وحدانية السلطة .. !!
مع تصاعد عمليات الاغتيال التي تـنفذها حكومة
العدو الصهيوني ضد المجاهدين و المناضلين الفلسطينيين منذ إعلان الهدنة في 29
يونيو "حزيران" الماضي ، و التي جاءت عملية اغتيال القائد المجاهد الرمز
الشهيد المهندس إسماعيل أبو شنب ، و عمليات الاغتيال اليومية لخيرة أبناء شعبنا
المناضل من كوادر الفصائل الوطنية و الإسلامية المقاومة لتمثّل ذروة حرب التصفية
الصهيونية ضد الشعب الفلسطيني ، و لتؤكد مجددًا على أن العدو الصهيوني ماضٍ في
سياسته الإجرامية في تصفية قادة و كوادر الانتفاضة غير مكترث بما يسمى "وقف
إطلاق النار" ، و لا الدعوات إلى التهدئة ، أو حتى الهدنة ! . بل إن عمليات
الاغتيال تمت في الوقت الذي كان يستعد فيه "أشاوس" الأجهزة الأمنية
الفلسطينية لسحق انتفاضة شعبهم ، و تجريد هذا الشعب من آخر ورقة يقاتل بها ، و ذلك
من خلال ملاحقة و اعتقال كوادر الانتفاضة ! ..
و مع محاولة بعض "أبواق السلطة"
الذين ظهروا في الفضائيات و وسائل الإعلام منتفخي الأوداج يهدّدون و يعربدون بأنهم
لن يسمحوا بـ "حرب قبائل" مع (الإسرائيليين) ، و أنهم لن يتـنازلوا هذه
المرة عن "وحدانية السلطة" ، بعد عملية القدس التي نفّذها المجاهد
الاستشهادي البطل رائد عبد الحميد مسك ، و محاولاتهم المضنية لإلصاق تهمة الإرهاب
بمقاومة شعبهم ، و اعتبارها خارجة عن القانون ، استغل العدو تصريحاتهم لتصعيد عمليات
الاغتيال و التصفية ضد كل ما هو فلسطيني ! ..
و إذا كان مفهومـًا لدينا سلوك مجرم الحرب
"شارون" و حكومته الإرهابية الذي لا يخرج عن دائرة المتوقع من عدو لا
يعرف إلا لغة الإجرام و الوحشية و الإرهاب ، فإن غير المفهوم هو سلوك السلطة
الفلسطينية المتمثل بجملة من القرارات التي تهدف ليس للقضاء على الانتفاضة
المباركة فقط ، بل حتى لتركيع هذا الشعب من خلال حملة التجويع التي تمارس على
أيتام و أرامل و ثكالى و معوّقي الشعب الفلسطيني تحت شعار "وحدانية
السلطة" ! ..
هذا الشعار المسخ الذي ابتدعه "أزلام و
مخاتير السلطة" من رموز الفساد الذين عادوا من الباب الخلفي للثورة ، و ليس
في رصيدهم سوى الوجاهة و قربهم من صانعي القرار الفلسطيني ، و هدفهم من محاولاتهم
الممجوجة إرضاء الإدارة الأمريكية و العدو الصهيوني ! .
فقد أبى بعض المتـنفّذين في السلطة إلا أن
يضعوا أنفسهم في مربع واحد مع الاحتلال ، و أن يبرهنوا بالدليل الواضح أن قرارتهم
مشبوهة ، و إجراءاتهم محاطة بالشك و الريبة و أنها لا تأخذ في اعتبارها الحقوق و
لا حتى المشاعر الفلسطينية ..
إن المحاولات اليائسة التي تبذلها بعض
"أبواق السلطة" و في مقدمتها "كذاب السلطة" في تسويق و ترويج
إجراءات السلطة و التي كان آخرها تجميد حسابات الجمعيات الخيرية الإسلامية التي
تكفل آلاف الأيتام و المعاقين و الطلبة و الأسر الفلسطينية الفقيرة لهي خير دليل
على حالة الضعف التي تمر بها هذه السلطة جراء وجود "طحالب الفساد" فيها
...
إن أسوأ ما يمكن أن تفعله الضحية هو الاقتداء
بسلوك جلادها ، و مع ذلك فقد تمنّينا أن تقتدي الضحية الفلسطينية – و هم في هذه
الحالة بعض مسئولي السلطة - بجلادها (الإسرائيلي) ، و كيف استطاع هذا الجلاد أن
يقيم دولته ..
كم كنا نتمنى على هؤلاء المسؤولين المساهمة
في القضاء على مظاهر الرشوة و الفساد المستشري في الأجهزة الفلسطينية ، و على
الذين قايضوا الوطن بثراء الفاسدين و المفسدين ، و على طحالب الفساد ، و المتسلقين
، و الانتهازيين ، و الوصوليين ، و المنتفعين الذين احتلوا مناصب ليسوا أهلاً لها
، و اعتبروا أنفسهم فوق القانون ، و فوق الضوابط ، و فوق المساءلة ، و الحسابات ،
و القضاء على تضخم الجهاز البيروقراطي للسلطة ، و ازدياد حالات الترهل الإداري ، و
التضخم الوظيفي في مؤسسات السلطة ، و عجز السلطة عن إقامة المؤسسات المركزية ، و
إدارة المؤسسات القائمة إدارة حسنة ، و اتجار كبار المسؤولين في السلطة و احتكارهم
السلع الأساسية التي تمس قوت كلّ مواطن ، و القضاء على "المخاتير الجدد"
من الشخصيات الفلسطينية النافذة القريبة من صانعي القرار في السلطة ، و التي تعبث
بالمال العام دون رقيب أو حسيب ، مستغلين الشركات ذات رأس المال العام و وضع اليد
على أرباحها و جني الملايين من الدولارات ، و القضاء على "أغنياء
الحصار" الذين استفادوا من الحصار الذي فرضه العدو (الإسرائيلي) على الأراضي
الفلسطينية ، فأخذوا يتاجرون بدماء شعبنا ، و يحظون بدعم العدو ، و يستغلون
مناصبهم لاستغلال حاجة المواطنين الذين دفعتهم الحاجة لطلب تصريح زيارة للكيان
(الإسرائيلي) للعلاج في مستشفياتها أو العمل أو بطاقة الإقامة لتقديم الخدمات
مقابل مبالغ مادية ..
بدلاً من كل ذلك قامت السلطة بتجميد أرصدة
الجمعيات الخيرية التي تقدم المعونات الشهرية لآلاف الأطفال الأيتام و المعاقين و
المرضى و الطلبة المحتاجين تحت شعار "وحدانية السلطة" !! ..
و غاب عن أذهان الذين أصدروا هذا القرار
العجيب بأن أحد مقوّمات السلطة هو توفير حياة كريمة لأبناء شعبها ، لا أن تختـزل
الوطن في سجن كبير يفتقر إلى أبسط مقومات الحياة .
إن الخطوة التي أقدمت عليها السلطة
الفلسطينية بتجميد أرصدة الجمعيات الخيرية تحت تهديد الضغوط الأمريكية و
(الإسرائيلية) تعتبر خطأ استراتيجيـًا فادحـًا و كبيرًا ، رغم محاولة "منظّري
السلطة" تسويق هذه الخطوة على أنها "تكتيك" سياسي ذكي ، و مناورة
سياسية بارعة ، بل إن هذه الخطوة تذكّرنا بمنطق مؤتمر ميونيخ عام 1938م ، يوم
أقدمت حكومتا بريطانيا و فرنسا على التضحية بتشيكوسلوفاكيا من أجل تجنب الحرب مع
هتلر ، عاد يومها رئيس وزراء بريطانيا ، "نيفل تشمبرلين" إلى لندن ، و
أمام الجماهير الفرحة بالاتفاقية أعلن : "لقد وقّعنا اتفاقية السلم
لعصرنا" و في اليوم التالي وقف ونستون تشرشل في مجلس العموم و خاطب رئيس
الوزراء قائلاً : "لقد كان أمامك الخيار بين الشرف و الاستسلام ، و لقد اخترت
الاستسلام حتى تتجنّب الحرب ، و لكنك لن تواجه إلا الحرب" . بعد 9 أشهر من
ذلك اجتاحت القوات الألمانية بولندا ، و بدأت الحرب العالمية الثانية ..
و ها هي حكومة شارون الإرهابية تكافئ السلطة
مكافأة "مجزية" ، حيث أعلنت حربـًا مفتوحة و شرسة على الشعب الفلسطيني ،
من قتل يومي لقادة و كوادر الانتفاضة و تدمير للمنازل على رؤوس ساكنيها و حصار وصل
إلى حد التجويع للمدن و القرى و المخيمات ، و تمزيق أوصالها ، و مذابح وحشية راح
ضحيتها المئات من المواطنين الفلسطينيين بين شهيد و جريح و أسير ..
كنا نتمنّى من السلطة الفلسطينية أن تقوم
بمحاربة العملاء و الخونة الذين استباحوا المحرمات الفلسطينية ، و باعوا أنفسهم
للشيطان ، و شكّلوا الطابور الخامس الذي أحدث ثغرة واسعة في جدار الصمود الذي
شكلته انتفاضة الأقصى ..
فإذا كان مفهومـًا عجز أجهزة السلطة الأمنية
عن مقاومة طائرات الـ (F16)
و الأباتشي و التصدّي لها حينما تغتال المجاهدين و المناضلين ، فإنه ليس مفهومـًا
عجزها عن التصدّي للطابور الخامس من جيش العملاء الذي يسرح و يمرح أمام أسماعها و
أبصارها دون أن تحرّك ساكنـًا ، و التي لا تتم عمليات الاغتيال دون مساعدة منه ..
ينبغي على السلطة الفلسطينية إدراك أن حديث
رموزها و منظريها عقب كل عملية استشهادية عن "وحدانية السلطة" ، و أنها
هي المرجعية السياسية للشعب الفلسطيني ، و أنها لا تسمح بتعدّد السلطات لهو حديث
لا قيمة له ، و لا يسمن و لا يغني من جوع إذا لم تتحرك لحماية الشعب الفلسطيني و
فصائله المقاومة ، و إن صمتها بل و تواطؤ بعض أجهزتها الأمنية في عمليات الاغتيال
و التصفية لخيرة أبناء الشعب الفلسطيني هو الذي سيقوض مكانتها ، و يهزّ هيبتها
المزعومة ، و يجعلها في نظر الرأي العام الفلسطيني شريكـًا في جرائم الاحتلال ..
(لا يزال اتهام النائب الأسير حسام خضر
للأجهزة الأمنية الفلسطينية بالتواطؤ في عملية اغتيال شهداء نابلس الأربعة يوسف
السركجي و جاسر سمارو و كريم مفارجة و نسيم أبو الروس في 22 يناير 2002م ماثلاً
للعيان !) .
لقد أكّدنا مرارًا أن الخيار ليس بين إطلاق
الزناد و إشعال النار فورًا ، و بين الاستسلام أو التـنظير من أجل السلام و
الاستسلام ، و لكن الخيار الحقيقي هو أن يقنع الذين ما زالت في يدهم مقاليد الأمور
أن الاستسلام للعدو الصهيوني هو وحده المطروح ، و أن الرد على كلّ ذلك لا يكون إلا
بحسم خيارهم السياسي بالانحياز إلى جانب شعبهم الفلسطيني الذي اختار الانتفاضة و
المقاومة و الجهاد و الاستشهاد بديلاً عن عمليات التسوية السياسية .
إنه أحد قوانين التاريخ أيضـًا الذي طالما
سبق و أكّدنا عليه هو : أنه عندما يقع الاحتلال تسقط الشرعية الرسمية داخل الوطن و
تصبح الشرعية للمقاومة وحدها ، و مقاومة الشعب الفلسطيني للمحتل كانت و ستبقى حتى
النصر لا تقاس بحجمها الحالي ، و لا بظروفها الحالية ، و إنما تقاس بحجمها
المستقبلي و قدرتها على الاستمرار .
و من هنا فإن الذين يقاومون الاحتلال و
يرفضونه هم وحدهم المعبّرون عن الشرعية الوطنية .
كذلك ينبغي على السلطة إلغاء القرار الجائر
بتجميد حسابات الجمعيات الخيرية ، و محاسبة الذين أصدروا هذا القرار الضار
بقضيتـنا و شعبنا الصامد الصابر ، و البدء بخطوات عملية بملاحقة جادة للعملاء
الذين تـزداد أعدادهم في أوساط المجتمع الفلسطيني ، و تـنفيذ الأحكام القضائية
الصادرة بحقهم حتى تكون رادعـًا لغيرهم ، كما لا بد من "تطهير" الأجهزة
الأمنية من المشبوهين و المنحرفين ، الذين تـزكم روائح قصصهم الأنوف و باتوا
معروفين لدى القاصي و الداني .
فالشعب الفلسطيني صاحب التاريخ الطويل في
الجهاد و المقاومة لا يمكن أن يسلم بالولاء و الطاعة لمن يضع نفسه في خدمة
الاحتلال بحجة الحفاظ على سلطة وهمية أو مكتسبات لا أساس لها على أرض الواقع ...