الجمعيات الفلسطينية
و الضغوط الاميركية
ابراهيم ابو الهيجاء
كاتب وباحث فلسطيني
جنين
دور الجمعيات بين الحاجات والرغبات
تلعب الجمعيات الاسلامية الفلسطينية والتمويل المقدم لها من الجهات الشعبية
العربية والاسلامية ، الدور الرئيس في اغاثة الفلسطينين معيشيا وصحيا وتعليميا ،
واستطاعت هذه الاموال – على قلتها - ان تخلق تماسكا اقتصاديا يؤمن الاساسيات
للفلسطينين الذي كانوا يكتوون في فقر وبطالة وصلت مؤشراتها الى ما يزيد عن 65% من حجم الناتج المحلي ، ويركز على الاقتصاد الزراعي بصفته الاكثر لياقة في ظروف الحرب والاضطراب .
وبالمقابل كان جليا ان هدف الاحتلال من خلال فرض حظر التجول المتواصل
والحصار المطبق والتقطيع الجغرافي للضفة
وغزة ، تركيع الفلسطينين والنيل من صمودهم ، كجزء مكمل من المعركة الدائرة ضد
المقاومة الفلسطينية والبنية الشعبية والتحتيتة الداعمة لها ، وفي ظل اقرارنا ان
ما توفره السلطة الفلسطينية من اموال يذهب مباشرة للموظفين الملحقين بالقطاعات
الامنية والصحية والتعليمية (حيث ان نسبة 60% من النفقات الجارية في موازنة السلطة
تذهب مباشرة كرواتب للموظفين ) ، ناهيك عن سعي السلطة لتدعيم ذاتها في ظل تاكل
وجودها وشرعيتها وسطوتها وعليه فان العبء الرئيس القي تماما على الجمعيات الخيرية
الاسلامية
بالمقابل كان هناك المئات من
المنظمات الاهلية والثقافية الفلسطينية والتي يصل تعدادها الى مايقارب ال 1800 ، المعتمدة على الدعم الاوروربي والاميركي المتدفق، و الذي ركز على بناء الامن الفلسطيني والتثقيف الديمقراطي والنسوي والتطبيعي ، وحتى المشاريع
العامة كانت بغرض التدريب
والتطوير وليس البناء والانشاء ، وكانهم يريدون البناء من فوق والتغافل عن
البنية التحتيتة التي هي الاساس ، و للدقة فان هناك بعض
هذه المنظمات قاوم الاجندة الغربية
وتحديدا الاميركية واصر على شروطه في التنفيذ ، الا ان الاجمال
العام يشير الى ان معظم المنظمات
غير الحكومية يصب في ذات التوجه انف الذكر حيث الاجندة مشوهة ولا تناسب الاولويات
الفلسطينية العاجلة ، بقدر ما تناسب مع رغبات الممول الاميركي او الاوروربي
السلطة الفلسطينية سنة 1999م
حاولت السيطرة على هذه المنظمات بقصد جعل تمويلها يمر من
خلالها في ضوء ان هذه المنظمات يقدر
دخلها السنوي ما يصل الى 200 مليون دولار
- حسب البنك الدولي- ، من خلال استحداث (وزارة المنظمات الاهلية ) ، واتهام هذه المنظمات بتلبية اجندة تغريبية ، وتحصيل رواتب ادارية تصل الى
ارقام جنونية ( 70% من موازنة المشاريع) ، ردت
عليها تلك المنظمات باتهام السلطة بالفساد والتسلط ايضا ..
والصحيح ان العديد منهما مصاب بالفساد بشكل او باخر .
الضغوط الممارسة على الجمعيات الاسلامية
والان ومع اهتزاز مكانة السلطة لدى الاميركان فان قوة تلك المنظمات قد زادت
وتعززت ، لكن انعطافة حدثت في العام الثاني لانتفاضة الاقصى من الجيد رصدها وهي ان
تلك المنظمات المرتبطة بالتمويل الاميركية حاولت اقامة مشاريع انتاجية وانشائية
واغاثية ورغم ان ذلك يعد تجميلا
لدورها في ضوءالادراك الظرفي ان الفلسطيني
يحتاج لمن يطعمه لا لمن يعظه في
الديمقراطية الاميركية ، الا ان التوجه الجزئي لهذه المنظمات كان هدفه التشويش على نشاط الجمعيات الاسلامية الى
سحبت البساط الاجتماعي من تحت الاجهزة الرسمية ، وكذلك من المنظمات الاهلية ،... و
هذا بدوره ادى الى تصاعد قوة الحركات الاسلامية الفلسطينية وهذا
مانبهت اليه اطراف داخلية وخارجية بضرورة
تداركه من خلال التالي :
1-
تجفيف موارد الجمعيات الاسلامية من خلال الضغط على الحكومات العربية لملاحقة التمويل الشعبي والجمعيات الجامعة
له .
2-
توجيه الدعم الشعبي والرسمي
العربي من خلال قناة السلطة
الفلسطينية وهذا ماركز عليه بوش بجلاء في قمتي العقبة وشرم الشيخ .
3-
ملاحقة الاجهزة الامنية الاسرائيلية لنشطاء الحركات الاسلامية الاجتماعيين من خلال الاعتقال ومداهمة
المؤسسات الخيرية وتحطيم بنيتها المعلوماتية .
4-
ملاحقة الاجهزة الامنية الغربية والاميركية للجمعيات الاسلامية في الخارج من خلال محاصرة انشطتها واغلاق بعضها واعتقال بعض مسئوليها
5-
محاولة ربط النشاط العسكري للحركات المقاومة بالاعمال الاغاثية ،ومحاولة خلق
مشابهات في الذهن العام مابين عمليات القاعدة وعمليات حماس بقصد تضليل الراي العام ، والقاء ظلال ذلك على
العمل الخيري في الداخل والخارج .
ورطات وتحديات الضغوط الاميركية
ولكن القاء التهم وخلق المقاربات اصيب بالفشل الاستخباري ،
مما جعل الاتهامات تتراجع الى الحديث عن اشكالية دعم
ومساندة بنية المقاومة الفلسطينية ، وهو ما كان يعني بجلاء ان الحرب ضد الجمعيات تلاحق
انشطتها المتعلقة حتى بالايتام والارامل
والفقراء ، وهذا براينا وضح
للراي العام ان الهدف هو القضاء
على مقومات الصمود الفلسطيني ايضا ،... ولكن الطرح الاميركي بهذا الشكل يواجه ورطات موضوعية وذاتية
اهمها :
1-
ان الجمعيات الفاعلة باغلبها تتعاطف مع الحركات الاسلامية ، وهي تمتاز
بنظافة اليد ، وفي ظل ان ما يدعو اليه الاميركان الشفافية فان دعواهم لتوجيه الدعم
لقنوات رسمية او اهلية اخرى هو بمثابة اعلان تناقض وكشف للنوايا الاميركية التي
تزعم انها مع الاصلاح المالي بينما ما تريده فعليا في سبيل مصالحها هو تاكيد
الفساد .
2-
ان ايجاد البديل عن الجمعيات الاسلامية يتطلب وجود بنية موازية تحتاج الى
سنوات من التراكم وفي ظل مثالية ذلك ، فان سحق الجمعيات الاسلامية سيعني ثورة
اجتماعية فلسطينية وتراكم للغضب وبالتالي مزيد من المقاومة، في
ظل ان عشرات الالاف وعوائلهم مرتبطين او مستفيدين من دعم الجمعيات الاسلامية ،
وهذا ما نبه اليه دينيس روس المبعوث
الامريكي الاسبق لمنطقة الشرق الاوسط عندما شنت السلطة الفلسطينية حربا شاملة ضد
الحركات الاسلامية في سنة 1996م ، حيث نوه لخطورة المساس بالجمعيات الاسلامية دون بديل موجود وموازي
3-
كما انه يجب ان لا يغيب عنا ان ضغوط الاميركان على الدول العربية للقيام
باجراءات ( غير عادية) ضد الجمعيات الخيرية هو بمثابة تدخل في شؤونها الخارجية ، و
من الجيد هنا تذكير هذه الدول ما يعنيه ذلك التدخل من مس بسيادتها
ونيل من كرامتها .
4- الغريب فعلا الوقاحة
الاميركية التي تطالب الجميع بوقف الدعم
للشعب الفلسطيني المذبوح بينما لا تطلب من ذاتها الالتزام بوقف دعمها
للقاتل والمتسبب بكل هذه المعاناة - أي دعمها اللامحدود للاحتلال الاسرائيلي - وكان جدير بالعرب الرسميين تذكير الاميركان بذلك ايضا
الوعود
الاميركية جوفاء
لقد اعلنت " كوندليزا رايس " في زيارتها الاخيرة للمنطقة عن
" تخصيص مليار دولار اميركي كبديل عن الخدمات الاجتماعية التي تقدمها الجمعيات الاسلامية الفلسطينية "
...والغريب فعلا هو ان تكون مناكفة
الحركات الاسلامية محفزا للاميركان
لكي يقوموا باغداق الوعود المالية على الفلسطينيين ... مما يدلل على ان المعاناة
الانسانية الفلسطينية هي لغة معدومة في الحسابات الاميركية ، وهي لا تاتي الا في اطار
خدمة المصالح الاميركية ، وبالتالي فالحديث عن الاصلاح الفلسطيني هو غطاء
لادخال تفاعلات في الساحة
الفلسطينية تنتج معادلة تساندهم ، والا لو
كان الامر صحيحا لكان حري بالاميركان المطالبة في الاصلاح ابان نشرتقرير
هيئة الرقابة الفلسطينية الذي تحدث عن فساد هائل لدى وزارات السلطة ،وهذا يدلل ان المعيار
الاميركي للاصلاح هو انسجام الفلسطينين مع المطالب الاميركية ، المتعلقة بمزيد من
التنازل والامن للاسرائيلين .
ولكن كما هو حال وعود
السياسة الاميركية المترددة والمتقلبة مع العرب، فكذلك وعودها المالية والاقتصادية فرغم انها اتت في سياق المنكافاة ، الا انها تبدو قاصرة عن
اسعاف الفلسطينين في حاجاتهم الاساسية ، خوفا من تحول هذه البنية الى قوة صمود ، ولذا فان الاميركان يركزون الان فقط على المساعدات
الامنية لاجهزة السلطة .
ولقد اعترف تقرير حديث صدر
في الشهر الماضي لمجلس السياسات
الأمريكية بواشنطن أعده " جيمس بروان " أحد مستشاري بوش بأن( إعلان
إدارة بوش عن مخطط اقتصادي وتنموي لتنمية المدن الفلسطينية ومواجهة الحركات الاسلامية سيواجه بمشكلات عديدة نظرًا
لفعالية هذه الحركات ودورها
المتنامي في الداخل الفلسطيني) ، بل
ان مجلس السياسات الأمريكية اعترف
ايضا ( أن تخطيط وزارة الخارجية وتقارير المخابرات المركزية لإقرار سياسات جديدة
أو طرح خطط مالية واستثمارية تثقل كاهل الموازنة الأمريكية سوف تكون تداعياته
خطيرة خاصة أن بعض الحركات الفلسطينية الاسلامية تملكان خريطة الواقع الفلسطيني وتبعاته على كل المستويات وأن التلويح
بفرص بديلة على المستوي الاجتماعي والاقتصادي ليس واقعها الآن في ظل سيطرة
الخيار الأمني وضرورة إيقاف العمليات الاستشهادية أولاً ثم الحديث عن الاقتصاد
والتنمية لاحقًا)
تقرير مجلس السياسات
الاميركي يحمل دلالات
مهمة من الجيد رصدها اهمها :
1-
اعترافه بقوة الجمعيات الاسلامية الاجتماعي وعجز الاميركان عن مجاراته او
التورط في انتزاعه بشكل عاجل
2-
ولكنه يستغل هذه الحقيقة
الموضوعية ليبرر امتناعه عن المساعدات
التنموية او تهربه من
مسئوليته الاقتصادية (أي حق يراد به باطل )
3-
الاشارة الاهم ان تركيز
التقرير هو على تعزيز
القدرات الامنية التي تحوول دون العمليات الاستشهادية وليس قضايا الاقتصاد والتنمية
اجمال التهديف الاميركي
الهدف الجلي من الحرب الاميركية - الاسرائيلية ضد الجمعيات الاسلامية في
الداخل والخارج ليس فقط وقف اعمال
المقاومة ، بل هو تجريد الفلسطينين من صمودهم وانسانيتهم ، والمطلوب ابقاؤهم اذلاء
على ابواب الاحتلال والاميركان يستجدون لقمة عيشهم ولايفكرون باوطانهم وكرامتهم وعزتهم ، اما الشعب العربي
والاسلامي المتحرق لدعم الشعب الفلسطيني بكل السبل ويجد نفسه عاجزا امامهم نكبتهم
اليومية ، والذي لم يجد غير ماله ليجود بها على اخوانه الفلسطينين فان المطلوب منه
الان التخلي عن ذلك القليل الذي يقدمه .
واذا ما نجحوا في وقف هذا الدعم الانساني المحدود او التضييق عليه ، فانه
من المؤكد ان تسوء الاحوال الانسانية في فلسطين بشكل اكبر ، لان القليل الذي تؤمنه
الجمعيات الاسلامية كفيل فقط بتخفيف
الفقر والجوع ، اما البنية التحتيية والخدمات الاساسية فهي تحتاج الى عشرات
المليارات وهذا ما لا يجرؤ احد على التورط به او اخذه على عاتقه .
وفي ظل الوعود الاميركية الجوفاء لانقاذ الفلسطينين من محنتهم كبديل عن الجمعيات الاسلامية ، فان محاربة
الاميركان لذلك الجزء اليسير من
المساعدات العربية والاسلامية
الشعبية كفيل فقط بتراكم
معادلة من الغضب الاجتماعي الذي سينفجر فقط في وجه المصالح الاميركية ويصب جم غضبه
على الاحتلال بمزيد من المقاومة وليس العكس .