واحترام القانون، وحقوق الانسان، ومحاربة الاستبداد التي تبناها الرؤساء توماس جفرسوت ابراهام لنكولن وودرو ولسن وفرانكلين روزفلت.

وترى الصحيفة المذكورة ان الرئيس الاميركي بوش تشده في الوقت الحاضر النزعتان معا ولا يعرف المراقبون اي السياستين سترجح كفتها في ميزانه وتعزو الصحيفة تردد الرئيس بوش في حسم قراراته في قضية الشرق الاوسط الى جهله بالسياسة الدولية وتركه هذا الأمر الى مستشاريه الذين تتنازعهم المصالح والأهواء وتتعاطف الاكثرية الساحقة منهم مع اسرائيل وسياستها المتطرفة. أما سبب هذا التأييد حسب تحليل الصحيفة فيعود إما لكون هؤلاء من الصهاينة الاميركيين او من الفئات المسيحية المتعاطفة مع اسرائيل وشعبها، حيث تعتبر هذه الفئات ان قيام دولة اسرائيل من الشروط الأساسية للمجيء الثاني للسيد المسيح الى الارض ونشره السلام والمحبة عليها... ويقدر اتباع هذه العقيدة في مختلف ارجاء الولايات الاميركية بستين مليون نسمة وهو عدد ضخم جدا وقد جاء وجود هؤلاء لمصلحة دولة اسرائيل وشعبها.. وهناك دراسات جادة كثيرة تفيد بأن معظم رؤساء الولايات المتحدة ورؤساء الكونغرس وأعضائه ينتمون لهذه الفئة وليس الرئيس جورج دبليو بوش استثناء لهذه القاعدة. لذا لا يجد هؤلاء غرابة في مواقفه المؤيدة وبصورة مستمرة لسياسة شارون، مهما أوغلت هذه السياسة في التطرف وإيذاء العرب والفلسطينيين..

فشارون مرتاح جدا لسياسة الرئيس بوش وهذه الراحة جعلته يتمادى في عدوانه وفي حصاره للمدن والقرى والبلدات الفلسطينية في كل من الضفة والقطاع.

إن شارون مطمئن جدا الى وجود اللوبي الصهيوني في اميركا، وراض جدا عن استجابة هذا اللوبي لنداءات الاستغاثة التي تطلقها اسرائيل اوقات الشدة والأزمات، كما انه مطمئن لمواقف الرئيس الاميركي الذي تعلم من ابيه درسا في عدم مواجهة اللوبي الصهيوني حفاظا على بقائه في البيت الابيض.

وفي الختام يمكننا القول ان الامور ستراوح مكانها في الشرق الاوسط، طالما لا يشعر الاميركيون بخطر حقيقي على مصالحهم من جانب العرب، وطالما الانقسام والتشرذم هما سيد الموقف على الساحة العربية. هذا ولا يمكن للدول العربية ان تخرج من هذا المأزق المأساة إلا اذا أسست هذه الدول لعوامل القوة، والعامل الأهم الذي يؤسس لهذه القوة هو ان تدرك هذه الدول الخطر الذي يتهدد وجودها، وأن تسارع وقبل فوات الأوان الى التضامن وتوحيد الكلمة وجمع الصف لمواجهة الاعصار والتقليل من خسائره.