بوش وحكام صناديق الانتخاب

 

بقلم: منير شفيق

يتلخص خطاب الرئيس الامريكي بوش برفض التعامل مع القيادة الفلسطينية الحالية، والمطالبة بتغييرها من خلال صناديق الاقتراع، للمجيء بقيادة جديدة ومختلفة. واذا ما تحقق هذا تدور عجلة التسوية التي تتضمن اقامة دولتين، وتنهي كل المطالبات والمنازعات من جانب الفلسطينيين والعرب في فلسطين.

لنضع جانباً الاعتراضات الاساسية على هذا المطلب من حيث التدخل الفظ والوقح في الشأن الداخلي الفلسطيني ، ولندع ان المطلوب مجيء قيادة وفقاً لمواصفات الحكومة العبرية والادارة الامريكية أي حكومة عملية، وما يعنيه ذلك من تصفية للقضية الفلسطينية حيث سيتوجب عليها الموافقة على المشروع الصهيوني للحل، ولنتجاوز ما يؤدي اليه ذلك من تهديد الأمن القومي للدول العربية مجتمعة ومنفردة اوما يمثله من نموذج للتدخل في تغيير القيادات والانظمة العربية.

لو وضعنا كل ذلك جانباً لنتوقف امام تغيير القيادة عن طريق صناديق الاقتراع: الديمقراطية. وهنا يجب ان نسأل هل يستخف بوش بعقول العالم حين ينقلب الى حريص على مجيء القيادات من خلال صناديق الاقتراع، وسجله، بالطبع، مليء بالتعامل مع قيادات لم تصل الى الحكم عن طريق صناديق الاقتراع. بل هو بالامس فقط شارك في انقلاب عسكري في فنزويلاً للاطاحة برئيس وحكومة جاءا من خلال صناديق الاقتراع.

والغريب ان الرئيس الامريكي بوش كان ينظر الى العالم كله في الوجه وهو يطالب الفلسطينيين بتغيير قيادتهم عن طريق الديمقراطية الانتخابية. هذا يعني انه لا يفكر بما يمكن ان يفكر به مستمعه او ماذا سيعلق على هذه النقطة بالذات قبل غيرها.

وبالمناسبة اورد بوش شروطاً للقيادة التي يريدها وهي الشفافية والنزاهة والابتعاد عن الفساد ولم يفصح صراحة عن الشرط الاساسي الذي يريده منها وهي ان تكون موالية تماماً للدولة العبرية والمخابرات الامريكية. على ان الحديث عن الشفافية والنزاهة والابتعاد عن الفساد يثير من السخرية عندما يسمعه العالم من بوش اكثر من السخرية التي يثيرها حديثه عن الاحتكام لصناديق الاقتراع، مثل فضيحة علاقته بشركة «انرون» التي يمثل مسؤولوها امام القضاء بسبب الفساد والتزوير في الحسابات وسرقة اموال المساهمين، وكانوا من اهم داعمي جورج بوش الابن في حملته الانتخابية. بل كانت فضائح اخرى تتفجر وهو يلقي خطابه عن الشفافية والابتعاد عن الفساد اصابت خمساً من الشركات العملاقة الكبرى: اندرسون للمحاسبة، وورلدكوم، وكزيروس، ودينغي، وغلوبال كروسينغ، وكويست، والان وورلد ديزني على الطريق.. هذا دون الحديث عن الفساد الذي لا تصل فضيحته الى المحاكم.

الرئيس الفرنسي جاك شيراك في رده على بوش قال ما معناه كيف يمكننا ان نطالب بالانتخابات ونحدد للمنتخب من يجب ان ينتخب، فهذه مناقضة لتلك وليست الديمقراطية هكذا. أى بمعنى آخر لم يعبأ السيد بوش ان يطالب بالانتخاب وفي الوقت نفسه يحدد القيادة التي يجب ان تنتخب: فاما ان تقول انتخابات وتحترم نتائجها كيف جاءت واما ادخل في الموضوع ولا حاجة الى الكذب على الناس وحتى على النفس.

على ان المدهش الذي لا يقل سخرية عن موقف بوش من موضوع صناديق الاقتراع انما يتمثل في بعض العرب الذين لم يسكتوا، «اذا لم يكن بمقدورهم ان يقولوا لبوش ما هذا الذي قلته في خطابك» وانما مدحوا الخطاب وراحوا ينغمون في موضوع الاحتكام لصناديق الاقتراع لاختيار القيادة الفلسطينية. وقد نسوا ان فهمهم لعمل صناديق الاقتراع او علاقتهم بالموضوع اصلاً، يتطلبان الصمت المطبق لئلا تنكأ جروح وجروح.

وبالمناسبة ليس امام بوش الا ان ينسى خطابه ويلفلف ما جاء فيه لان الجبل عندما تمخض لم يلد فأراً بل ولد مسخاً ومهزلة. فيا للعالم ان كان رأس اكبر دولة فيه يقدم مثل هذا الخطاب الذي سلّم العقل للعضلات.