نقل الصراع إلى الداخل .. تأجيج الخلافات الفلسطينية هدف
إسرائيلي
بقلم :رياض أبو ملحم
يعتقد بعض المحللين أن السياسات التي تنفذها
الإدارة الأميركية حالياً في الشرق الأوسط، تحت تأثير اعتباراتها الخاصة:
الانتخابات الرئاسية ومأزقها في العراق، باتت تشكل العامل الرئيسي في عرقلة أي
تسوية سلمية للصراع العربي - الإسرائيلي، كما تدل التطورات الأخيرة في الأراضي
الفلسطينية المحتلة بدلاً من أن تكون واشنطن هي مفتاح الحل والقوة الدافعة إليه.
وانطلاقاً من الرابط الذي يقيمه الرئيس جورج بوش بين ما يسميه
«مكافحة الإرهاب» في العراق، والتدمير الشامل الذي تمارسه الحكومة الإسرائيلية في
المناطق الفلسطينية المحتلة تحت العنوان ذاته ثم اعتبار ذلك مهمة عظيمة مشتركة
للطرفين، يحصل أرييل شارون على إجازة مفتوحة ليس فقط لاستخدام آلته العسكرية
الضخمة ضد الشعب الفلسطيني، بل وخصوصاً لسد الطرق كلها أمام أي محاولة دولية سلمية
لوضع حد لهذه المواجهة المدمرة.
وتبعاً لذلك فإن الرئيس بوش بات الآن يرى أن
كل إيجابية قد تبديها الحكومة الإسرائيلية حيال عملية التسوية السلمية تنعكس سلباً
على وضع القوات الأميركية في العراق، وعلى رصيده السياسي الذي يتقلص بحسب النتائج
المعلنة لاستطلاعات الرأي الأخيرة أي أن كل تراجع للاحتلال الإسرائيلي أمام المقاومة
الفلسطينية وطروحات الفصائل الممثلة لها قد يحمل معنى مماثلاً بالنسبة للاحتلال
الأميركي في العراق إزاء العناصر والقوى التي تتصدى له.
وبهذا المعنى ذاته فإن كل قبول إسرائيلي محتمل بالمطالب
الفلسطينية المشروعة وفي مقدمتها إنهاء الاحتلال الجاثم فوق صدر الشعب الفلسطيني
يمكن أن يدفع في الوقت نفسه نحو حدوث مقومات السيادة العراقية والمزيد من
استقلالية القرار العراقي سواء عبر الهيئة التمثيلية الحالية (مجلس الحكم
الانتقالي) أو من خلال أية هيئات دستورية يمكن أن تولد في المستقبل القريب.
وهكذا... لم يجد الرئيس الأميركي في الهدنة التي أعلنتها منظمات
المقاومة الفلسطينية واستمرت لأكثر من خمسين يوماً شيئاً مثيراً للاهتمام أو تستحق
الثناء رغم أن ذلك أسهم في تحسين ظروف عمل الحكومة الفلسطينية التي تدعمها واشنطن
من خلال وقف الهجمات التي تستهدف "إسرائيل" وانحسار حالة التوتر السائدة
في المنطقة، وفي المقابل اعتبر الرئيس بوش الإجراءات التي تنفذها الحكومة
الإسرائيلية ضد الشعب الفلسطيني دفاعاً عن النفس، الأمر الذي شجع شارون على
التمادي في إجراءاته القمعية، ما أدى إلى وقوع العملية الاستشهادية في القدس
الغربية.
وقد اتخذت القيادة الإسرائيلية من هذه الحادثة ذريعة لتوسيع
عمليات الاغتيال الموجهة ضد القادة الفلسطينيين بالإضافة إلى اجتياح معظم المدن
الفلسطينية واستباحة كل شيء فيها، وأعقب ذلك المزيد من التأييد الأميركي، وقد تجلى
هذا التأييد على نحو خاص بالإعلان عن منح الدولة العبرية مساعدات مادية ضخمة تشمل
منحة مالية مقدارها مليار دولار وضمانات قروض بتسعة مليارات دولار.
بالإضافة إلى المساعدة السنوية التي تبلغ نحو ثلاثة مليارات
دولار، هذا فضلاً عن الحملات الإعلامية والسياسية التي أطلقتها الإدارة الأميركية
لتسويق الإجراءات الإسرائيلية وإضفاء «المشروعية» عليها باعتبارها «دفاعاً عن
النفس» في مواجهة ما تسميه «الإرهاب الفلسطيني».
استرضاء اللوبي اليهودي
ويبدو أن تراجع التأييد للرئيس بوش في استطلاعات الرأي يدفعه
لبذل جهود إضافية من أجل استرضاء اللوبي اليهودي في الولايات المتحدة وهو ما يشجع
عليه دائماً بعض النافذين في الإدارة الأميركية والداعين إلى دعم موقف الرئيس
الأميركي في الآونة الأخيرة إذ بينما كان قد قاد بنفسه الجهود الرامية إلى حمل
الجانبين الإسرائيلي والفلسطيني على استئناف اتصالاتهما مما أدى إلى تجدد الآمال
في شأن إمكانية إعادة تنشيط المسيرة السلمية، عاد فاتخذ موقفاً سلبياً من التسوية
السلمية برمتها تتبدى نتائجه المرعبة يوماً بعد يوم.
وفي تقدير المراقبين أن هذا التراجع يعزز
وجهة النظر القائلة بأن هدف الإدارة الأميركية من الموافقة على «خريطة الطريق»
التي وضعتها اللجنة الرباعية الدولية، يرتبط في الأساس بحاجة الرئيس بوش إلى تهدئة
الموقف على الجبهة الإسرائيلية - الفلسطينية حتى يستطيع التفرغ لما يسميه صقور
إدارته «قطف ثمار» غزو العراق، ثم خوض معركة تجديد ولايته الثانية في أجواء
مناسبة، ذلك أن «خريطة الطريق» التي تحمل عنواناً كبيراً براقاً وجذاباً هو إقامة
دولة فلسطينية مستقلة، في نهاية عام 2005 تفتقد فعلياً إلى الشروط الضرورية التي
تجعلها قادرة على تحقيق هذا الهدف الاستراتيجي البالغ الأهمية، وفي مقدمة هذه
الشروط تحديد آلية واضحة وملزمة للتطبيق، كما أن الولايات المتحدة تدعم الحكومة
الإسرائيلية في معارضتها الاستعانة بقوة دولية أو قوة مراقبين لتحديد الطرف الذي
يخل بتنفيذ التزاماته التي نصت عليها الخطة.
ولإزالة أية عقبات قد تعترض طريقها، وهناك من يرى بأنه لو كانت
هذه القوة الدولية موجودة لكان في الإمكان ممارسة رقابة فعالة على أداء الطرفين
الإسرائيليين والفلسطينيين، مما يساعد في تعزيز احتمالات التنفيذ والتقدم إلى
الإمام.
وفضلاً عن أن حسابات البيت الأبيض قائمة على نوع من الخداع
والتضليل بسبب تناقضها مع الممارسة العملية، فقد أضاف إليها عدم النجاح الأميركي
في العراق عوامل عديدة أخرى، ومن ذلك، على سبيل المثال، شعور الإدارة الأميركية
بالخوف من تقديم تنازلات قد تفسر على أنها ناتجة عن حالة ضعف، أو ربما تفسد
رهاناتها السياسية والاقتصادية المبالغ فيها على الورقة العراقية.
وقد استفادت الحكومة الإسرائيلية من هذا الوضع لتعزيز خطواتها
الرامية إلى نسف عملية التسوية السلمية والعودة إلى ممارسة ضغوط إضافية، على
منظمات المقاومة الفلسطينية لحملها على الاستلام وهو ما يستجيب إلى خطتها الأساسية
بإبقاء الوضع في الأراضي الفلسطينية معلقاً إلى ما لانهاية، بحيث تتمكن
"إسرائيل" خلال ذلك من إحداث تغييرات جذرية على الأرض لقطع الطريق على
المطالب الفلسطينية كلها بحيث لا يبقى ثمة ما يمكن التفاوض عليه، وفقا لما توحي به
الأفكار والممارسات الشارونية الشريرة.
تأجيج الخلافات الفلسطينية
والمراقبون باتوا يدركون الآن تماماً أن الإدارة الأميركية حولت
اهتمامها من دعم التسوية السلمية، ولو شكلياً، إلى شق الصف الفلسطيني وإشعال حرب
فلسطينية داخلية، من خلال التحريض على منظمات المقاومة والدعوة إلى تفكيك بناها
التحتية ونزع سلاحها، وفضلاً عن أن حدوث ذلك يؤدي بحسب الرهانات الأمريكية ـ
الإسرائيلية المشتركة إلى انهيار فلسطيني كامل تتمكن "إسرائيل" بعده من
تثبيت مشروعاتها التوسعية الراهنة كأمر واقع لا سبيل إلى تغييره فهو يخدم الشعارات
التي ترفعها واشنطن حول «مكافحة الإرهاب» داخل الولايات المتحدة وخارجها.
ومن الواضح أن الضغط الذي تمارسه الإدارة
الأميركية في هذا السبيل، على الجانب الفلسطيني بمختلف توجهاته وعلى الدول العربية
أيضاً، يعطي نتائج غير متوقعة، برغم إدراك الجميع لحقيقة السياسة الأميركية
ودوافعها التخريبية، ومن الغريب حقاً أن يصبح الطرف الفلسطيني، المقاوم للاحتلال،
هو المعتدي الذي يستحق الإدانة والإجراءات العقابية، بينما تغدو
"إسرائيل" الطرف المعتدي عليه، في الوقت الذين تواصل آليتها العسكرية
قتل الفلسطينيين وتدمير كل ما استطاعوا بناءه وزرعه وتطويره حتى الآن.
ويلاحظ أن الإدارة الأميركية ضاعفت أخيراً من ضغطها والمباشر
لتأجيج الخلافات بين القوى الفلسطينية المتعددة، ولم تكتف واشنطن بتحريض مجموعة
على أخرى، كما هو بالنسبة للتجاذبات القائمة بين الرئيس ياسر عرفات ورئيس حكومته
محمود عباس، بل باتت الآن تحدد بالأسماء والأشخاص الذين تضع ثقتها فيهم وتريدهم أن
يحكموا.
كما تدخلت مباشرة لمنع المجلس التشريعي الفلسطيني من مناقشة
التطورات الداخلية الراهنة والخلاف المحتدم داخل السلطة الوطنية حول مسئولية
الإشراف على الأجهزة الأمنية وكيفية مواجهة الهجمات التي تتعرض لها منظمات
المقاومة، وكانت الضغوط الخارجية أسفرت أخيراً عن تجميد الأرصدة المالية لمعظم
المنظمات الخيرية الفلسطينية، ووضع المجتمع الفلسطيني الذي يعاني أصلاً من الحصار
الإسرائيلي الجائر، أمام مشكلة جديدة تهدد عشرات الآلاف من العائلات الفقيرة.
ولا يحتاج اكتشاف المخططات في كل ما تفعله
الإدارة الأميركية حالياً، إلى جهد كبير، إذ أن الإشادة المبالغ فيها برئيس
الحكومة الفلسطينية محمود عباس ووزير الشئون الأمنية محمد دحلان، في مقابل كيل
الاتهامات للرئيس ياسر عرفات، لم ترافقها خطوات أميركية أو إسرائيلية ملموسة تتعلق
بتعزيز مصداقية الحكومة الفلسطينية وتسهل مهمتها، بل على العكس من ذلك، فقد بدت
الإجراءات الإسرائيلية العسكرية من تصعيد عمليات التصفية الجسدية للناشطين
الفلسطينيين إلى اجتياح المدن الفلسطينية، وكأنها تستهدف إفشال مهمة أبو مازن من
خلال إضعاف رصيده الشعبي وتدمير ثقة مواطنيه به، وهذا يدل بوضوح على أن الإدارة
الأميركية والحكومة الإسرائيلية تكتفيان بالمراهنة على ما سيتحقق لهما من الصراع
الفلسطيني الداخلي من نتائج تغنيهما عن تقديم أية «جوائز ترضية» للأشخاص الذين يتم
الرهان عليهم في هذا الصراع.
وليس هناك من شك في أن الفلسطينيين، الذين
يقتربون شيئاً من حافة الحرب الأهلية، تحت تأثير الضغوط الأميركية ـ الإسرائيلية
المتصاعدة، سيخسرون كل شيء إذا ما بلغوا هذا المنزلق الخطير، فلا الإدارة
الأميركية مهتمة بتحقيق السلام في الشرق الأوسط، ولا "إسرائيل" في وارد التخلي
عن مشروعاتها التوسعية إكراماً لعيون هذا المسئول الفلسطيني أو ذاك، والحال، فإن
عمليات التدمير التي تمارسها الحكومة الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية حالياً هي
الجواب الوحيد على كل التساؤلات المطروحة.
فهل يفتح الفلسطينيون عيونهم جيداً على هذه
الحقيقة.. وقبل فوات الأوان؟