خريطة العدم وانتظار الشهد من الفانتوم!

 

 

 

يقلم : خيري منصور

 

يصعب على أي راصد لتحولات وتموجات الموقف الأميركي من الصراع العربي -الإسرائيلي الذي انتهى على ما يبدو إلى صراع فلسطيني - إسرائيلي، أن يعثر على «الباروميتر» المناسب، لأن التعامل الأميركي مع هذا الصراع ليس جدياً بالقدر الكافي الذي يمكن الإركان إليه، والأرجح أن إدارة الرئيس بوش وطاقمه يستخدمون هذه القضية لأهداف تتجاوزها، أي تتعلق بالاستراتيجية الأميركية ومصالح تلك الإدارة في المنطقة، ولم يكن التلميح ومن ثم التصريح بضرورة وجود دولتين إسرائيلية وفلسطينية، إلا رشوة أو جرعة تخدير بهدف تمرير مواقف أميركية في المنطقة هي بالفعل عسيرة على الهضم، خصوصاً ما جرى في العراق، وإذا كان مسؤولون في السلطة الوطنية الفلسطينية قد صرحوا مؤخراً بأن أميركا خذلتهم فذلك أول السطر من ملف قد يغمره الخذلان حتى الندم.

 

وما من عاقل يحتاج اليوم إلى مزيد من القرائن أو البراهين ليتأكد من أن المراوغة الإسرائيلية لا تنقطع أو تنفصل بأية حال عن المراوغة الدبلوماسية الأميركية، وكأن هناك مستوى سرياً من التناغم، من أجل إضاعة الوقت بالنسبة للفلسطينيين، وكسب الوقت بالنسبة للإسرائيليين ما دام الاستيطان يواصل دينامياته العلنية والسرية، وما دامت الجدران الرمزية والحجرية تواصل الالتفاف والارتفاع لتكريس العزل العرقي، وكما قيل دائماً، فإن تجريب بيض السلة كله للتأكد من فساده هو ضرب من الجنون، إذ يكفي ما تورط به الفلسطينيون من بيض أميركي وإسرائيلي سام، وليس فاسداً فقط.

 

لقد انهمكت الإدارة الأميركية في شجون أخرى قد تكون في مقدمة أولويات استراتيجيتها، فمثلا كان الانهماك الأميركي وما يزال حول إحكام القبضة على العراق، بمثابة تهميش لما سمي سلام الشرق الأوسط، ومع اقتراب موعد الانتخابات الأميركية، فإن كل ما يقع خارج الحدود الإقليمية للقارة يصبح مجرد هوامش وخلال هذه المراوحة، أو المراوغة الأميركية بمعنى أدق يجد شارون فرصته الذهبية في ترجمة كل ما جال في خاطره من أحلام، ليحظى بما يؤهله للريادة الصهيونية الثانية، في مرحلة ما يسمى ما بعد الصهيونية، وهي «الأسرلة»!

 

وبالنسبة لإسرائيل، فإن كسب الوقت لا يتوقف عند مواصلة الاستيطان، والعزل، بل يتخطاه إلى رهان شاروني، ينوب فيه الفلسطينيون أنفسهم عنه وعن حكومته في الإجهاز على ما تبقى من بُنيتهم التحتية، فهو إذ يرقب الخلافات الفلسطينية - الفلسطينية وهي تتفاقم، يستدعي كل ما لديه من احتياطي لتغذية هذا التفاقم، بحيث يتحول إلى حرب أهلية، والأمر كله مرتهن في النهاية بما تبقى لدى الجسد الفلسطيني الجريح من مناعة ضد هذا الرهان.

 

نعرف، كم بالغ البعض في التعويل على الولايات المتحدة خصوصاً بعد أن بدا الموقف الأميركي خلال احتلال العراق بحاجة إلى درجة من التوازن، وهؤلاء الذين تفاءلوا أكثر مما ينبغي، لأنهم أفرطوا في التعويل على الولايات المتحدة هم الآن الأكثر شعوراً بالخيبة والخذلان، فهم يلدغون من الجحر ذاته للمرة الألف، وقد توافرت لديهم عشرات الفرص لاختبار منسوب الوعي لا الإيمان هذه المرة لأن السياسة هي فلسفة الشك، واللعب على الممكنات التي لا يتحقق منها في نهاية المطاف غير ما يفرضه الأقوى، والأشد نفوذاً.

 

وكنا نظن أن المرونة النسبية في الموقف الفلسطيني خصوصاً من خلال خريطة الطريق، ستعيد الجنرال الأرعن إلى رشده، لكنها أسالت المزيد من لعابه، فهو لا يرى في المفاوضات سوى حرب أخرى وبأسلحة مختلفة، وقد يكون هذا أمراً منطقياً لأن المفاوضات كلها عبر التاريخ هي حروب بأسلحة مختلفة، لكن أسلحة هذا الجنرال من طراز آخر، فهو يحلم باستكمال انتصاره من خلال إخضاع الطرف الآخر، وابتزازه حتى آخر قطرة!

 

وما يتوقعه من انعدمت خياراتهم كلها باستثناء خيار التفاوض، هو تغير مباغت في تكوين شخصية تجاوزت الخامسة والسبعين، وسيرتها منقعة في الدم منذ خمسة عقود على الأقل، فهل يستطيع شارون بالفعل أن يغير ذاته، ويقود انقلاباً ضد تكوينه الراديكالي؟ أم أن التغيير سيفرض عليه من الخارج؟ تقتضي الإجابة عن هذا السؤال تحديد الجهات التي يطلق عليها وصف «الخارج»، فهي إما أن تكون الموقف المفروض من واشنطن، أو أي شكل آخر من الضغط الدولي، فالعرب مطرودون الآن من هذا السياق، ليس فقط لأنهم أحرقوا الأوراق كلها، بل لأنهم رفعوا شعاراً صريحاً، هو قرارهم في التأقلم مع الأمر الواقع، ودافعهم الوحيد الذي يحكم مجمل حراكهم السياسي والدبلوماسي فهو هاجس النجاة!! لأنهم باتوا أشبه بالأرنبة التي سئلت ذات يوم لماذا تعف عن أكل اللحم، فأجابت بتواضع جم، لأنها تريد فقط أن تظفر وتنجو بلحمها!

 

"إسرائيل"، تتحرك الآن داخلياً وخارجياً بحرية لا تحدها أية كوابح، لهذا فهي تغتال ناشطين فلسطينيين، وتنسف بيوتاً وتطارد الناس في عقر دورهم، وفي الوقت نفسه تطالب الضحية بالمزيد من الصمت، بل التسبيح بحمدها، لأنها تقبل بالتفاوض، حتى لو كان على حديقة!

 

إن أسوأ ما في المراوحة السياسية، وهذه البطالة التي تفتك بالعقل السياسي العربي، هو أن عدوى هذا الداء تنتقل إلى المقاربات الفكرية التي تحاول الرصد والتحليل، فالتكرار يأتي بمثيله دائماً، ومن يراجع ما كتب وقيل خلال الأعوام التسعة الماضية يجد أنه يتكرر على نحو مضجر، بحيث أصبح الناس على حق وهم يقلبون الصفحة، ويعزفون حتى عن مجرد المتابعة لما يجري رغم أنه يخصهم في الصميم، ولم يكن هذا كله ليحدث جزافاً، أو لمجرد المصادفة فالميديا الأميركية المتأسرلة، تغذت كثيراً من منجزات السايكولوجيا، وأصبحت حاذقة في الحذف والإضافة والتوتير وتفريغ التوتر، بحيث لا يشعر الناس أن هناك بالفعل من يفكر لهم، ويقول أقوالهم ليجرهم وهم آخر من يعلمون إلى ملاعب ليست هي ملاعبهم، وإلى أسئلة بديلة ومنحوتة بعناية للمصادرة على مساءلتهم الحقيقية.

 

 وإلى حد ما، فإن الميديا الأميركية المتأسرلة نجحت في إحراف الوعي عن بؤرة الحدث فالوعي أصبح كالبندول يتحرك هنا وهناك ولا يستقر على لحظة واحدة تتيح فهم ما يجري على حقيقته، وليس تبعاً لما يغطى ويطلى به من ديكورات سياسية.

 

 والغريب بالفعل أن مصطلحات الحروب التقليدية ما تزال قيد التداول، وكأن من تفرجوا على الحروب الحديثة وكانوا من ضحاياها فاتهم أن الزمن قد تغير، إذ ما الذي تعنيه الهدنة مثلاً إذا كانت حرب الطرف الآخر دائمة، ومستمرة، فالهدنة ليست مجرد وقف إطلاق النار، إنها كي تفي بالمقصود بها، وقف كل مستويات الحرب الأخرى التي تشنها "إسرائيل"، بدءاً من الاستيطان وهو جذر المسألة كلها، ونهاية بتحويل المدن والقرى إلى سجون.

 

وإذا كان لكل مرحلة من مراحل الاحتلال والاستيطان علامة فارقة، أو «ثيمة» تتكرر وكأنها المفتاح، فإن آخر ما تفتقت عنه ذهنية الاحتلال الشاروني هو «الهدنات»، بحيث يبدو من ينتهك الهدنة كما لو أنه قد أعاد الصراع إلى مربعه الأول، ولو شئنا الحقيقة بأن الهدنة النموذجية بالنسبة لإسرائيل هي بين «جيش الدفاع الإسرائيلي» ومقابر الفلسطينيين، لأن الفلسطيني المثالي، والمهادن والذي يستحق التفاوض معه هو الفلسطيني القتيل لا الحي.

 

وليس من قبيل الاستطراف في زمن مأساوي كهذا، القول بأن الشعب الفلسطيني المحاصر، أحصى أعوامه الأخيرة إضافة إلى شهدائه، بأسماء من طراز «تينيت» و«ميتشيل»، وأخيراً خريطة الطريق التي اتضح أنها لا تقود إلى أي طريق، فـ"إسرائيل" بسبب فائض القوة، وفائض الإسناد والتسامح الأميركي مع جرائمها لديها الوقت لابتكار ما تشاء من عوامل التأجيل، وإضاعة الوقت من أجل مضاعفة مشروعها الاستيطاني الذي بدا مؤخراً وكأنه معصوم من أي نقد أو اعتراض.

 

وقد يحول الخوف السياسي الذي اقترب من الهلع لدى العرب دون إبلاغ واشنطن بأن الكرة في البيت الأبيض، بل في المكتب البيضاوي ذاته، وأن الفلسطينيين فعلوا ما طلب منهم، وها هم يندفعون إلى خلافات قد تصل حدها الأقصى وتتجاوز الخط الوطني الأحمر، فواشنطن تعاقب تل أبيب بشيء من الدلال، عندما تفرط في التنكيل والمطاردة، لكنها بعد خمس دقائق فقط، تعلن إدانتها للإرهاب الفلسطيني، وكأن الإرهاب الذي أصبح من المرونة بحيث يقبل أية صيغة تقترحها "إسرائيل" محظور استخدام أي من مفرداته إذا تعلق الأمر بالدولة العبرية.

 

الفلسطينيون اليوم يقولون إن الرئيس بوش قد تغير، ولم يعد متحمساً لما أطلقه قبل فترة حول ضرورة إنهاء الدراما الفلسطينية وحقيقة الأمر أن ما تغير ومن تغيّر ليس الرئيس الأميركي فقط، بل مجمل المشهد الإقليمي خصوصاً بعد أن حذف العراق بالقوة منه، إن حروباً بهذه الطبعة الأميركية وبهذه الحداثة التي لم يعهدها العرب من قبل قد بدأت تفرز مصطلحاتها، وعلينا أن نتعامل معها كالببغاوات، أي بلا تمحيص أو حتى مراجعة، فالهدنة يجب أن تكون من طرف واحد، والاحتلال يجب أن يعثر على من يرحب به حتى لو كان من ضحاياه، والفلسطينيون عليهم أن يقبلوا تفاوضاً من أجل التفاوض وليس من أجل أي شيء آخر حتى لو كان بمساحة حديقة!

 

إن التسارع المحموم الذي تتبدل خلاله المواقف، يتحدى عقلاً كسولاً، وذهنية أدمنت الأركان على الآخر، وإذا ما استمرت هذه المتوالية فإن المزيد من الوقت سيكون قد تحول لصالح "إسرائيل" بحيث تجد مجالها الحيوي في ترشيح ما تم إنجازه من الاستيطان، ومن ثم إضافة ما يحتاج إليه مليون مهاجر يهودي، لن يقيموا في الهواء أو البحر، بل على حساب سكان أصليين، تتفنن "إسرائيل" في ابتكار الوصفات الدموية لإبادتهم على مختلف الأصعدة.

أخيراً، إن على من هيأوا الجرار لانتظار الشهد من واشنطن أن يكسروها أو يؤذنوا فيها!