خمسة احتمالات أمام وزراء الخارجية العرب للتعاطي مع مجلس الحكم الانتقالي
بقلم : جورج علم
يلتقي وزراء الخارجية العرب في القاهرة مساء
الاثنين المقبل للبحث في اجتماع غير رسمي طلب مجلس الحكم الانتقالي المشاركة في
أعمال الدورة العادية ال120 لمجلس الجامعة العربية على مستوى وزراء الخارجية في
التاسع والعاشر من الجاري، واتخاذ قرار منه سواء بالموافقة على السماح لمندوب عن
مجلس الحكم بتمثيل العراق في المناقشات التي ستشهدها الدورة، أو خلاف ذلك.
ويناقش وزراء الخارجية خلال اجتماعهم غير
الرسمي احتمالات خمسة، وفق ما تشير المعلومات المتوافرة نتيجة الاتصالات المكثفة
التي جرت، ولا تزال، بين دول مجلس الجامعة وهي:
أولا: أن توضع أمام المقعد العراقي لوحة تحمل
اسم العراق، وبالتالي يكون ممثل مجلس الحكم ممثلاً للعراق في هذه الدورة، وهذا ما
تطالب به الولايات المتحدة الأميركية.
ثانيا: أن توضع لوحة تحمل اسم مجلس الحكم
العراقي المؤقت، وأن يشارك ممثل هذا المجلس في الاجتماع وبالتالي في مناقشة مختلف
المواضيع المطروحة على بساط البحث وفق جدول أعمال الدورة.
الاحتمال الثالث: أن يشارك ممثل مجلس الحكم
في النقاشات المتعلقة بالعراق فقط.
الرابع: ان يجلس في المقاعد الخلفية، بصفة
مراقب، ويستمع الى المناقشات دون ان يشارك فيها.
الخامس: أن يبقى خارج قاعة الاجتماعات،
ويكتفي فقط بإجراء الاتصالات مع سائر الوفود العربية بدون استثناء، دون إضفاء طابع
الشرعية على حركته.
هذه الاحتمالات تخضع حاليا لمعايير دقيقة،
فهناك الضغوط الأميركية المباشرة على العديد من الدول العربية، بينها لبنان، حيث
طلب السفير فنسنت باتل، علنا، من وزارة الخارجية والمغتربين الاعتراف رسميا بهذا
المجلس، وشرعية تمثيله للعراقيين. وهناك تضارب المواقف بين كل دولة وأخرى، حيث
أعلن البعض مثل الأردن مثلا، اعترافه بشرعية هذا المجلس، فيما طالبت دول اخرى، مثل
مصر، بخلاف ذلك، وهذا ما أكّده وزير الخارجية أحمد ماهر عندما استقبل وفدا من
المجلس في القاهرة، حيث أعلن أنه يستقبل وفدا من الشخصيات العراقية وليس من مجلس
الحكم العراقي.
وتأتي حكومة ال25وزيرا في العراق لتشكل نقلة
جديدة، لكونها جاءت وليدة هذا المجلس، فضلا عن انها موزعة طائفيا وعرقيا على
شاكلته، وقد سارع الأمين العام للجامعة عمرو موسى الى الترحيب قائلا: <<ان
أي تطور لتأكيد سلطة العراقيين في ادارة العراق يمثل خطوة في الطريق
الصحيح>>، الاّ ان هذا الموقف لا يعكس وجهة نظر جميع الدول الأعضاء في مجلس
الجامعة، وبالتالي لا يغيّر كثيرا من قواعد اللعبة السياسية المتبعة حتى الآن،
نظرا للالتباس الحاصل حتى على المستوى الدولي حيث يفتقر المجلس الى التغطية
الشرعية الدولية المؤاتية على الرغم من كل الضغوط الأميركية التي تمارس، والدليل
ان مجلس الأمن عندما استقبل الوفد العراقي لم يتعامل معه كممثل شرعي للعراق ولم
يرحب به على هذا الأساس، بل استقبله كشخصيات عراقية بصفة مراقب.
هذه المعطيات كانت مدار بحث بين وزير
الخارجية والمغتربين جان عبيد، ونظيره السوري فاروق الشرع في اتصال هاتفي تمّ
بينهما مؤخرا لتنسيق المواقف والخيارات في أعقاب الطلب الأميركي من جهة، وعدم
استقبال بيروت أو دمشق وفد مجلس الحكم الذي جاب العديد من الدول العربية في غضون
الأيام القليلة الماضية.
وكانت بيروت قد توقفت نتيجة تقويمها لما يجري
على هذا الصعيد أمام معطيات تتجاوز كل ما هو متداول الى الأبعاد القانونية
والسياسية، لأن التعاطي مع مجلس الحكم بدا في مرحلة من المراحل كأنه يجري بشكل
سطحي، أو على أساس عاطفي، عشائري، أو استنسابي، لذلك وجدت نفسها أمام أسئلة حرجة
لا بدّ من توفير الأجوبة المناسبة عنها قبل إبداء الموقف، لأن الأمر في النهاية
يتصل بمصير بلد عربي عضو في مجلس الجامعة، وأيضا في الجمعية العامة للأمم المتحدة.
من هذه الأسئلة: ان القرار 1500 الصادر عن
مجلس الأمن قد رحّب بقيام مجلس الحكم الانتقالي، لكنه لم يمحضه الصفة الشرعية
القانونية، وبقي السؤال اللغز: هل هذا الترحيب توطئة للأعتراف؟ وضمن أية شروط
ومواصفات؟ ثم إن الدول العربية الساعية الى إضفاء صفة التمثيل والشرعية على مجلس
الحكم يجب أن تجاهر قبل ذلك بالضمانات المتوافرة بين يديها، هل تملك ما يطمئنها
الى أن العراق هو فعلا على الطريق الصحيح الذي يقود الى الحرية والديموقراطية
والأمن والاستقرار، أم انها تنظر نظرة القلق الى واقعها الأمني والسياسي الداخلي
من خلال العراق، وترى أن الأولوية بالنسبة إليها هي التجاوب مع كل ما يطلب منها
أميركياً بشأن العراق دون أي تردد أو تساؤل لكي تبعد الكأس عنها، من خلال استدرار
عطف الأميركيين، وبالتالي الهروب من إملاءاتهم الى الأمام؟
أما الناحية الأكثر غموضا وإثارة، فتلك
المتعلقة بالموقف العربي المبدئي من الدور الأميركي في العراق واستطرادا في
المنطقة انطلاقا من الآتي: ان الدول العربية قد طالبت رسميا بانسحاب قوات الاحتلال
من العراق فورا، فعلت ذلك على مستوى مجلس التعاون الخليجي، ثم على مستوى الجامعة
العربية، فهل من المنطق أن <<تشرّع>> ما ينجزه الاحتلال في العراق،
وما يختاره، وينصبه حاكما مهما كانت الذرائع والحجج المقنعة، والأولويات؟
ثم ما موقف الدول العربية من الأمم المتحدة
ودورها في العراق؟ لا بل ما هو موقفها من الجهود التي تبذل على المستوى الدولي
سواء من فرنسا أو ألمانيا أو روسيا او غيرها من الدول الكبرى للعودة بالملف
العراقي الى كنف الشرعية الدولية بدلاً من تكريسه تحت هيمنة الاحتلال تحت شعار
بناء الديموقراطية في العراق؟
ان هذه الطائفة من الأسئلة وغيرها هي قيد
التداول، ولن يكون لبنان وحده مسؤولاً في إيجاد الأجوبة العلمية المقنعة عنها،
ولكن سيكون المسؤول في توفير ردّ قانوني دبلوماسي على الطلب الأميركي الذي سلّمه
السفير باتل الى مدير الشؤون السياسية في وزارة الخارجية السفير ناجي أبي عاصي،
وأكد من خلاله لماذا يمانع لبنان في الاعتراف بمجلس الحكم الانتقالي في العراق؟
ولماذا يتحفظ على آلية تعيينه، وعلى دوره؟ وكيف يتصور المخرج القانوني،
و<<الشرعي>> للخروج من النفق؟
إن الجواب اللبناني لن يصبح في موضع الجهوزية
التامة إلاّ بعد انتهاء أعمال الدورة العادية لمجلس جامعة الدول العربية في
القاهرة حيث سيتقرر المخرج والطريقة التي ستعتمد للتعاطي مع مجلس الحكم، وهل يمثل
أو لا يمثّل العراق؟ ووفق أي تصوّر؟