من البديهي القول أن حكومة السيد محمود عباس
لم تكن تلبية للحاجة والمطلب الفلسطيني بقدر كونها تلبية للاشتراطات الخارجية،
وعندما تابعنا الأزمة التي رافقت تشكيل هذه الوزارة وما رافقها من تدخلات خارجية
ساورتنا العديد من التساؤلات حول دواعي تلك الأزمة والتي كادت تلغي تكليف أبا
مازن، هذه التساؤلات التي تعتبر مشروعة كون الأزمة لم تكن متعلقة بالبرنامج
السياسي المتوافق عليه من أطراف الأزمة، وإنما كان يتعلق بمن يكون أو لا يكون، ومن
لهذه الحقيبة أو تلك في الوزارة. مما جعل التساؤلات تتجه نحو الدور الذي ستقوم به
هذه الحكومة، هل هو الدور الملبي للحاجة الفلسطينية أم سيكون الاستجابة للضغوط
والاشتراطات الخارجية، التي أصبحت من الوضوح بحيث لا يمكن تأويلها فضلاً عن
إخفائها، هذه الاشتراطات القائمة على ضرورة إنهاء القضية الفلسطينية كقضية وطنية
وتحويلها لقضية إنسانية، عبر إنهاء كل العوامل التي تظهر البعد الوطني للقضية.
ورغم أن التأكيدات التي أعلنتها الحكومة
بالتزامها بالحاجة الفلسطينية وأنها ستعمل لإنهاء الاحتلال وكل ما ترتب عليه،
وأنها لن تتعامل مع الاشتراطات الخارجية ولن تستجيب لها، أشعرتنا ولو بالقليل من
الأمل، إلاّ أن هذا القليل سرعان ما بدأ يتلاشى يوماً بعد يوم، ومنذ بدأت هذه
الحكومة أعمالها، لتعود التساؤلات من جديد حول الدور الذي ستقوم به الحكومة، وهل
يمكن أن تنساق هذه الحكومة خلف المطالب الخارجية وتستجيب لها رغم تعهداتها لشعبها
بأنها لن تنجر لهذه الشروط، ورغم
الإجماع الفلسطيني على رفض هذه الإملاءات لتجاوزها الثوابت الفلسطينية، وهل ستعود
علينا الحكومة باسطوانة التبريرات القديمة، والشعارات الكبيرة لتبرر تنفيذها
للاشتراطات ؟ أم أنها ستنحاز لرغبة وحاجة شعبها وترفض الإملاءات لما فيها من
كارثية على الشعب الفلسطيني برمته؟.
ولأن هذه التساؤلات كانت وما زالت مشروعة حتى
بعد بدء الحكومة لعملها، فإن الحكم اليوم هو سلوك وأفعال الحكومة وليس الأقوال،
لذلك فإننا سننظر إلى الاشتراطات الخارجية التي تصب في تحقيق هدف إنهاء البعد
الوطني للقضية وتحويلها لمجرد قضية إنسانية، ونرى سلوك الحكومة بشأنها. وبدراسة
للاشتراطات فإننا نراها في ثلاثة محاور وهي محور المقاومة، ومحور حق العودة، ومحور
ما يرمز للمحورين السابقين من مؤسسات ورموز.
محور المقاومة
رغم ما بذلته الحكومة من جهد لتأويل ما طرحته
في برنامجها، وما جاء في خطاب العقبة، بشأن المقاومة وشرعيتها في محاولة لامتصاص
حالة الغضب التي سادت الشارع الفلسطيني بسببها، فإنها سرعان ما كشفت بسلوكها
وقراراتها حقيقة موقفها، ولعل جملة القرارات التي اتخذتها الحكومة في الأيام
الماضية تشير بوضوح لحقيقة توجهات الحكومة، وذلك رغم استخدامها لذات الاسطوانة
القديمة لتبرير خطواتها والتي يرفضها الشعب الفلسطيني اليوم كما رفضها سابقاً، فها
هي الحكومة تضيّق على المقاومة بأكثر من وسيلة، فهي تقرر منع رموز المقاومة عن
مخاطبة الإعلام (لم ينفذ بسبب التطورات على الأرض، خاصةً الاغتيالات)، وتُعمم
لعناصرها الأمنية منع عمليات الرد على العدوان الصهيوني وجرائمه، وملاحقة واعتقال
كل من يقوم يذلك، حتى أن الأمر وصل لدرجة إطلاق النار على مجموعة من المقاومين في
إحدى الحالات، ثم تُصدر أمراً بتجميد أرصدة العديد من المؤسسات الإسلامية الخيرية،
التي تُعنى بالفقراء والأيتام وأسر الشهداء والأسرى بحجة علاقتها بقوى المقاومة.
والأخطر من ذلك أننا أصبحنا نسمع التصريحات
التي تلوم حكومة الصهاينة لما تقوم به من جرائم، الأمر الذي من شأنه إعاقة تنفيذ
قرارات الحكومة ضد قوى المقاومة وهذا جاء على لسان أكثر من مسئول من الحكومة، بل
إن أحد الوزراء يتحدث عبر الجزيرة بأن لدى الحكومة الكثير الكثير لفعله في هذا
المجال.
محور حق العودة
إن ما تعانيه هذه القضية الرئيسية، من تهميش
متعمد في كل المشاريع المطروحة، وما عانته من عدم اهتمام من المستوى الرسمي منذ
بدء عملية التسوية، أصبح هو السمة لهذه القضية عند الحكومة، فمن برنامجها الذي ذكر
هذه القضية بضبابية تحت شعار الحل العادل والواقعي، وعدم ذكرها في العقبة،
وترحيلها إلى المرحلة النهائية في مشروع التسوية الجديد، إلى الصمت الرسمي التام
على ما صدر من بعض الفلسطينيين حول هذه القضية، رغم أنهم من المقربين وأحدهم يحتل
موقعاً رسمياً، فلم نسمع موقفاً للحكومة تجاه المبادرة التي أطلقت، بين ذلك
المسئول وبين رئيس الاستخبارات الصهيوني، والتي تسقط حق العودة نهائياً، ولم نلحظ
أي تحرك للحكومة باتجاه ما قام به هذا الشخص لجمع تواقيع من اللاجئين، مستخدماً
الترغيب والترهيب المبطن في أرجاء الوطن، كما إننا لم نسمع الحكومة ترد على ذلك
الاستطلاع الذي يدعي بأن 10% فقط من اللاجئين يريد العودة والباقي لا يريد هذا
الحق !!!..
أما المحور الثالث
والقائم على إبعاد ما من شأنه أن يرمز إلى
البعد التاريخي والوطني للقضية ويرتبط بالقضايا الرئيسية للقضية، كحق العودة
ومشروعية مقاومة الاحتلال حتى لو لم يكن فاعلاً، أو أبدى الاستعداد للقبول بمشاريع
التسوية، لأن من شأن ذلك أن يبقي الذاكرة التي لا يمكن شطبها.
وعلى هذا الصعيد نقتصر على مثالين اثنين من
سلوك الحكومة يتعلقان بالرئيس ياسر عرفات ومؤسسات منظمة التحرير ورموزها.
فعلى صعيد الرئيس عرفات،لم يعد خافياً تلك
المساعي الحثيثة لإنهاء أي دور له والمطالبات بتهميشه نهائياً ليصبح في أحسن
الأحوال رئيساً فخرياً مجرداً من أية صلاحيات . ومع علم الحكومة بهذا الأمر ووضعها
مسألة حرية الرئيس على سلم أولوياتها وإصرارها على أنه الرئيس المنتخب والشرعي،
وهو المرجعية للحكومة، إلاّ أنها في ذات الوقت تظهر في تعاملها مع الرئيس ما من
شأنه أن يزيد الضغوط عليه والاتهامات الموجهة له، فهي تصر على ما لا يريده الرئيس
ويصل بها الأمر لتهدد بالاستقالة إذا لم ينفذ ما تريد الأمر الذي من شأنه أن يظهر
الرئيس وكأنه يعيق عمل الحكومة، الأمر الذي يستخدمه الاحتلال والأمريكان كذريعة
لتهميش عرفات، وهذا واضح بجلاء منذ اليوم الأول للحكومة بخصوص تعيين وزير
للداخلية، والالتفاف على قرار م.ت.ف ومركزية فتح ، ثم ما تبع ذلك من الإصرار على
جعل الأجهزة الأمنية تحت إمرة الحكومة ورفض حتى فكرة إتباعها لمؤسسة تشرف عليها،
وهو ما يعني تجريد الرئيس من أي صلاحيةٍ عليها ، وهذا الأمر الذي أحدث الأزمة
الحالية …
أمّا بخصوص مؤسسات منظمة التحرير، فإننا كذلك
نرى تجاهل كامل لها على أكثر من صعيد ورغم عدم ظهور ذلك بجلاء كون هذه المؤسسات
أصبحت غير فاعلة، إلاّ أن قرار الحكومة الأخير القاضي باعتماد الوزير شعث بديلاً
للقدومي، في مؤسسات الجامعة العربية، فيه إشارة خطيرة وتحديداً إذا أدركنا أن
القدومي يمثل الدائرة الفاعلة ربما الوحيدة من مؤسسات المنظمة.
إن عملية تحييد هذه العناصر الثلاث من شأنه
أن ينهي القضية الفلسطينية بالشكل الذي يريده الاحتلال، مما يمهد الطريق أمامه
للمضي في مشروعه ، والتعامل مع الشعب الفلسطيني بلغة حسن النية المشروطة والغير
ملزمة بعدما يكون قد حوله إلى غريب في أرضه وجعله حبيس "كنتونات" منفصلة
بعضها عن بعض، يحتاج الفلسطيني إلى إجراءات كي يزور والده أو شقيقه في
"الكنتون" الآخر.
من هنا فإننا ننبه الحكومة إلي سلوكها هذا
الذي من شأنه أن يصب لصالح الكيان الصهيوني، ويتماشى مع أهدافه برغم عدم قصد
الحكومة لذلك ومهما كانت المبررات التي تساق لهذا السلوك، وعليه فإنني أدعوا
الحكومة لمراجعة قراراتها وخطواتها، مراعيةً ما ذكرنا لتصويب النهج وتعديل السلوك
بما يتلاءم مع المصلحة الفلسطينية العليا والتي لا يمكن أن تتحقق بمثل هذا السلوك،
كما نؤكد للحكومة بأن هذا السلوك إن أريد منه تحقيق إنجازات للشعب الفلسطيني فإن
التجارب أثبتت عكس ذلك بل ستجد الحكومة نفسها في موقف المثل القائل "أكلت يوم
أكل الثور الأبيض"، ولن يستمر إطراء اليوم في المستقبل.