الأحداث المتسارعة علي الساحة الشرق أوسطية
في الاسبوعين الماضيين لا تترك مجالا اطلاقا للتفائل حتي لدي اؤلئك المفرطين في
توقعاتهم المتفائلة بدأ من الساحة العراقية وانتهاءا بشقيقتها الفلسطينية. فسياسة
القبضة الحديدية التي تمارسها قوي الاحتلال لتمرير سياساتها وتحقيق اهدافها هي
ابعد ما تكون عن مصالح شعوب المنطقة. دعوي اشاعة الديموقراطية والرخاء الاقتصادي
اللواتي بشر بهما دعادة الحرب وسفك الدماء لتبرير سياساتهم المناقضة لأبسط قواعد
القانون الدولي ومباديء الديموقراطية التي تشدق بهما كل من "بوش" وتابعه
"بلير" ومن لف لفيفهم في معرض تبريرهم لشن هذه الحرب، بدأت تؤتي اؤكلها
فقرا وخرابا وفوضي عارمة لا يعرف مداهما ولم تسلم منهما حتي الساحة الداخلية لدعاة
هذه الحرب. فشعوب العالم وقوي السلام العالمية والحكومات التي عبرت عن ارآء شعوبها
لم تكن تضرب في الرمل عندما حذرت من التبعات التي نشاهدها حاليا والتي تثير شعورا
عميقا من عدم الاستقرار بكل المقاييس. المنطقة الشرق اوسطية لم تكن بحاجة الي حروب
تمزقها من جديد بقدر ما كانت بحاجة الي رؤويا سياسية واقتصادية ذات بعد انساني
ترفع المظالم عن شعوب المنطقة التي ترزح تحت نير الاحتلال او تمزقها كماشة الفقر
وانعدام الأمل في مستقبل واعد لأجيالها القادمة. ما نراه الآن هو حمام من الدم
ومستقبل لا يحمل في طياته ادني امل في تحقيق ما ذهبت اليه قوي الحرب والعدوان.
فالساحة العراقية حبلي بالمفاجئات ويوميا
تتوارد الأخبار عن حالة المقاومة التي يواجه بها العراقيون القوي التي ادعت حرصها
علي تحريره من نير النظام السابق واشاعة الديموقراطية وتحقيق الرخاء الاقتصادي.
الوضع الداخلي بدأ يتململ ويتجه اتجاهات لا تبشر بعراق مستقر موحد ولكل مواطنيه
بغض النظر عن انتماءاتهم السياسية او العرقية. التوزيع المحتمل للحقائب الوزارية
يحمل للأسف هذا الطابع علي مايبدو. احداث العنف الأخيرة والتي تجسدت في محاولة
اغتيال "السيستاني" لا تنذر بالخير الكثيرعلي المستوي الداخلي. الجدول
الزمني المطروح لاعادة متطلبات العيش الأساسية للمواطن العراقي البيسط كالماء
والكهرباء لا تشيع الكثير من الأمل.
مجلس الحكم العراقي الحالي لا يحظي بالشعبية
التي يجب ان يتمتع بها ولا تختلف نظرة الكثير من قطاعات الشعب العراقي اليه عن
نظرة الشعب الفلسطيني لحكومة محمود عباس "ابو مازن" الفلسطينية التي
جاءت تحت حراب قوات الاحتلال المطبقة علي رقاب الشعب الفلسطيني. وفي الحالتين
العراقية والفلسطينية لا يمكن التغاضي عن ان الشرعية الحقيقية للحكومات تأتي من
شعوبها وليس من قوي الاحتلال او من تلك القوي التي تسير في فلكها.
ما يشاهده المراقب ان هذه الحكومات تسعي
للحصول علي الشرعية خارج اوطانها اكثر مما هو الحال داخل هذه الأوطان. ولكن كيف
لها ان تحصل علي الدعم الشعبي وشبح الحروب الأهلية والطائفية يحوم في الأجواء وذلك
نتيجة محاولة هذه الحكومات متابعة اجندة ليست بالضرورة نابعة من الضرورات المحلية
المستندة علي الرأي الشعبي ومتطلبات المواطن العادي الذي فقد الأمل في حدوث اي
تغيير ينعكس علي ظروف حياته اليومية التي لا يمكن وصفها الا بالجحيم الذي يرافق
سعيه للحصول علي لقمة عيش كريمة لأبناءه.
ان اجندة قوات الاحتلال لا يمكن ان تتماشي مع
حالة الاحتلال الشاذة والغريبة التي تسعي للحصول علي الشرعية من خلال الخداع
والحصول علي الشرعية الدولية من خلال الابتزاز وحتي خداع شعوبها نفسها، مناقضة
بذلك ابسط قواعد النزاهه والديموقراطية التي تتشدق بها. ويبقي السؤال المطروح هل
يمكن الوثوق في هذه القوي التي تمارس الخداع والابتزاز؟ هل يمكن الوثوق بأنها
حريصة علي مصالح الشعوب التي احتلتها بالحديد والنار؟ ألم يحن الوقت لشعوب المنطقة
ان تمسك بزمام المبادرة وتسعي الي تحقيق مصالحها الحيوية اسوة بشعوب العالم قاطبة؟
ومهما تكن اللحظات الحالية سوداء يبقي الأمل
في التراث الحضاري العظيم لشعب العراق الذي وحد دائما كل ابناءه في بوتقة واحدة في
مواجهة التحديات والصعاب والكوارث التي ابتلي بها هذا الشعب الذي علم البشرية
الكتابة في الوقت الذي يفتقد فيه ابناءه في القرن الواحد والعشرين لأقلام الرصاص
ليخطوا بها مستقبلا واعدا.
نفس الأمل يحدوا الكثيرين الذين يتطلعون الي
الساحة الفلسطينية بأن لا ينزلق الوضع الي حالة الحرب الأهلية التي تدفع اليها
ادارة بوش وربيبتها حكومة شارون من خلال تحللها علنا جهارا نهارا من التزاماتها
ضمن ما سمي خطة "خارطة الطريق"و "التفاهمات" التي تم التوصل
اليها مع قوي المعارضة الفلسطينية ومن خلال ممارستها لارهاب الدولة المنقطع النظير
من خلال سياسة التصفيات والحصار التي تناقض ابسط حقوق الانسان والتي تقود في
المحصلة الي استمرار حمام الدم. ونعيد السؤال نفسه بداية ونهاية:
هل بدأت الكارثة في الشرق الأوسط؟