واشنطن تقع في فخ قاتل وتسير في طريق مسدود

 

 

 

بقلم :سعيد صبري

 

بما أنّ إدارة الرئيس بوش ومجموعة المتطرفين من اليمين المتصهين الحاكم في البيت الأبيض والبنتاغون وسواهما، لم يفكّروا ولم يخططوا كثيراً قبل الإقدام على غزو العراق أو التعامل بشكل جدّي ومدروس وفاعل مع "خريطة الطريق" والضغط على شارون لتنفيذها فعلاً، فإنها تبدو اليوم وكأنها في فخ قاتل: لا تستطيع أن تحكم العراق ولا يمكنها أن تنسحب منه، ولا تستطيع أن تضغط على شارون ولا يمكنها أن تترك له حرية التصرف التي يمكن أن تشكّل تهديداً لوجودها في الشرق الوسط كله.

 

تسير أمريكا في الحالتين وبسرعة فائقة نحو طريق مسدود: أثبت تفجير مقر الأمم المتحدة في بغداد واغتيال مندوبها سيرجيو دي ميلو، أن ثمة قوة عراقية منظمة تقاتل في العراق، بغض النظر عن شعارات هذا القتال ومضامينه وأهدافه، وهي تعد الأمريكيين قبل أي طرف آخر بأن فيتنام جديدة تنتظرهم.

 

كما برهن التدهور الأمني في فلسطين أن الدور الأمريكي محدود ومحكوم بتحريض الإسرائيليين على قتال الإرهاب، ليس إلا.

 

بلغت أمريكا في العراق وفي فلسطين أيضاً الحد الأقصى الذي يمكن أن تبلغه في السياسة، ولم يعد لديها ما تقوله للعراقيين والفلسطينيين "غير ذلك الوعد البعيد "بالجنة"، الذي يجري تفنيده على أرض الواقع كل يوم! مثلما لم يعد لديها ما تقوله للأمريكيين سوى أنها تنقل الحرب على الإرهاب إلى أرض العدو...

 

الذي جاء دوره الآن في الرد على الهجوم الأمريكي واختبار قدرة أمريكا على تحمّل مثل هذا الانتشار العسكري والسياسي الواسع وغير المنتظم.

 

ماذا عن فلسطين؟ عندما سُئل بن غوريون عن حدود "إسرائيل"، أجاب بأنها "حيث يقف الجندي الإسرائيلي".

 

ومقولة بن غوريون هذه تنطبق، إلى حدود بعيدة، على ما تتبناه غالبية وزراء اليمين في الحكومة الحالية ومعهم المستوطنون.

 

فهؤلاء ينظرون إلى الضفة الغربية وقطاع غزة باعتبارهما أرضاً إسرائيلية. وعلى هذا الأساس رحب المستوطنون (مجلس يشع) قبل أيام بقرار الحكومة إلغاء تجميد الاستيطان والتشجيع على الاستيطان في القدس الشرقية. وما يحيّر العالم هو "الالتباس" الذي يحوط بشخص آرييل شارون. فهو لا يحسم ما إذا كان مع "الرؤية الأمريكية" لإقامة دولتين: دولة فلسطينية ودولة إسرائيلية.

 

أو ما إذا كان مع اليمين الديني والسياسي الإسرائيلي الذي يعارض المس بالمستوطنات. وهل هو مع "السلام" أم مع "الحلول العسكرية". وهذه الحيرة استوقفت ديبلوماسياً غربياً يتابع مسار "خريطة الطريق" ويقرأ تاريخ المفاوضات المصرية - الإسرائيلية.

 

فقد لفته سؤال طرحه الرئيس المصري أنور السادات على رئيس الوزراء الإسرائيلي مناحيم بيغن لحظة حطّت طائرة الأول للمرة الأولى في "إسرائيل". وكان السؤال: "هل الجنرال شارون موجوداً". فأجابه بيغن: "أنه هنا".

 

عندها قال السادات لشارون ممازحاً: "كنت أريد اعتقالك في قناة السويس". فرد شارون: "يمكن أن تعتقلني بالسلام".

 

جواب شارون هذا ملتبس بدوره إذا ما تمّ وصله بتاريخه الشخصي المرتبط بكونه الأب الحقيقي للاستيطان والتوسّع الجغرافي. ومع ذلك يرى الرئيس المصري حسنى مبارك أن الشخص الوحيد في "إسرائيل" الذي يمكن أن يصنع السلام حالياً هو آرييل شارون. ولكن آخرين في "إسرائيل" أمثال يوسي سريد يذهبون مذهباً مختلفاً ويقولون إن شارون "لا يمكن أن يسبح إلا في التطرف، ولا يوافقه منطق الاعتدال الفلسطيني"..

 

وهكذا جزم يوسي سريد، منذ ما يزيد على شهر، بأن الهدنة لن تصمد لأن شارون يخلق الوقائع الميدانية التي تُضعف شريكه محمود عباس وتحوّله طائراً من دون ريش. والآن بعد "الاجتياحات" للمدن الفلسطينية واغتيال القيادي السياسي في "حماس" إسماعيل أبو شنب، أصبحت الهدنة في خبر كان، إلى حين. فالمعادلة الحالية هي السن بالسن والعين بالعين.

 

أي معادلة الرعب المتبادل. وهذا يعني أن واشنطن مضطرة إلى إفساح المجال أمام سفح الدم الفلسطيني والإسرائيلي لمرة جديدة قبل أن تكون قادرة فعلاً على وقف حمامات الدم.

 

فآرييل شارون فهم من الاتصال الذي أجراه معه الرئيس الأمريكي جورج بوش أن في مقدوره أن يتخذ إجراءات عقابية ضد "حماس" و"الجهاد" و"فتح" على ألا تهدد مصير "خريطة الطريق".

 

إنما في واقع الحال يرتبط اسم "خريطة الطريق" فلسطينياً بمحمود عباس. فهو يكاد يكون الوحيد بين الفلسطينيين الذي يستبعد الانتفاضة من كونها عنصراً من عناصر تعزيز الوضع الفلسطيني. فهو يؤمن فقط بالحل السياسي الذي يمكن أن يأتي بالدولة الفلسطينية عبر استبعاد كامل للعمل العسكري.

 

ونظرية أبو مازن هذه لم يعطها شارون حظاً، وخصوصاً أن رئيس الحكومة الفلسطينية كان قبل اغتيال إسماعيل أبو شنب قد قرر مجموعة من الإجراءات تقيد حركتي "حماس" و"الجهاد" وتؤسس لمفهوم وحدانية السلطة والأجهزة الأمنية.

 

غير أن الردود العسكرية الإسرائيلية على "عملية القدس" دفنت في ما دفنت إجراءات محمود عباس وأضعفته إلى أقصى الحدود وأخلّت "ساحة غزة" للذين يطالبون برد انتقامي فلسطيني.

 

والاستنتاج الممكن هو أن "خريطة الطريق" في طريقها إلى "الثلاجة".

 

وهذا لا يعني إطلاقاً أن مصيرها هو ما انتهت إليه المبادرات الأمريكية السابقة مثل "خطة تينيت" و"تقرير ميتشل" و"أفكار زيني". فالخريطة أمر آخر. فهي حصيلة "رؤية الرئيس جورج بوش" وأفكار اللجنة الرباعية وهى "التزام" البيت الأبيض، وفشلها معناه فشل السياسة الأمريكية وهذا ما لا تتحمله الإدارة الحالية التي تتهيأ للانتخابات الرئاسية المقبلة.

 

والأكيد أن الإدارة الأمريكية لن تطلب بدءاً من الآن محمود عباس بأن يكمل ما بدأه شارون وما لم ينته بعد. فالمزاج الفلسطيني العام في ظل الظروف الراهنة لا يتحمل منطق اعتدال أبو مازن الذي يواجهه شارون بقصف المروحيات. فمصير محمود عباس أصبح يرتبط إلى حد بعيد بمصير الهدنة. ولعل رئيس الحكومة الفلسطينية كان قد أدرك ذلك قبل أيام عندما قرأ دلالات المناورة الإسرائيلية في عدم تسليم مدن مركزية للسلطة الفلسطينية وفي إبقاء الحواجز المسلحة التي حولت حياة الفلسطينيين جحيماً. وهو كان قد انتهز فرصة بلوغ شمعون بيريس الثمانين من عمره فأوفد إليه سراً اثنين من وزرائه القريبين شاكياً مماطلات شارون وموفاز محذراً من نهاية وشيكة للهدنة وأن "لا شيء يقيد حركته" أكثر من الحصار المفروض على الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات. وكان محمود عباس في الآونة الأخيرة يستشعر الخطر المقبل عبر وضعه. فنائب وزير الخارجية الأمريكي وليم بيرنز شكا من أن رئيس الحكومة الفلسطينية "لا يبذل جهوداً كافية لمكافحة الإرهاب".

 

كما انتقده ديفيد ساترفيلد أمام مجموعة من النشطاء اليهود بقوله: "المسألة لا تتعلق بقدرة محمود عباس وإنما برغبته. المقياس هو للتنفيذ ونحن لسنا راضين عنه"! وبعد لقاء عضو مجلس الشيوخ فرانك فلون والوفد المرافق له مع محمود عباس استنتج السيناتور الأمريكي أن "المنصب كبير على محمود عباس والشخص الذي يسيطر على الوضع هو ياسر عرفات".

 

من كل ذلك يصبح السؤال مشروعاً: هل يدخل الوضع الفلسطيني في مرحلة ما بعد محمود عباس؟ لا شك في أن الجواب مرهون بالفترة التي تبقى فيها "الهدنة" ميتة. هذا أولاً.

 

وثانياً ملاحظة كيف سيتخذ القرار الفلسطيني خلال هذه الفترة. وهل هو للحكومة الفلسطينية أم للقيادة الفلسطينية ممثلة بمنظمة التحرير والفصائل؟

 

وثالثاً موقف "إسرائيل" من حكومة محمود عباس وهل تعتبرها "ذات صلة" أي صاحبة قرار وكيف وهى التي أضعفتها إلى الحدود القصوى.

 

ورابعاً مستوى الفرز الفلسطيني مع محمود عباس أو مع الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات. وخامساً مستوى شعبية "حماس" و"الجهاد" بعد نهايات المواجهات... والصراع الدموي مستمر حتى أشعار آخر أي عندما تضغط واشنطن فعلاً على "إسرائيل" لوقف إرهابها ضد الفلسطينيين، وتنفيذ خريطة الطريق فعلاً؟!