بيت الأحزان

بقلـم : محمـود شنب

mahmoudshanap@yahoo.com

mahmoudshanap@gawab.com

 

تعرفت عليه ونحن على ظهر احدى البواخر فى رحلة العودة إلى الوطن ـ كانت حقائبه كثيرة وأغلبها أشياء مستعملة ، وكانت ملامحه حزينه لكنها حادة ومعبرة ... شدنى إليه ما يحتويه من متناقضات عجيبة وكثيرة ... فى يده مصحف يقرأ فيه ، وإلى جواره أوراق كوتشينه كان يلهو بها .. إلى جواره جرائد عديدة أغلبها يعبر عن اتجاهات متناقضة ( الوفد ـ العربى الناصرى ـ الدستور ـ النبأ ـ مايو ـ عدد قديم من جريدة الشعب ) وكان يتكئ على بعض الكتب التى تبعثرت من حوله عندما اعتدل ليحدثنى ، منها ما هو لأنيس منصور "وداعًا أيها الملل" و"بلاد الله .. خلق الله" و"الوجودية" ، وللدكتور محمد عباس "إغتيال أمـة" و"الحاكم لصًا" و"إعلانات مبوبة" ، وديوان لنزار قبانى و .... !!!

إقتربت منه وسألته : من أى البلاد أنت ؟؟

قال وفى عينه حسرة : ربما لا تصدق إننى من ... 

قاطعته مسرعًا : من مصـر ؟؟ 

قال فى لوعة : نعم .. من أخبرك ؟!!

هتفت به : أم الدنيا !!    

قال : وشرف الدنيا ،

صرخت : بلد الأزهر !!    

قال : لقد صار أزعر !!     

قلت : بلد السد !!      

قال : سد الرزق ..

سألته : وما سر هذا الهم الذى يحتويك ، والحيرة التى تعتليك ؟!!     

قال : فقدت أبى منذ فترة طويلة وتفرقنا ـ أنا واخوتى ـ فى بلاد الله من أجل لقمة العيش ... ثم أكمل : لم نفقد أبى بالموت .. لكننا افتقدناه فى الضلال ـ لنا أراضى وعقارات لكننا محرومون منها !!      نعيش على الفتات وننتظر عودة أبى إلى الحق والصواب بعد أن صادق الأكابر وعاش فى حمايتهم !!

قلت لـه : ولما لا تحجروا عليه ؟!!     

قال : كل من حوله يزين له عيشته ، ويتغنى بتصرفاته وأفعاله ، وحكمته وتعقله ، يزيفون له الواقع للدرجة التى أصبح يرانا فيها كأننا سبب كل المصائب ، يعايرنا بالكثرة ويقول : إن كثرتكم هى سبب كل البلاء !!     إذا طلبنا منه أن يفتح لنا أبواب العمل ويوفر لنا سبل الرزق يقول : إعتمدوا على أنفسكم ، ولينسى كل منكم أن لـه أب .. إن كل فلق منكم يُعرش "زريبه" .

أعيتنا الحيل ، وأرهقتنا السُبل ، وأضعفنا الفقر ، وأهاننا العوز ـ فخرجنا نطلب الرزق كل فى بلد .. لى شقيق فى العراق لا نعرف عنه شئ منذ "حرب العار" ، ولى شقيق فى السعودية يعمل صيدلى ولا يتقاضى إلا ربع ما يتقاضاه الأمريكى ، ولى شقيقان يعملان فى أمريكا ـ أسأل الله أن يعيدهم إلينا سالمين من تهمة الإرهاب ، ولى أخ يعمل مدرسًا فى اليمن ... هكذا تفرقنا فى بلاد الله ، وفى نهاية كل عام وبعد الضنى والشقاء نعود إلى أمنا لنعوضها قدر ما نستطيع ونعينها على مصائب الدهر التى حلت بها وبنا ، ونمسح دموعها التى لا تجف على شقيق لنا ضاع بسبب البطالة وقلة الحيلة وقد جرفه تيار الفساد وصار مدمنًا ـ ليله نهار ونهاره ليل ، نعود فى كل عام لنجد الأوضاع أسوأ مما كانت عليه وقد رهن أبى العقارات والأطيان ، واستدان بشيكات حان موعد سدادها ، ونحن الذين نسددها !!

ألا يكفى ذلك لأن أعيش حزينًا ومهمومًا ؟!!!

قلت له : وما سر هذا الإضطراب الواضح فى فلسفتك وثقافتك ؟؟       أراك تقرأ لأنيس وعباس ، وتلهو بالكوتشينه ثم تقرأ القرآن !!!

قال : لقد فقدنا المعالم والإتجاه يوم فقدنا أبى فأصبح لكل منا إتجاه ووجهة نظر مختلفة عن الآخر ، وأنا أقرأ لعباس لأعرف زيف أنيس ، وأقرأ القرآن بعد أن تضللنى أوراق الكوتشينه ... إننى ما زلت أبحث عن نفسى ، ولكى أوضح لك الصورة أكثر سأحكى لك شئ عجيب ـ عندما نعود أنا واخوتى يعود كل منا محملاً بالملابس والهدايا وقليل من المال وكثير من العادات والتقاليد ـ نأخذ من دول الخليج البذخ ونأخذ من أمريكا الفسق والضلال ولعب الثلاث ورقات ، ونأخذ من اليمن "القات" ومن كل نحمل ملابس مختلفة فى كل شئ ـ فأصبح كل منا يلبس غير الآخر ويتصرف عكس الآخر ، وأصبحت أموالنا ضعيفة تعيش على استحياء ما بين الدولار والدينار والريال واليورو ، ولضعف القدرة الشرائية والإعتماد ـ بصورة أساسية ـ على هدايا الاخوة والأقارب واًلأصدقاء تنازل كل منا عن ذوقه الخاص فى الملبس فأصبح بعضنا يرتدى الدشداشه والآخر يلبس الجلباب وبعضنا يلبس العباءة والبعض يلبس الجاكت والبعض يلبس التى شيرت ، ولا نعبأ كثيرًا بما عليها من رسومات ـ بحيث نرى الرجل الوقور يسير فى الطريق وعلى صدره صورة كلب !!    وترى الكهل يسير وعلى ظهره صورة قلب أو امرأة لعوب ، ويحمل الشباب على صدورهم شارات لشواذ دون أن يدروا ، ويحملون على ملابسهم أعلام لدول معادية دون تمييز ، وعبارات بأى لغة تحمل أى فكر دون ادراك !!

من هنا ضاعت الهوية والزى المميز والذوق الخاص ـ نلبس بناطيل "جنز" لها عشرات الجيوب ولا نملك ما نعمر به أى جيب ، نرتدى قمصان مبرقشه أشبه بملابس الصاعقة ونحن خرفان وجبناء لا نعرف حتى مغزى الألوان !!

تركنا عصائر بلادنا التى فيها كل الفواكه وشربنا التيم والسفن والكولا !!

تركنا الفطائر الفلاحى وأكلنا البيتزا ودجاج الـ "كنتاكى" والخلطة السحرية !!

تركنا ماء النيل بعد أن حولناه مجرى للمجارى والفضلات وشربنا السجائر وعرفنا المخدرات !!

تركنا صلاة الفجر بعد السهر أمام الدِش ، استغنينا عن القراءة بالفرجة ـ الفرجة على أى شئ  ( تجارة ـ دعارة ـ مذابح مسلمين ـ عروض أزياء ـ .... ) .

يسير كل منا ويحمل فى يده سيجارة وفى وسطه محمول ، والعوز يحيطنا من كل جانب !!

ندعى السعادة ونحن "بيت الأحزان" .

كاظم الساهر يسقى حصانه مياه معدنية والكاظم المصرى يسقى عياله من دموع الاهانة ومياه المجارى !!

فى أسبوع واحد يموت الدكتور عبد الله شحاته ، والفنان محرم فؤاد فلا نسمع كلمة عن الأول ـ  بينما عرف الشعب كله كم أغنية غناها محرم فؤاد ، وكم فيلمًا مثله ، وماذا كان يحب من الطعام والشراب وما هى هواياته وكيف كان يقضى أوقاته !!

فى كل مكان انتشر الباعة الجائلون من حملة المؤهلات العليا والمتوسطة ـ ليبيعوا علمهم فى سوق الجهل والعوز ويقفوا أمام كل باب شواهد عار وعرائض اتهام !!

ازدادت البطالة دون مبرر أو أسباب مقنعة ... فنحن كما يقولون بلد سياحى وصناعى وزراعى وتجارى ـ لدينا الأرض والماء ، ولدينا ثروة بشرية تهد الجبال ... لدينا كل شئ ولكن لا نملك أى شئ !!

قلت له : عن أى شئ تتحدث .. لقد خرجنا عن الموضوع !!

قال : أحدثك عن أبى الذى كان سببًا فى كل ذلك .

قلت له : أكاد أعرفه !!

قالى لى وهو يتلفت حوله : دعنا نصل سالمين ، ولا تنسى رحمة الله فعلى قدر ضلال الأب يأتى عطاء الأم التى ما زالت ـ رغم غربتنا ـ ترقع ثياب اليأس ، وتصلح عيوب الأب ، وتنشر فضيلة الصبر ، وترخى ملابسها أغطية علينا تقينا برد الشتاء وحرارة الصيف وتقول لنا : صبرًا يا أبنائى فنحن على الحق ، ومن سار على الحق كان الله معه ... ثم تقول لنا بقلب صادق : الله الله فى والدكم .. ادعوا له بالهداية والتوبة والمغفرة وحسن الخاتمة .

سكت الرفيق فجأة وظل يبكى وقال وهو يتلفت : لقد شاطرتنى همى وعليك الآن أن تشاطرنى الخاتمة ـ سأقول لك من هى أمى وعليك أن تدرك من هو أبى ..

قلت له : لا تقل شيئـًا ... إن أمك أمى .. وأباك أبى .