تعرض مركز زايد الثقافي لعملية اغتيال أدبي
أدت الى اغلاقه، في سابقة خطيرة هي الأولى من نوعها في العالم العربي، لذلك فلعلني
لا أبالغ اذا قلت ان خبر الاغلاق فاجع في ذاته وفي دلالته، وقبل أن أشرح كيف
ولماذا، فإنني استأذن في أن أعرض أولا لبعض الخلفيات وثيقة الصلة بعملية الاغلاق،
ذلك ان الحملة الشرسة التي شنت على المركز قادتها مؤسسة اميركية ليست فوق الشبهة
ولها سوابقها المريبة، هي «معهد الشرق الاوسط لبحوث الاعلام» الذي يشار إليه باسم
«ميمري» وهو معهد محسوب على المخابرات الاسرائيلية، وإحدى وظائفه الأساسية هي تشويه
صورة العرب والمسلمين والتحريض ضدهم، وهذا الكلام ليس من عندي ولكنه شائع ومستقر
لدى الباحثين في الشأن الأميركي، فضلا عن انه ورد في شهادة نشرتها صحيفة الجارديان
البريطانية
(في 2002/8/12) للكاتب برايان ويتيكر، وهو من
نقل عن صحيفة «واشنطن تايمز» تعليقا للمتحدث باسم مجلس العلاقات الاميركية
الاسلامية ـ ابراهيم هوبر ـ قال فيه ان وظيفة «ميمري» الاساسية هي البحث عن أسوأ
العبارات المقتبسة عن العالم الاسلامي، ثم نشرها على أوسع نطاق ممكن، وقد عبر
الكاتب عن تأييده لذلك الكلام، وقال في شهادته انه يتلقى من المعهد عبر البريد
الالكتروني، وبالمجان، ترجمات عالية المستوى لمقالات صادرة في الصحف العربية، لكنه
عبر عن توجسه وعدم ارتياحه لطبيعة تلك الترجمات، التي هي «اما ان تعكس صفات سيئة
للعرب أو انها تقوم بتعزيز الاولويات السياسية لاسرائيل».
ومن الملاحظات الطريفة التي أوردها كاتب المقال
قوله ان المعهد يقدم نفسه باعتباره مؤسسة محايدة تشجع الاعتدال، وتسعى لتسليط
الأضواء على النماذج الصارخة للتعصب والتطرف، ولكنه تشكك في صدق هذه المقولة بعدما
اكتشف ان الترجمات التي يعممها كلها تعكس نماذج لظاهر التطرف في الجانب العربي، في
حين انه لم يتلق مرة واحدة ترجمات من ذلك القبيل عن الصحافة العبرية، وهي كثيرة
كما يعلم الجميع!
لا غرابة في ذلك، لأن المؤسس المشارك ورئيس
المعهد والمالك المسجل للموقع شخصية اسرائيلية تدعى ايجال كارمون، وهذا السيد هو
في الأصل «كولونيل» أمضى 22 عاما في المخابرات العسكرية الاسرائيلية، وعمل مؤخرا
مستشارا لمكافحة الإرهاب مع اثنين من رؤساء الحكومات الاسرائيلية، هما اسحاق شامير
وبنيامين نتانياهو، ليس ذلك فحسب، وإنما باستعراض أسماء العاملين بالمعهد تبين ان
ثلاثة منهم كانوا يعملون مع المخابرات الاسرائيلية، والثلاثة الآخرون، أحدهم عمل
بالقيادة الشمالية للجيش الاسرائيلي، وآخر ذو خلفية اكاديمية، والثالث كوميدي
سابق!
وللعلم فان معهد «ميمري» هذا هو الذي أقام
الدنيا ولم يقعدها حين نشر الدكتور غازي القصيبي وقت ان كان سفيرا للسعودية في
لندن، قصيدته الشهيرة التي حيا فيها الشهيدة الفلسطينية وفاء ادريس، واعتبرها
المعهد قصيدة تحريض «للانتحاريين» ومديحا لهم، كما أثار المعهد نفس الزوبعة حين
تصيَّد مقالة نشرتها صحيفة «الرياض» لكاتبة سعودية استخدمت فيها القصة الشائعة
التي تقول ان اليهود يستخدمون دماء الأطفال المسيحيين في اعداد افطارهم في عيد
«البوريم» واعتبر المعهد ان هذا الكلام معاد للسامية.
لا يفاجئنا ذلك النهج في الاصطياد الذي
يستهدف التشويه والوقيعة، حين نضع في الاعتبار الهوية الحقيقية للمعهد، وعلاقته
الوثيقة بالمخابرات الاسرائيلية، وتلك خلفية السياق الذي نحن بصدده، لان الزوبعة
التي اثيرت حول مركز زايد خرجت من عباءة ذات المعهد المشبوه، الذي اصدر قبل عدة
أسابيع تقريرا ثانيا عن المركز كرر فيه اتهاماته السابقة له بأنه يروج للفكر
المتطرف ومعاد للولايات المتحدة والغرب، ومعاد للسامية... الى آخر تلك العناوين
التي اصبحت تلاحق كل من انتقد الولايات المتحدة أو السياسة الاسرائيلية.
تقرير معهد «ميمري» صدر في 7/11، وخبر
الاتجاه الى اغلاق المركز نقلته وكالة «اسوشيتدبرس» في 8/18، أما الاغلاق فقد تم
بعد ذلك بأسبوع، والعلاقة بين حملة المعهد الاميركي الصهيوني وبين قرار الاغلاق
لاشك فيها، وهو ما أشار اليه خبر «اسوشيتدبرس» حين نقل عن مصدر مسؤول في أبوظبي
بأن «الامارات أعربت بشكل خاص عن قلقها في الشهر الأخير بشأن التصريحات المنشورة
عن أنشطة المركز»، وهي التصريحات التي كانت بمثابة ضغوط شوهت المركز، كما شوهت
صورة دولة الامارات، خصوصا ان المركز يحمل اسم رئيسها الشيخ زايد بن سلطان، وقد
نجحت الآلة الاعلامية الصهيونية في حملة التشويه تلك، لدرجة ان الشيخ زايد حين
تبرع بمبلغ 15 ألف دولار لسد العجز المالي في ميزانية إحدى المدارس الابتدائية في
ولاية كاليفورنيا، وذلك استجابة لطلب جدة أحد التلاميذ كانت في زيارة للامارات،
فإن أولياء الأمور ترددوا في قبول المنحة التي كان من شأنها ان تبقي على مدرسي
المرحلة الثالثة الذين تم الاستغناء عن خدماتهم، وكان السبب الرئيسي في هذا التردد
هو ارتباط اسم الشيخ زايد بالمركز الذي اشيع عنه انه معاد للسامية!
من الواضح ان دولة الامارات لم تحتمل الضغوط
التي مورست، وأرادت أن توقف الحملة ضدها، فاختارت ان تغلق المركز، عملا بالمثل
القائل: «الباب الذي يأتيك منه الريح، اغلقه لتستريح»، وهو ما اعتبرته أمرا فاجعا
في ذاته وفي دلالته، وأجلت الرد على السؤال: كيف ولماذا؟
ذلك ان موضوع الحديث ـ الأزمة هو مركز ثقافي
أراد أن يؤدي رسالته على نحو جاد، فاختار ان يقوم بدور تنويري، يتيح المجال لطرح
مختلف وجهات النظر في القضايا التي تهم العالم، وحين قيل من على منبره كلام لم
يعجب الاميركيين والصهاينة، أو كان متميزا عن الهوى السياسي فانه اتهم بالتطرف،
واطلقت من حوله الشائعات التي مهدت للانقضاض عليه واغتياله.
ان أكثر ما أخذ على المركز انه دعا الفرنسي
تيري ميسون مؤلف الكتاب الذي شكك في أحداث 11 سبتمبر واعتبرها اكذوبة، وانه سمح
بإلقاء محاضرات انتقدت السياسة الاميركية والاسرائيلية، والذين تحدثوا في هذه
الأمور لم يتجاوز عددهم عشرة أشخاص، من بين حوالي 500 محاضر تمت دعوتهم منذ انشاء
المركز في عام 1999، وبالمناسبة فإن الذين مارسوا عملية النقد كان بعضهم اميركيين،
كما ان هناك اميركيين آخرين دافعوا عن سياسة بلادهم، وحاولوا اقناع مستمعيهم
بصوابها.
كل جريمة المركز انه سمح للرأي الآخر بأن
يعبر عن نفسه بشكل حذر وفي نطاق محدود وضيق، حتى ان أصحاب ذلك الرأي الآخر لم
يتجاوز عددهم أصابع اليدين، ولم يمثلوا أكثر من واحد في المائة من المتحدثين، لكن
ذلك لم يحتمل، ولم يغفر للمركز انه أتاح تلك الفرصة الصغيرة، وتم قمعه لاسكات
دعوته وليكون عبرة للآخرين.
المدهش ان ذلك حدث في أجواء الدعوة الى
دمقرطة العالم العربي، واتاحة الفرصة للرأي الآخر، وتشجيع حرية التعبير، واعلان
الحرب على النظم الاستبدادية التي كان النظام العراقي أبرز تجلياتها، الأمر الذي
يشكك في صدقية تلك الدعوات، ويوسع ويعمق من الفجوة بين الذي يقال على الهواء وعبر
الصحف، وبين الذي يحدث على أرض الواقع.
أما الفاجعة في دلالة ما جرى فان قمع الرأي
المخالف ـ تحديدا الناقد لأي شيء في سياسة الولايات المتحدة واسرائيل ـ يبدو انه
من سمات المرحلة المقبلة، وهو طور لاحت بعض ارهاصاته في مصر حين نشرت صحيفة
الاهرام في 2002/9/30 مقالة للسفير الاميركي في القاهرة ديفيد وولش احتج فيها على
نشر الصحف المصرية لبعض التحليلات التي شككت في أحداث 11 سبتمبر، وطالب مسؤولي
الصحف بمراقبة ما ينشر من مقالات حتى لا تناقض الرواية الاميركية، وهي الرواية
التي يراد لها ان تكتسب قداسة أشبه بالقداسة المفروضة على المحرقة النازية لليهود.
ان اغلاق مركز ثقافي يفتح الطريق لمصادرة
صحيفة أو منع تداول كتاب أو وقف مسلسل تلفزيوني، الأمر الذي يدخلنا في نفق مظلم،
يعلم الله وحده تداعياته ونهايته.
على صعيد آخر فان نجاح الحملة الصهيونية في
تشويه سمعة المركز والاساءة الى دولة الامارات يعكس مدى النفوذ الوحشي الذي تتمتع
به الصهيونية، الذي تجاوز التأثير على القرار الاميركي، ولكنه امتد الى خارج حدود
الولايات المتحدة أيضا.
لقد تحفظ الاستاذ عبدالرحمن الراشد على قرار
اغلاق المركز، وحبذ تصويب سياسته كما هي ومسيرته، وأنا أضيف الى فكرته ان يبذل
جهداً آخر ـ محايداً ـ لتقييم أدائه للتثبت من صدق الاتهامات والمزاعم المنسوبة
إليه، لتحديد الموقف منه في ضوء ذلك التقييم، وليس في ضوء شائعات كاذبة ومغرضة
روجت لها جهات مريبة وسيئة السمعة.
أرجوكم افعلوا شيئا لكي تستمر منارة المركز
في الاشعاع، فنحن نلهث في العالم العربي لكي نتعلق بضوء في الظلام المخيم، كما ان
لدينا ما يكفي من فواجع، ولا نريد أن نضيف الى همنا الثقيل فاجعة جديدة.
نقلا
عن الشرق الأوسط