"الحرب المنسية"

 

بقلم: عريب الرنتاوي

 

كنا من قبل نطلق على الحرب الاهلية الطاحنة في جنوب السودان وصف »الحرب المنسية«، فهي حرب حصدت مليوني قتيل وتسببت في هجرة اربعة ملايين مواطن، وحرقت مئات ملايين الدولارات دون ان تلوح في الافق، ولسنوات طوال بادرة امل او حل.

والراهن اننا نقترب شيئا فشىئاً من اطلاق هذا الوصف على المواجهة الدائرة حاليا في فلسطين، بين شعب اعزل، محاصر، خاضع للاقامة الجبرية، وآلة حرب مدججة بأحدث سلاح واقدم موروث ايديولوجي عنصري متزمت.. حرب تأكل الاخضر واليابس في فلسطين، تخوضها من جانب واحد دولة الاحتلال، ويتلقى مفاعيلها الخطرة ثلاثة ملايين فلسطيني.

مند بدء »الطريق الحازمة« وخطاب بوش، صعدت اسرائيل وتائر عدوانها... احتلت جميع المدن باستثناء بلدة اريحا المحاصرة بالجغرافيا و »العزل الديمغرافي«، دمرت المزيد من البنى التحتية، وكسرت المزيد من اذرعة السلطة واجهزتها وقتلت واعتقلت المئات والالوف، واضافت الى ركام الخرائب، ركاما جديدا.

العالم في غفلة مما يجري.. فخطاب بوش اغلق الابواب في وجه الديبلوماسية، وهو صيغ على نحو يجعل الحراك مستحيلا والفراغ سيد الموقف.

لقد رتب الخطاب على السلطة مسؤوليات والتزامات واستحقاقات فورية مباشرة، واعفى اسرائيل من اي منها... واذ تقف الدبابات الاسرائيلية على ابواب المقر الرئاسي في رام اللّه، وتنسف المقاطعة على رؤوس من فيها في الخليل، وتعيد احتلال جميع المدن والبلدات الرئيسة، فإنها تقطع الطريق على الحركة العادية للفلسطينيين، تجعل حياتهم صعبة ومستحيلة، وتجعل من حديث الاصلاحات والانتخابات »نكتة سمجة« لا يطرب لها سوى مطلقيها في واشنطن وتل ابيب.

والمؤسف ان الحركة الديبلوماسية ليست وحدها ضحية خطاب بوش... فالضوء الاخضر الذي منح لشارون لمواصلة »حرب التطويق والابادة« قابله ضوء احمر للاعلام الذي بدأ يتعامل مع خبر العدوان كخبر يومي يقتصر على احصاء الشهداء والجرحى والمعتقلين، تماما كما كان الحال زمن الاحتراب الدامي بين قبائل التوستي والهوتو في رواندا.

نعم، إنها »قصة موت معلن« تطال شعبا بأسره وليس »البطل التراجيدي« وحده...تمر فصولها ثقيلة على النفس والروح والضمير، فيما العالم منهمك بأخبار الزلازل في ايران وفيضانات الصين والحالة الجوية المتردية في جنوب الاتحاد الروسي.

وفي احسن الاحوال، وعندما ينتقل الاهتمام الدولي الى الشرق الاوسط، تتصدر »قضية تغيير القيادة الفلسطينية« الاجندة، وكأن تغيير القيادة او بقاءها اهم بكثير من مستقبل شعب بأكمله يرزح تحت نير الاحتلال والعدوان والاستيطان.