كيف نتعامل مع القانون الدولي؟

 

 

 

بقلم : د. ابراهيم علوش

 

لا تحتاج أمريكا أو الحركة الصهيونية دائماً إلى «الشرعية الدولية» لتحقيق مآربهما، ولكنهما تبدوان اليوم قادرتين على تجاوزها وشل تأثيرها عند كل منعطف تكاد تقف فيه حجر عثرة في سبيلهما. وبالرغم من ذلك، فإن أنصار «الشرعية الدولية» العرب يستنتجون من المرات التي تسخر فيها أمريكا أو «إسرائيل» القانون الدولي لخدمة أغراضهما أن مشكلة العرب السياسية تكمن في عجزهم عن لعب اللعبة القانونية والإعلامية الدولية جيداً!

 

والواقع هو أننا لا يعقل أن ننجح بتعديل ميزان القوى لمصلحتنا، في عالم تحكمه القوة المادية العسكرية والاقتصادية للطرف المهيمن الأمريكي-الصهيوني، من خلال إعلام عالمي وقانون دولي يشكلان بالضرورة بعض أدوات الطرف الأقوى في المعادلة. ففي مثل هذا العالم، تصبح القوة كل شيء، ويصبح الإعلام والقانون مجرد قناعين لها، ويصبح عجزنا عن كسب المعركة القانونية لاحقاً لعجزنا على الأرض، ويصبح تغيير ميزان القوى مرهوناً بقدرتنا على إنتاج قوة ردع محلية فاعلة بالاعتماد على مواردنا الذاتية أساساً ثم الحليفة.

 

وعندما نتمكن، وفقط عندما نتمكن، من إيجاد قوة الردع المحلية الفاعلة، فإننا يمكن أن نستفيد من القانون الدولي حيث يفيدنا، وحيث يفيدنا فقط، تماماً كما يفعل الطرف الأمريكي-الصهيوني.

 

على سبيل المثال، تحدت دولة العدو لأكثر من عشرين عاماً القرار 425 القاضي بانسحابها من جنوب لبنان (والقاضي أيضاً بحدود آمنة لدولة العدو)، فلم تفدنا «الشرعية الدولية» في ذلك شيئاً حتى تمكنت المقاومة اللبنانية من بناء قوة الردع المحلية الفاعلة القادرة على طرد الاحتلال. وعلى المستوى القانوني الدولي، لعبت قيادة حزب الله المعركة السياسية ببراعة عندما تغطت بقرار 425 دون أن تعلن تأييدها الصريح له، فهي لم تقل فلنطالب بتطبيق القرار 425 الذي يعترف بحق دولة العدو بالوجود لنغطي مقاومتنا بالقانون الدولي، ولكنها لم ترفضه صراحةً أيضاً، بل أصرت على حقها الجوهري بالمقاومة دون ربطه بالقانون الدولي وأعلنت في الوقت عينه رفضها الاعتراف بحق دولة العدو بالوجود.

 

ومن هنا نرى أن الاستفادة من أي ثغرات قانونية في جدار العدو تتطلب أن نجعل مرجعيتنا الأولى والأخيرة في العمل السياسي مصلحتنا كأمة وحقوقنا التاريخية المشروعة. فإن أيد القانون الدولي أي جزء منهما، كسب هو المصداقية في ذلك حيث يفعل، ولا تكتسب حقوقنا ومصالحنا المشروعية إذا توافقت مع ما يسمى القانون الدولي الناشئ عن موازين قوى عابرة، بل نعجز عن أن نفرض أي حقوق لنا، سواء أيدها أو عارضها القانون الدولي، دون امتلاك القوة العارية القادرة على دعم قوة الحجة بحجة القوة. وقد رأينا العراق يساير إلى الحد الأقصى وفي أدق التفاصيل القانون الدولي دون أن يفيده الأخير بشيء أو يمنعَ عنه عدواناً ينتهك أبسط قواعده. ولن يتحرر العراق من الاحتلال اليوم إلا بالقوة العارية للمقاومة العراقية الباسلة التي تحرم الاحتلال من الاستقرار وترفع كلفته بشكل متصاعد وتمنع القانون الدولي من تشريعه، وتفرض في النهاية مشروعية المقاومة دولياً.

 

ويتبع أننا يجب أن نستعد أتم الاستعداد لمقارعة أي قانون يتعدى على حقوقنا التاريخية. فعندما يعترف القانون الدولي بحق دولة العدو بالوجود أو يغطي اتفاقية أوسلو أو حصار العراق أكثر من اثنتي عشرة سنة أو يمهد للاعتراف بمجلس بريمر في العراق أو يخدم عامةً القطب المهيمن دولياً، فإننا يجب أن لا نتردد بتجاوزه بالقول والعمل. إذ ليست ثمة حكمة سياسية في المطالبة بما هو بداهةً ضد مصالحنا وحقوقنا، وما يتحول إلى قيد طويل المدى على عملنا السياسي وحقوقنا التاريخية إن أيدناه بحجة تحقيق مكاسب إعلامية مزعومة في الغرب هي بالتعريف قصيرة المدى، هذا إذا افترضنا ببلاهة أن فرحة الطرف الأمريكي-الصهيوني بإقرارنا بقواعد اللعبة كما يريدها هي فعلاً نصرٌ لنا.

 

والخلاصة أن معركتنا اليوم هي أولاً معركة الحفاظ على الثوابت على صعيد الفكر، وهي بالتوازي معركة بناء القوة المحلية الرادعة على صعيد العمل. أما تغيير القانون الدولي ليتوافق ومصالحنا المشروعة فمشروعٌ طويل المدى يرتبط بتغيير لميزان القوى الدولي لن نعجل بوقوعه إلا بتحقيق شروط قوتنا وبتمسكنا بحقوقنا بثبات. أما «إحراج» العدو دبلوماسياً بالاستسلام لقواعد لعبة الطرف المهيمن فهو الذي ينم عن نقص كامل في الحكمة السياسية.