الخلفيات السياسية والاجتماعية لاستمرار شارون في السلطة

 

بقلم: احسان مرتضى 

نتيجة لانقلاب عام 1992 الذي جاء بحزب العمل بزعامة اسحق رابين الى السلطة في اسرائيل، حصلت في تكتل ليكود هزة عنيفة أدت الى استقالة او اعتكاف أبرز قيادييه، وبالاخص اسحق شامير وموشيه آرينز، والى صدور الدعوات لإعادة بناء الحزب وترميم صورته ومؤسساته، بعدما أنهكته الصراعات الداخلية، وحروب القيادات والمعسكرات والكتل، على أسس جديدة وواضحة، خصوصا على الصعيد الايدولوجي، على أمل العودة الى السلطة مجددا في المعركة الانتخابية التالية. وكان من أبرز المرشحين لهذه المهمة الصعبة شاب اسمه بنيامين نتنياهو ورجل مسن اسمه آرييل شارون. وفي حين وعد نتنياهو بأن يكون حازما وبراغماتيا في الوقت ذاته، كان شارون الذي أجبر على البقاء في الظل لسنوات عدة، قبل ان يستنجد به الليكود مجددا يمارس اختصاصه في مجال تقويض إمكانات التوصل الى سلام مع الشعب الفلسطيني والسلطة الفلسطينية، عبر خلق وقائع ناجزة على الارض، هي بمثابة أمر واقع يعزل الاراضي المحتلة، وبالتالي المنطقة برمتها عن السلام المنشود.

لكن بعدما تسلم رئاسة الوزراء، واجه مآزق في ادارة سياسته الداخلية والخارجية، ففي الداخل هناك الخسائر الفادحة في الارواح البشرية في صفوف العسكريين والمدنيين الاسرائيليين، وهناك الخسائر القادمة في مختلف فروع الاقتصاد والعمالة، مما أرغمه على طرح مشروع خطة الطوارئ الاقتصادية وما رافقها من صراع مع حزب شاس الحريدي الشرقي واحتمال تفكك حكومته، وهناك الفشل الأمني لما سمي خطة السور الواقي والفشل الأخلاقي إزاء التهرب الفاضح من مواجهة لجنة تقصي الحقائق التي اقترحت بشأن مجازر جنين. وفي مجال السياسة الخارجية وجد شارون نفسه محاصرا بفكرة عقد مؤتمر دولي وفكرة الرضوخ لقيام دولة فلسطينية حتى ضمن الحدود الرمزية غير النهائية، كطعم للانتفاضة، من أجل إجهاضها ووقف وتيرة ضغوطاتها عليه وعلى الوجود الاستيطاني في الاراضي المحتلة.

وهكذا وعلى رغم كل هذه السلبيات استطاع شارون الاستمرار والبقاء، وفقا لمختلف استطلاعات الرأي، باعتباره الزعيم الافضل في إسرائيل خلال المرحلة الحرجة الراهنة وذلك للاعتبارات التالية:

1 ان شخصية شارون العسكرية والدموية، تستجيب بسجلها الحافل بالمجازر المروعة، لغريزة حب الانتقام وحماية الذات، المستنفرة لدى المستوطنين الصهاينة المشبعين بالروح الشوفينية والعنصرية المتطرفة.

2 ان شارون بات يمثل شخصية الأب الروحي للمشروع الصهيوني المتجدد الذي كاد ان يلفظ أنفاسه على أيدي كل من رابين وبيريز، خصوصا انه يمثل آخر من تبقى من جيل المؤسسين الرواد الأوائل، مع ما يوجده ذلك من دوافع الاحترام والتقدير والحنين الى الماضي.

3 لقد استطاع شارون بقيادته للدولة الصهيونية ان يرسخ في أذهان القاصي والداني، الصورة الاشد اندفاعا للتصدي للفلسطينيين والعرب، بمشاريعهم وطموحاتهم السياسية والعسكرية، فحارب انتفاضتهم ورفض تسوياتهم السلمية المقترحة.

4 أكد بدهائه وانتهازيته الواضحة لأحداث الحادي عشر من أيلول في الولايات المتحدة انه مناور كبير في السياسة مثلما كان دائما كذلك في العسكر.

5 تمكن من إحداث تفاعل كيميائي منتظم ومستمر ما بينه وبين ادارة الرئيس جورج بوش الابن عبر زياراته الست المتتالية واستقباله بحفاوة لم يسبق لها مثيل في البيت الابيض، مما أدى الى عقد صفقات علنية وسرية بالغة الخطورة على مستقبل المنطقة في أمنها واستقرارها.

6 على رغم كل الظواهر السلبية التي رافقت حكمه القصير حتى الآن، مثل تزايد حدة العنف، والنزوح عن البلد، والتضخم المالي وتزايد حدة التفاوت الطائفي، استطاع المحافظة على حكومة الوحدة الوطنية تحت قيادته بما في ذلك قيادات حزب العمل التي وجدت نفسها في موضع الرياء والتناقض مع آراء ناخبيها ومع مبادئ التسوية التي كانت تطرحها، وفي مقدمها إعلان القبول بقيام دولة فلسطينية مستقلة.

7 تمكن شارون من تغليب التعصب القومي في اسرائيل على اي نوع آخر من التعصب الاثني او الطائفي او المصلحي، ولهذا كسب صفة القائد ذي الصدقية الرمزية والتاريخية مثله مثل بن غوريون او بيغن. وهو تجاوز منافسيه في الليكود عندما حقق الارتقاء في تعاطيه السياسي من معسكر اليمين القومي الموسوم بصفات التطرف والغوغائية، الى باحة التكتل القومي الواسعة، باحتضانه حكومة الوحدة الوطنية.

8 النتيجة الأخطر التي حققها شارون ايضا هي انه جعل المجتمع الاسرائيلي بأغلبيته الساحقة متراصا ومهيأً أكثر من اي وقت مضى لتقبل التحدي والجنوح في اتجاه النزعة العسكرية بالنسبة لما يتعلق بتفاصيل الصراع العربي الاسرائيلي، مما يعني انطلاق ثقافة الانتقام وسادية العنف من عقالها، وفتح المنطقة على احتمالات الخيارات العسكرية الكبرى.