من يحرص على الهدنة؟!

 

 

 

بقلم :علي عقلة عرسان

 

لماذا لا يكون للمقاومة الفلسطينية على السلطة حق الحماية من هجمات العدو وتصفياته وملاحقاته ومداهماته ويكون للسلطة الفلسطينية على المقاومة حق الانضباط والالتزام والتقيد بالهدنة وتنفيذ الأوامر؟! ففي ظل هدنة فاوضت عليها السلطة وقبلتها المقاومة تم استشهاد الكثيرين واعتقال «أكثر من مئة فلسطيني حسب معطيات الشاباك»، أليس من حق المقاومة أن تسأل لماذا لم يلتزم العدو بالهدنة ما دام قد عقد اتفاقاً مع السلطة بمعرفة الولايات المتحدة الأميركية ورعايتها، ومن خلال أشخاص معتمَدين لديها وموثوق بهم من طرفها؟!

 

 إن التزام العدو بالهدنة وحتى «بالخريطة المعتبرة» لم يحدث ولا يبدو أنه مرشح للحدوث، لأن الصوت الصهيوني الحقيقي لا يريد الهدنة ولا يريد الخريطة إلا غطاء لمشروعه ومنفذاً لفتنة فلسطينية - فلسطينية، وحسب تعبير آفي إيتام: «تقود خريطة الطريق إلى الضياع وإلى المقابر»، بينما يتمسك عرب وفلسطينيون بالخريطة والهدنة كأنهما طوق نجاة؟!

 

 ويقول صوت صهيوني واضح يعبر عنه ران أدليست: «... ومن أجل أن نخرج من هذا الوحل علينا جميعاً أن نقول لأنفسنا الحقيقة، حتى إن كانت صعبة: إن من لا يريد الهدنة هو حكومة "إسرائيل". فكل يوم هدوء يقرب هذه الحكومة من الحسم في خريطة الطريق. وقبول خريطة الطريق يعني تفكيك الحكومة والمستوطنات. والأفظع من ذلك هو الإقرار بالفشل المستمر منذ ثلاثين عاماً وهو أن دماء كل من سقطوا على مذبح المستوطنات كانت هباء وستصم الآذان عندما تجسد خريطة الطريق ويتم إبعاد المسؤولين عن هذا الفشل «زمان تل أبيب 21/8».

 

 إنه صوت عنصري حقيقي يقدم صوت الصهاينة الحقيقي، إنه مغال في المطالبة بتنفيذ المشروع الصهيوني ولكنه يكشف للعرب حقائق التوجه العميق لمن يرونهم شركاء في مفاوضات من أجل السلام، وهو لا يريد أقنعة من أي نوع. والوضع الراهن في بعض أوساط السلطة يوحي، كما تشير الوقائع والدلائل، بتفلّت رجال أميركا والكيان الصهيوني الفلسطينيين من القيود للتصدي للمقاومة وتصفيتها إن لزم الأمر بذريعة الدفاع عن «مكاسب خريطة الطريق والالتزام بالهدنة»؟! ويا لها من مكاسب؟! ونتساءل: أين نحن وأين هم؟!

 

إن السلطة بدلاً من أن تطالِب بتمكينها من حماية المقاومة والدفاع عنها ليستقر الوضع وتدوم الهدنة ويطمئن الناس وتتأسس الثقة، قامت بمنع المقاومة من التصدي للعدو، وأخذت تلاحق عناصرها، وتغلق مؤسساتها الخيرية وتشدد الخناق عليها.. و«أول الرقص حَنْجَلة» كما يقول المثل الشعبي.. ربما يتم ذلك لأن رصاص الأهل أرحم من رصاص الغرباء!!.. بعيداً عن أصالتنا وانتمائنا وشعرنا: وظلم ذوي القربى!؟

 

 ويجئ هذا التصرف تنفيذاً لتوجه أملاه الرئيس جورج بوش بطلب من الكيان الصهيوني وتعبيراً عن التعاطف معه، وقد نفذه أولاً في الولايات المتحدة الأميركية بالإعلان عن تجميد حسابات لمؤسسات وشخصيات فلسطينية من حماس والجهاد على الخصوص، كما جاء في بيانه في 22 أغسطس 2003.

 

 «بيان للرئيس: بإيعاز مني، أقدمت وزارة المالية هذا اليوم على تجميد أرصدة ستة قادة كبار لحماس وخمس جماعات غير حكومية علمت بأنها توفر دعماً مالياً لحماس . وبإعلانها المسؤولية عن العمل الإرهابي المزري يوم 19 أغسطس، أكدت حماس مجدداً بأنها منظمة إرهابية ملتزمة بالعنف ضد الإسرائيليين وبتقويض التقدم في السلام بين "إسرائيل" والشعب الفلسطيني.

 

 

 

 وإنني أهيب بجميع الدول المساندة للسلام في الشرق الأوسط أن تسمي حماس كمنظمة إرهابية وأن تتخذ كل التدابير المناسبة لحرمانها من الدعم.

 

 وقام التابع البريطاني بعمل مماثل لعمل بوش، وكذلك السلطة الفلسطينية يوم الخميس 29 أغسطس 2003 حيث أغلقت 56 مؤسسة خيرية فلسطينية تابعة لبعض فصائل المقاومة: «حماس والجهاد الإسلامي» على الخصوص، يستفيد من خدماتها الإنسانية ستة آلاف يتيم وخمسون ألف أسرة من أسر الشهداء الفلسطينيين، الذين ترى الولايات المتحدة الأميركية والكيان الصهيوني أن في دعمهم ومواساتهم دعماً «للإرهاب»؟!.

 

وستقوم بالفعل ذاته دول عربية أخرى أعلنت التزامها بهذا التوجه في شرم الشيخ والعقبة بحضور الرئيس بوش الذي أعلن من هناك يهودية الدولة الصهيونية، معلناً ضمنياً القضاء على حق العودة والتلويح بالتهجير «الترانسفير» لعرب 1948 وعرب 1967 الذين ما زالوا في أرضهم المحتلة منذ ذلك التاريخ، وناقضاً في احتفال التدشين معمار «خريطة الطريق» وكل ما قد يبدو للبعض إيجابياً فيها.

 

 وقال قائل تلك الدول العربية في ذلك اليوم المشهود من أيام العرب على العرب: «إنها سوف تدعم سلطة أبي مازن في القضاء على الإرهاب ولن تسمح بتحويل أية مبالغ مالية» للمنظمات الإرهابية«أي للمقاومة، أشرف ظواهر الحياة العربية ومظاهرها في هذا الزمن الرديء، وأنها ستحوِّل المساعدات إلى سلطة أبي مازن حصراً.

 

 وهذا يشير بوضوح إلى أن الأمور تسير باتجاه استمرار تنفيذ مخططات التصفية أو «الاستئصال» لعناصر المقاومة والبنية التحتية لتنظيماتها ومؤسساتها وتجفيف منابع تمويلها، أي القضاء عليها مادياً ومعنوياً بتعاون أو تحالف فلسطيني عربي جزئي وأميركي صهيوني كلي، مهما حَسُنَت النوايا وتعددت الأسباب، وفق طلب شارون.

 

 وفي هذا الإطار نقرأ فهم الصهاينة لقول بيرنز لأبي مازن:«ليست لدينا خطة بديلة». ومعنى ذلك من وجهة نظرهم: أن بيرنز يقول لأبي مازن: «إنك لن تجد رئيساً أفضل لك من بوش. وأنه ليس هناك بديل لتصور بوش.

 

 وإذا لم تحقق أنت ودحلان الآمال المعلقة عليكما فسوف نتخلى بأسف عنكما ونجلب بدلا منكما زعماء جدداً، مثلاً سلام فياض بدلاً من عباس وجبريل الرجوب بدلاً من دحلان أمير أورون ـ هارتس في 22/8/2003 وقد جيء بجبريل الرجوب عملياً ليقف على باب الأمن القومي الفلسطيني لإجبار دحلان على الركض بالاتجاه المطلوب، وقد بدأ يركض عملياً في غزة ولو مرغماً.. والطريق الطويلة تبدأ بخطوة.. وبدأ التلويح ببدائل لأبي مازن لإجباره على الركض بالاتجاه المطلوب؟!

 

 نحن ندرك أنه من غير الممكن مطالبة السلطة الفلسطينية بما لا تستطيع القيام به، فلا يكلف الله نفساً إلا وسعها، وندرك أن الوضع العربي بلغ من التهافت حداً غاب فيه كل شكل من أشكال التضامن الإيجابي وأصبحت معظم الدول تبحث عن خلاصها، وتلهث وراء تقديم خدمة توفر لها بعض الرضا وشهادة حسن السلوك، وأنها تذهب إلى ما هو أبعد من مراعاة الظروف بمرونة وحنكة وحكمة، ولا تريد تحمّل تكاليف المواقف المستندة إلى مبدئية قومية ووطنية وخُلُقية ونضالية صحيحة.

 

 ولكن لماذا تكلف السلطة وبعض العرب المقاومة ما لا تطيق فتطلب منها ألا تدافع عن نفسها والسكين في الحلق، وهم يعرفون أنها مستهدفة من العدو في آناء الليل وأطراف النهار، وأنها في حالة دفاع تام ومشروع عن النفس، وأنها لو أرادت أن تسالم وتهادن وتسكت فالعدو الصهيوني وحليفه الأميركي لا يتركانها تفعل ذلك ويلاحقانها ضمن استراتيجية ثابتة تدخل فيما يسميانه القضاء على «الإرهاب» بالضربات الاستباقية؟!

 

 إن المنطق أو الدافع الكامن وراء ذلك من وجهة نظر فلسطينية - عربية معروف ومفهوم ويتلخص في جعل السلطة تقوم بمحاولة الضبط والربط حتى لا تتيح للعدو ذرائع التدخل العسكري الكاسح الذي يؤدي إلى نتائج مدمرة على أكثر من صعيد؟!

 

ولكن العدو لم يترك فرصة إلا واستغلها في اتجاه التدمير والتصعيد من دون أن يردعه أحد، وقراءة الماضي البعيد والقريب وظروف هدنة 29 يونيو 2003 التي التزمت المقاومة خلالها بوقف العمليات مدة تقارب التسعين يوماً، كل ذلك يشير إلى أن العدو لم يتوقف عن تنفيذ برنامج القتل والتصفيات والملاحقة المعتمد استراتيجياً، وأنه لن يتوقف عن ذلك من دون ردع، وأنه لم يلتزم أصلاً بالهدنة المعلنة لأن من ذرائعه في ذلك أنها اتفاق فلسطيني داخلي لا يلزمه بشيء.

 

 ومن ثم وجب أن نتوجه بتساؤل مفتوح: «ما دام استئصال المقاومة برنامجاً استراتيجياً صهيونياً مقدساً ينفذه الكيان الصهيوني في كل الظروف وتباركه الولايات المتحدة الأميركية في جميع الأحوال، ولا يتأثر بأي اتفاق أو خريطة أو هدنة..إلخ فلم لا تجعله المقاومة مكلفاً، ولماذا تجعل الدم الفلسطيني يذهب رخيصاً؟!

 

 كما نتوجه بسؤال مرٍ للسلطة التي فاوضت على الهدنة والعرب الذين ضغطوا باتجاهها: لماذا لم تكن هناك مفاوضات وضمانات عبر قنوات وهيئات عربية ودولية أوسع تطالب بأن تحمي الشعب والمقاومة والهدنة والخريطة من العبث، وتكفل الاتفاق وترعاه رعاية فعلية، ما دام هناك حرص على الخريطة والهدنة والتفاهم..إلخ..

 

 بدلاً من التمسك بهذه البضاعة الأميركية الصهيونية الفاسدة وحراسها المتواطئين ضد ما يحرسون!؟ ولماذا يكون هناك ضامن وحيد، أو الصهيوني الأميركي: المحتل والقاضي والمستعمر المستوطن وصاحب الاتفاق وراعيه والمشرف على تنفيذه وصاحب الرأي والحكم الأول والأخير في شأنه؟! أفما شبعنا من رعاية الذئب الصهيوني للغنم، والذئب لا يشبع نهمه للدم والغدر أبداً؟!

 

 نقول ذلك لأننا نفترض أن السلطة أو جهة نزيهة قوية تحرص السلطة على وجودها، ينبغي أن تتولى مطالبة العدو والراعي بأن يتم الالتزام بما يتم الاتفاق عليه، وأن تطالب من يضغط على السلطة والمقاومة ويرعى «خريطة الفتنة والتدمير» المعلنة، ويجبر الطرف الفلسطيني وحده على الالتزام والتنفيذ والتقيد الدقيق بحرفية الاتفاقيات وبالتفسير الصهيوني لبنودها، بالموقف المنصِف والرؤية السليمة والإحساس بقيمة الدم والحياة البشرية وتساوي الأرواح والأجساد في الميزان البشري العام، فلعله يستجيب فيستجيب الصهاينة لشروط الاتفاق بشيء من الاحترام.

 

إن ذلك فيما يبدو بعض الوهم أو بعض الأمنيات الكاذبة، التي نعيش عليها.

 

 وهنا يصبح من الواجب التمني على السلطة والمرجعيات العربية التي ترى في قضية فلسطين قضية قومية مركزية والهيئات المجموعات الدولية التي ترى فيها قضية إنسانية عادلة وقضية تمس الأمن الدولي، ألا تُعقد اتفاقيات وتقدم التزامات يكون فيها الضعيف طرفاً معزولاً ومحاصراً، وأن يتم كل اتفاق له بعد سياسي دولي يتعلق بقضية مدرجة على جدول أعمال الأمم المتحدة منذ سنين وله مرجعيات دولية واضحة إلا ضمن أطر قانونية مدروسة وأطر دولية محايدة وقادرة على احترام وجودها وتعهداتها وحقوق الآخرين.

 

 مع الإشارة إلى أن العالم لم يخل كلياً من قوى أخرى قد تشكل نواة قوية لقوة الخير التي ينبغي أن تتكون لتواجه هذا المد الشرير في عالمنا وعلى أرضنا!؟

 

 الكل يدرك حقيقة الأوضاع العربية والقوة العربية ويدرك ما آل إليه الوضع الدولي بعد الهيمنة الأميركية، لكن لماذا يكون العربي طرفاً في الضغط على الفلسطيني والمحافظة على هدنة من جانب واحد ولا يكون في أي موقف طرفاً يقف إلى جانب الفلسطيني والمقاومة والحق؟؟

 

 إن السلطة الفلسطينية غير قادرة على حماية نفسها ورئيسها المحاصر والمهدد منذ أشهر فكيف تطلب من المقاومة المستهدفة في كل وقت أن تلقي السلاح وتركن إلى «الهدنة» وتنضبط في الوقت الذي لا يدع فيه العدو فرصة للقتل والتدمير والاجتياح والمداهمة إلا واستغلها إلى أبعد الحدود؟!

 

 إن من لا ينضوي تحت لواء الاستسلام التام مقتول، والمقاوم الذي يهادن مقتول، والمقاوم الذي يتخلى عن المقاومة هو بنظرهم «مخادع» ولا بد من أن يصفى، ومن ينتمي إلى حماس والجهاد وبقية الفصائل التي رفضت أوسلو والخريطة ورفضت التسليم للعدو بكل ما يريد مطلوب رأسها في السر والعلن؟! فكيف يمكن أن نواجه هذا الوضع فلسطينياً وعربياً وإنسانياً؟!

 

 لا يمكن أن يقبل المرء أن يموت الإنسان مظلوماً ورخيصاً ومقهوراً ومحاصراً من دون أن يكون له حق الدفاع عن نفسه، وأن يكون له حق الاعتراض على ما يتعرض له، وصوت مسموع في عالم يدعي أنه يتقدم ويحافظ على الحقوق والحريات والحياة؟!

 

 السؤال الذي نتوقف عنده أخيراً: هل هناك أمل من نوع ما بتحرك شعبي عربي ودولي يناصر المقاومة ويقف وراءها ويحول دون إبادتها، ويدعم شعباً يتعرض للإبادة ولا يملك إلا حقه ودمه والشهادة التي يحاصرها أعداؤه بالتشويه والتثريب؟! إنه الأمل الذي لن نفقده أبداً، والنداء الذي نطلقه في الفضاء العربي الواسع والإنساني الشامل.