أليس المحتلون لصوصاً حقاً؟!

 

 

 

بقلم : عبد الرحمان مجيد الربيعي

 

رغم ان شرّ البلية ما يضحك الا انني لم استطع مقاومة اغراء هذا الخبر ـ رغم انه صيغ بجدية ومن ناطق رسمي دنماركي ـ لأنني وجدته يشكل نكتة تستحق ان نطلق سراح حناجرنا مانحينها فرصة القهقهة ولأبتدئ به كمدخل لموضوعي هذا.

جاء في الخبر الذي اذاعته احدي المحطات التلفزية الدنماركية بأن الجندي الدنماركي الذي قتل اخيرا في العراق سقط بنيران رفاقه الذين ظنوا انه لص.

انتهي الخبر، والسؤال هنا أليس هذا الجندي الدنماركي لصا فعلا؟

نعم، انه لص، وكذلك كل الجنود الذين جاؤوا الي ارض الرافدين الطاهرة عاصمة اكبر الخلافات العربية الاسلامية، يوم كان هارون الرشيد يخاطب الغيوم المرتحلة بعيدا بقوله: أينما امطرت فان خراجك سوف يأتي الي بغداد.

كانت تلك امبراطورية عدل وحق وليست امبراطورية شر وكراهية مثل الامبراطورية الامريكية، ولا وجه للمقارنة اطلاقا مع اختلاف الزمن.

في خطاب اخير له ألقاه امام عدد من قدماء المحاربين قال السيد بوش الابن معلقا علي ما يقوم به المقاومون العراقيون ضد قواته بأنهم (قتلوا امريكيين ابرياء وبذا اعلنوا حربا علي العالم المتحضر).

والسؤال هو: كيف يمكن ان توصف قوات اعترفت دولتهم بأنهم قوات احتلال وفي قرار أممي ـ رغم ان القرار الأممي لا يعني شيئا لهم ـ بأن افرادها امريكيون ابرياء؟

هل هم ابرياء حقا؟ أم انهم موغلون في الجريمة الي أبعد حد؟ ما الذي جاء بهم الي العراق؟ وماذا يفعلون؟ وماذا يتوقعون غير القتل جوابا علي اجتياحهم البربري لبلد عظيم؟!

والجواب هو انهم لا علاقة لهم بالبراءة، بل هم الحقد العنصري الأعمي يرتدي بزة عسكرية ويحمل اكثر الاسلحة فتكا، ويده مطلقة في ان يقتل وينهب ويغتصب ويفعل ما شاء دون ان يخشي محاسبة من أحد؟

ثم هل يسمي بـ(المتحضر) العالم الذي يصدّر الموت والاحتلال والمداهمات وأخذ الابرياء من بيوتهم وشد وثاقهم بشكل مهين والقائهم علي وجوههم لتتعفر في التراب والوحل، وفوق هذا تنزل الاحذية العسكرية الغازية لتطأ هذه الرؤوس العامرة بالكبرياء؟! ولكن ما باليد حيلة ـ كما يقال ـ.

ان من يغزو بلدا آخر عريقا في حضارته ويدمر كل ما عليه بدءا من الكتاب وحتي المتحف والاجهاز علي مقومات دولة قامت علي ارضها حضارات عمرها يزيد علي السبعة آلاف سنة هو أبعد ما يكون عن التحضر بل هو بهيمي، همجي، متخلف، يرتكب إثما لن يغفر له ابدا، ليس من العراقيين فقط بل ومن البشرية المتحضرة فعلا جمعاء! ولذا لم استغرب عندما أتي الرد علي السيد بوش الابن من أحد اعضاء الكونغرس الذي وصف خطابه بأنه (غطاء مزيف لمواقع غاية في السوء)!

وان يعلق عضو آخر معترفا بأن القوات الامريكية التي احتلت العراق تمعن في اذلال الشعب العراقي وبذا تنشأ المقاومة لها وبشكل متسارع.

انهم في ورطة، لم يفكروا بعيدا رغم ان لديهم مراكز ابحاث وخبراء استراتيجيين، واعتمدوا كما يبدو علي المعلومات التي زودهم بها عملاؤهم واتباعهم من عراقيين لم يروا العراق وبعضهم غادره في العاشرة وعاد اليه شيخا في الستين. حتي بريطانيا حليفتهم التي استعمرت المنطقة سنوات طويلة مهدت لدخولها بارسال مستعربين ومستكشفين أمضوا سنوات في المنطقة درسوا فيها كل شيء من الجغرافيا الي العادات والتقاليد والتركيبات السياسية والعرقية والطائفية اضافة الي اللغة وبلهجات المنطقة من بدوية وحضرية، وما زال مثال لورنس العرب صاحب كتاب (اعمدة الحكمة السبعة) عن المنطقة العربية حاضرا في الاذهان، والكتاب يقرأ حتي يومنا هذا رغم ان ما فيه من غايات لا يخفي علي القارئ.

أما الامريكان فظنوا الأمر تمثيل فيلم (كاوبوي) أو أحد افلام (الأكشن) أو سلسلة (رامبو) الي آخر صرعاتهم. فاذا بالواقع جحيم افقدهم الصواب.

ان السيد بوش الابن بخطابه الذي اشرت اليه أراد ان يبعد الكاميرا ـ لأستعمل اللغة السينمائية التي تجيدها بلاده ـ عن مسرح الجريمة الأكثر كارثية هناك فوق ثري فلسطين العزيزة.

فكيف تنقلب هناك المعادلات؟ وتُحرّف الصفات؟ فيصبح من يدافع عن ارضه وعرضه وتاريخه وشرفه ومعتقده ارهابيا؟

وكيف يصبح المحتل القاتل مدافعا عن نفسه ومواطنيه؟ كيف يوصف مجرم زنخ، وسخ، مثل شارون (رجل سلام) وفق منطق السيد بوش الابن؟

وكيف يسوّغ الامريكان لأنفسهم وصف ضرب سيارة تقل مسؤولا سياسيا مدنيا مع مرافقيه هو المرحوم المهندس اسماعيل ابو شنب بخمسة صواريخ من طائرة ف 26 وسط اكثر احياء غزة المحتلة اكتظاظا بأنه دفاع عن النفس؟ (مع ملاحظة ان الطائرة وصواريخها من صنع امريكي وهدية بلا مقابل لجيش الاحتلال الذي ما زالت تسكنه روح العصابة وعقلية الغيتو).

انها اللغة الواحدة التي يتكلم بها المحتلون سواء كانوا في فلسطين العربية المحتلة أو في العراق، وكيف ان الخطاب الصهيوني قد سيطر حتي علي أدبيات السياسة الامريكية فيصف السيد بوش الابن حرائق الغابات في امريكا نتيجة لارتفاع درجة الحرارة بأنها شبيهة بـ(الهولوكوست)؟ ألم يجد وصفا غير هذا؟

ويبدو ان الامريكان قد استعانوا بالخبرة الصهيونية لا في عمليات المداهمات للبيوت والقري العراقية فقط بل في تجريف الاراضي الزراعية واقتلاع الاشجار المعمرة وغابات النخيل بحجة انها تخفي الارهابيين ـ وفق القاموس الصهيو امريكي ـ الذي يستعملونه في فلسطين والعراق.

والصهاينة متحمسون في تصدير تجربتهم لقوات الاحتلال الامريكي رغم ان هذه التجربة لم تثبت فاعليتها ولم تستطع ايقاف المقاومة حتي ضمن مساحة ارضية صغيرة هي قطاع غزة (المقطع) والضفة الغربية المليئة بالحواجز!

فمهما قيل وكتب عن تحرير العراق ونشر الديمقراطية فان ما يثبت علي ارض الواقع هو ان الكيان الصهيوني هو المنتفع الوحيد من تدمير العراق!

ورغم تصريحات رئيس مجلس بريمر (الأبجدي) في القاهرة بأن لا علاقات ستقام مع (اسرائيل) فان اذاعة لندن بثت لقاء ومن بغداد في اليوم نفسه مع جنرال صهيوني من الموساد ـ يتكلم العربية ـ وهو يتحدث عن افتتاح فرع لمعهد نمري الاسرائيلي برئاسته، ويذكر انه تقاعد من الموساد قبل سبع سنوات. ومعهده لدراسة التوجهات الصحافية والإعلامية وكأن في العراق اليوم صحافة وإعلاما وسط فوضي اصدار المطبوعات التي يتباهي الامريكان بعددها رغم انها لا تبيع إلا بضع نسخ وخاضعة لأقسي التعليمات والمحرمات وأولها عدم مواجهة الاحتلال أو الاشارة لعمليات المقاومة، فعن ماذا يكتبون؟

ولا يدري الرئيس (الابجدي) لمجلس بريمر الذي ستفرضه امريكا علي العرب ـ كما يبدو ـ وسيذعنون للأمر مضطرين لا مقتنعين ـ ومن أين له ان يدري؟ ـ بأمر افتتاح هذا المعهد الاستخباري في قلب بغداد ـ ومن كان يتصور هذا؟! بغداد الحصينة تستباح لهذا الحد الذي يفوق التصور؟! كما انه لا يدري بأن وزير البني التحتية الاسرائيلي سيغادر لأمريكا من أجل تفعيل خط انبوب النفط بين كركوك وحيفا المحتلة، هذا الخط المغلق منذ قيام الكيان الصهيوني عام 8491!

وربما لا يدري ايضا اعضاء مجلس بريمر ان اكثر من اربعمئة فتاة اختطفت من بغداد وحدها في الآونة الاخيرة، وان العراق المستباح صار مستقرا للعصابات والمهربين وعتاة القتلة والمجرمين بحيث لم يعد أي مواطن شريف يأمن علي سلامته واسرته هذا عدا انتشار الجوع والبطالة والأوبئة.

هذا هو (التحرير) وهذه هي (ديمقراطية) امريكا الموعودة بحيث لم تستطع رغم كل ما لديها من قوات واسلحة مدمرة ان تدرب رجال الشرطة التابعين لها إلا في (المجر)!

وسأردد كلمتي الأثيرة ختاما: والآتي أعظم وأمر وأدهي.