دروس نوح فريدمان للأنظمة الحاكمة
في التعاطي مع الإسلاميين:
إسلام لا يتعارض مع الديمقراطية وإسلاميون لا يعارضون
المصالح الأمريكية
بقلم :منتصر حمادة
بشري سارة لحركات الإسلام السياسي، فقد أفرزت
مؤسسة خزان الأفكار الأمريكية (Think
Tank) قلما جديدا يخدم مصالح الحركات الإسلامية التي تتبني خيار
الانخراط في العمل السياسي، ولهذا السبب تحدثنا عن حركات الإسلام السياسي،
والتأكيد هنا علي الحركات الإسلامية التي تسعي أو انخرطت في العمل السياسي الشرعي،
وليس الحركات الإسلامية الدعوية أو الجهادية. وشتان ما بين مقاصد ومآلات هذه
التوجهات الثلاثة.
إحياء طروحات جون إسبوزيتو
نوح فيلدمان (Noah Feldman) هو أستاذ مساعد في
مادة القانون في جامعة نيويورك، حصل علي درجة الدكتوراه في الفكر الإسلامي من
جامعة أكسفورد البريطانية، ودرس اللغة العربية منذ أن كان عمره 15 عاما، ويسهر
اليوم علي إعادة إنتاج طروحات جون إسبوزيتو، الباحث الأمريكي الأكثر موضوعية في
التعاطي مع ظاهرة الحركات الإسلامية.
وهو الأكاديمي (واليهودي الأرثوذكسي المحافظ)
الذي كلفته إدارة الرئيس الأمريكي جورج بوش بإعداد مسودة الدستور لعراق ما بعد
صدام حسين، وهي المبادرة التي وصفها إدوارد سعيد ب إهانة صريحة ليس للعراق فقط بل
وللألوف من القانونيين العرب والمسلمين . لكن، ما الذي يقف وراء الترويج الإعلامي
والأكاديمي لطروحات فيلدمان تتعارض بشكل كبير مع صقور إدارة أمريكية سبق لأحد
رموزها من المحسوبين علي مجلس الأمن القومي الأمريكي أن صرح منذ بضع سنوات فقط بأن
الإدارة الأمريكية تعلم أن هناك جماعات إسلامية معتدلة في دول عربية هي جماعة
الإخوان المسلمين. ولكنها تعلم أن السماح لهذه الجماعة العمل والنشاط والمشاركة في
انتخابات نزيهة سيؤدي إلي فوزها بالأغلبية ووصولها إلي السلطة وسعيها لإقامة حكم
إسلامي ومن أجل هذا فنحن ضد أي انتخابات حرة في المنطقة وضد وصول الإخوان للسلطة !
من خلال كتاب ما بعد الجهاد: أمريكا والصراع
من أجل الديمقراطية الإسلامية ، يركز فيلدمان كثيرا علي ما يصفه ب الإسلام الحداثي
والسياسي، في إيران، تركيا، إندونيسيا ، قبل العروج المفصل علي الحالة السعودية،
الأردن المغرب، مصر، العراق وليبيا. ويمكن اختزال طروحات عراب إدماج الإسلاميين في
اللعبة السياسية في الفقرة التالية: ينبغي علي الحكومات الأمريكية أن تدفع بخيار
الإسلاميين المعتدلين وأن تسمح للأحزاب السياسية الإسلامية أن تخوض انتخابات حرة،
تستحق تجربة الديمقراطية الإسلامية أن تعطي فرصة، وفي الحقيقة فإن الإسلاميين
الديمقراطيين هم افضل أمل في مستقبل العالم الاسلامي، وهم يستحقون إعجابنا ودعمنا
!
أكثر من هذا، يذهب فيلدمان إلي أن الإسلاميين
إذا أعلنوا عن قيام الدولة الإسلامية بعد وصولهم إلي السلطة، فإن هذه الدولة ستكون
أكثر ديمقراطية من الأنظمة القائمة ، وبالطبع، لا يعرج الكاتب بالتفصيل الممل علي
تداعيات إمساك الإسلاميين بزمام الحكم في النماذج الإيرانية والسودانية
والأفغانية، فليس هذا زمن تصفية الحسابات مع إيديولوجيات أصولية يرغب البيت الأبيض
في استغلال وجودها السياسي الشرعي ـ بعد الإدماج ـ خدمة لأغراض الإدارة الأمريكية
بالدرجة الأولي، ويتضح هذا المعطي من صراحة فيلدمان نفسه:
ـ فهر يقر بأن الحركات الإسلامية تبقي أهم
جمعيات المجتمع المدني، وبالتالي وجب التعاون معها، لأنها الحليف الموضوعي
مستقبلا.
ـ ويقر علي الخصوص بدروس إسلاميي النموذج
التركي، ومرة أخري، لا يدقق فيلدمان كثيرا في مزالق هذا النموذج، والبعيدة ـ هذه
المرة ـ عن مزالق الأصولية الإسلامية، من منطلق أن الأمر يتعلق بنموذج تبقي أوراق
اللعبة السياسية فيه بين أيدي المؤسسة العسكرية الحاكمة، بتحالف موضوعي مع الإدارة
الأمريكية (وصل إلي حد تأييد مجازر ارتكبت في حق الأكراد الأتراك)
شرعنة ترتيبات ما بعد الحرب
بحسب قراءة متأنية للباحث الأردني حسين
جلعاد، ينبغي التعامل مع طروحات فيلدمان علي أساس أنها الوجه القانوني والسياسي
لترتيبات ما بعد الحرب .. وإن كانت تبدو تصالحية وتشاركية مع الفكر الإسلامي
وحركاته السياسية وذلك بالنظر إلي ما يسيطر علي عقليات أصحاب القرار والإعلام من
عدائية تجاه الحركات الإسلامية ومفكريها . وبرأي نفس المحلل، واعتمادا علي ما صدر
عن باحثين ومراقبين، فإن واحدة من أهم المفاجآت التي صدمت الولايات المتحدة
الأمريكية في عراق ما بعد الحرب هو النهوض القوي لسيطرة رجال الدين وخصوصاً ملالي
الشيعة ، حيث سارع رجال الدين في بغداد وجنوب العراق إلي ملء الفراغ الناشئ عن
سقوط السلطة المركزية، إضافة إلي قيادات سنية مثل أحمد الكبيسي، وذلك في الوقت
الذي بدت فيه القوات الأمريكية قد فشلت بملء الفراغ ذاك وتحقيق أمن السكان
المدنيين، وحسب ما كتب ترودي روبين في صحيفة ميركوري نيوز الأمريكية، فإن أغلب
الأحزاب السياسية هناك هي أحزاب دينية منظمة، رغم وجود أصوات علمانية قليلة .
(حسين جلعاد. يهودي محافظ يضع الدستور العراقي الجديد لأحفاد حمورابي. القدس
العربي عدد 10/6/2003)
نأمل صادقين أن تجسد هذه الخلفيات الأسباب
الحقيقية التي تقف وراء ترويج فيلدمان ومن معه لطروحات إدماج الإسلاميين في اللعبة
السياسية، علي الأقل، نجد أنفسنا أمام قراءات ميكيافيلية تأخذ بعين الاعتبار ثقل
الحركات الإسلامية في الوطن العربي والعالم الإسلامي، باعتبارها أهم الحركات
الاحتجاجية ضد المؤسسات الحاكمة. ونحسب أن تطبيق هذه المؤسسات لنصائح فيلدمان، ومن
قبله إسبوزيتو وفرانسوا بورغا ومجموعة كبيرة من الأقلام الأوروبية والأمريكية، سوف
يساعدها من التسريع بالإعلان عن نهاية المشروع الحركي الإسلامي، نقصد نهاية حركات
الإسلام السياسي وليس الحركات الإسلامية: إن انخراط الحركة الإسلامية ـ لا يهم أن
تكون دعوية، جهادية أو سياسية ـ ينذر بنهاية مشروعها الإصلاحي . ليست هذه النتيجة
تجنيا من كاتب هذه الكلمات علي أبرز الحركات الاحتجاجية في العالم الإسلامي برمته،
ولكنها ترجمة علمية لما شهدناه، وما نشاهده اليوم يتم باسم الإسلام، وبالتحديد من
قبل الحركات الإسلامية التي انخرطت في اللعبة السياسية، ونحن نبرئ بطبيعة الحال
الحركات الدعوية والجهادية. الأولي لا تريد تلطيخ مشروعها باستحقاقات ساس ويسوس
والثانية ارتأت القفز علي الجميع وتبني الخيار الدموي، اتجاه الجميع، وفي مقدمتهم
الإدارة الأمريكية.
فرض الديمقراطية ولو بالقوة
من باب الإنصاف، بحسب قراءة الصحفي المختفي
رضا هلال ـ ومن باب التجني علي العديد من المقدمات الفكرية المتصادمة ـ أن نشيد
بإقرار فيلدمان بأن الإسلام والديمقراطية غير متناقضين!! (رضا هلال: مأزق
الديمقراطية في العالم العربي . عرض موجز في كتاب ما بعد الجهاد: أمريكا والصراع
من أجل الديمقراطية الإسلامية لنوح فيلدمان. يومية الأهرام العربي ـ عدد
7/8/2003).
لن نستشهد بالذي يصدر عن إسلاميين متشددين
يكفرون الديمقراطية انطلاقا من اجتهادات تنطلق من النص الديني، ولا بالذي يصدر عن
بعض الإسلاميين المعتدلين ممن يقرون بما ذهب إليه فيلدمان، فبعض الإسلاميين
المعتدلين ممن أورد اسمهم مريد إسبوزيتو، أفتوا بتكفير مخالفيهم، وإن كان رضا هلال
قد ارتأي عدم ذكر أسماء هؤلاء، فحري بنا الإشارة إلي بعض منهم، ويتقدمهم أستاذ
القانون الإسلامي في الولايات المتحدة خالد أبو الفضل، راشد الغنوشي زعيم حزب
النهضة الإسلامي المحظور، الشيخ يوسف القرضاوي، الكاتب الصحفي فهمي هويدي، والمفكر
الإيراني عبد الكريم سوروش.
وحسب ما تشير إليه أدبيات هذه الأسماء، فثمة
تأييد ضمني وعلني لمنظومة الديمقراطية، ولو اقتصرنا فقط علي حالة فضيلة الشيخ يوسف
القرضاوي، علي سبيل المثال، فنجد أن إشادته بالديمقراطية، وصلت ـ في الحالة
المغربية ـ إلي حد إصدار محمد الفيزازي (المحكوم عليه بالمؤبد خلال محاكمات
السلفية الجهادية ) لوثيقة يرد فيها علي طروحات الشيخ القرضاوي بخصوص الديمقراطية.
يصف فيلدمان هذه الأسماء، وكل الإسلاميين
الذين يؤمنون باللعبة الديمقراطية ب الإسلاميين الديمقراطيين ، وبالنتيجة، يطالب
الولايات المتحدة الأمريكية بأن تدفع بخيار الإسلاميين المعتدلين وأن تسمح للأحزاب
السياسية الإسلامية بأن تخوض انتخابات حرة، بل ويدعو إلي فرض الديمقراطية ولو كانت
الديمقراطية الإسلامية كما يسميها بالقوة، ولو بالقوة العسكرية!!
فيلدمان هذا الذي يطالب بفرض الديمقراطية علي
العالم العربي والإسلامي بالقوة، هو نفس فيلدمان الذي يتهم الولايات المتحدة
بخيانة مبادئها عندما تقترف خطأ كبيراً عبر تحالفها مع الحكام المستبدين في
المنطقة، داعيا الإدارة الأمريكية إلي تشجيع تغيير حتمي في تبني خيار الإسلاميين،
لأن ذلك من صلب اهتمامات ومصالح الولايات المتحدة نفسها .
كرامر يرد علي فيلدمان
من بين أهم الردود التي صدرت عما حرره مؤدلج
دستور عراق ما بعد صدام، نجد مقالا لمارتن كرامر من جامعة جورج تاون، وحرره بعد
مرور شهر بالضبط علي سقوط بغداد بين أيدي القوات الأمريكية، ومارتن كرامر للتذكير
معروف عنه التتلمذ الإيديولوجي علي أدبيات عراب المستشرقين الأكبر: برنارد لويس،
ومعروف عنه علي الخصوص تبني رؤية اختزالية ونمطية في تفسير ظاهرة الحركات
الإسلامية (أو الأصولية الإسلامية)، بمعني آخر، نجده لا يفرق بين الحركات الإسلامي
الدعوية، أو الجهادية، أو تلك التي تبنت خيار الانخراط في اللعبة السياسية، متخلية
بالتالي عن الفكر الجهادي، ومتخلية أيضا عن الدعوة والتربية والأخلاق، كتحصيل حاصل
يمس أي حركة إسلامية تطرق باب الانتهازية السياسية والواقعية السياسية وتلقي أوامر
السلطة.. الخ، وهذا ما يشير إليه كل من إسبوزيتو وفيلدمان، عندما يقران من جهة بأن
عقد الثمانينات شهد تراجعا في أعمال العنف الصادر عن الجماعات الإسلامية ، أما
العقد الموالي، فيشهد تحالفا بين إسلاميين وإيديولوجيات منافسة حول سدة الحكم .
محق مارتن كرامر للغاية في معرض رده علي
إسبوزيتر وفيلدمان، من كون ما يطالبنه به يحومه الكثير من الشكوك، مستشهدا بمواقف
الإسلاميين المعتدلين الذين رفضوا التنديد بأحداث الثلاثاء الأسود، بل، ومؤكدا علي
تصاعد حدة العنف الإسلامي الحركي بسبب هذا التأييد الضمني للإسلاميين المعتدلين
الموجه للإسلاميين المتشددين، بمعني أن المعتدلين يتحملون جزءا من المسؤولية
المعنوية في أي أحداث عنف صادرة عن إسلاميين متشددين، ماداموا يصرون علي عدم
التنديد بتلك الأعمال.
الحال أن عدم تنديد بعض الإسلاميين المعتدلين
بأعمال العنف والإرهاب، مرده التأييد الضمني لتلك الأعمال، وهو تأييد نجد قابلية
له لدي الرأي العام في الوطن العربي والعالم الإسلامي، وبالنسبة للإسلاميين الذين
أعلنوا عن تأييدهم لمثل هذه الأعمال، فهم ببساطة امتلكوا الشجاعة العلمية للإقرار
بما يؤمنون به، بصرف النظر عن التبعات الأمنية المصاحبة لصدور هذه الاعترافات.
وإذا صحت هذه الافتراضات، فتصح بالتالي شكوك
كرامر بخصوص إصرار الإسلاميين المعتدلين علي عدم تأييد أحداث العنف والإرهاب، ومعه
التشكيك في جوهر ما يدعو إليه فيلدمان: هل يمكن للإسلاميين أن يتعايشوا مع
الديمقراطية، حتي لا نعقد الأمور أكثر ونتساءل بالعربي الإسلامي الفصيح: هل يمكن
للإسلام أن يتعايش مع الديمقراطية!!
مريض هو العقل الإسلامي المعاصر، ووجود ظاهرة
الحركات الإسلامية هو أكبر دليل علي جسامة المرض الذي نعاني منه أجمعين.