دلالة نشر تسجيلات القيادة الإسرائيلية في سيناء
خلال الأسبوعين الماضيين انشغلت الصحافة
والتلفزيون في إسرائيل بنشر ومناقشة نصوص التسجيلات الصوتية التي كشف عنها ضابط
اتصال إسرائيلي كان يعمل بمقر القيادة الإسرائيلية في سيناء أثناء حرب أكتوبر ·1973
وقد تبين من شهادة هذا الضابط المدعو عامير بورات أنه قام بتسجيل كافة الاتصالات
التي جرت بين مقر القيادة وجميع الوحدات المنتشرة في سيناء بناءً على أمر مباشر من
القائد الأعلى لجبهة سيناء الجنرال شموئيل جونين·
ولو تصفحنا نصوص هذه التسجيلات التي أخفاها
ضابط الاتصال لمدة ثلاثين عاماً في سقف منزله بناء على وصية الجنرال جونين
لاكتشفنا أنها تقدم صورة تفصيلية لمسار المعارك ولمناقشات كبار القيادات حول
المشكلات التي تواجهها القوات الإسرائيلية، كما توفر على نحو خاص صورة صوتية
للخلافات الحادة التي نشبت بين الجنرال جونين وبين الجنرال شارون الذي كان خاضعاً
لقيادته·
ويظهر من التصريحات التي أدلى بها ضابط
الاتصال بعد قيامه بتسليم الشرائط لوسائل الإعلام أن هدفه الأساسي من اختيار هذا
التوقيت للكشف عن الشرائط هو فضح مغامرات ومخالفات شارون لأوامر قائده الجنرال
جونين· وقد تبين من أحاديث الضابط التلفزيونية أنه قد امتنع على مدى ثلاثين عاماً
عن نشر الشرائط لعدة أسباب·
احتفظ جونين بمجموعة وثائق كتابية في كوخ
مجاور لمقر قيادته في سيناء، غير أن أجهزة الاستخبارات قامت بحرق الكوخ بطريقة
غامضة، وهنا شعر الجنرال جونين أن النية متجهة لحرمانه من الدفاع عن نفسه وإدانته،
فقام بتنبيه ضابط الاتصال عامير باليقظة تجاه محاولات أجهزة الأمن لإتلاف الشرائط·
بعد انتهاء العمليات قام الجنرال جونين بترتيب لقاء سري مع ضابط الاتصال عامير
وطلب منه إخفاء الشرائط في منزل ولديه إلى أن يطلبها منه·
يشير الضابط عامير إلى أنه لاحظ بعد أن صدر
قرار عزل الجنرال جونين أن الجنرال راح يخطط للانتقام لنفسه· في البداية تصور
الضابط عامير أن المسألة لا تعدو حالة ثورة عاطفية موجهة ضد ديان وشارون اللذين
لعبا دوراً في الإطاحة بمستقبل جونين، غير أن الضابط اكتشف أن المسألة قد تعدت
حدود العواطف عندما قام الجنرال جونين بشراء مسدس بهدف اغتيال ديان· ويكشف الضابط
عامير أن الجنرال جونين قد اختار ديان هدفاً له لأنه كان يتبادل معه المحبة
والثقة، وأنه لم يتوقع منه الغدر والشهادة ضده أمام لجنة التحقيق· ومن هنا استحق
ديان العقاب من وجهة نظر جونين على عكس شارون المعروف أصلاً بطبائعه الغادرة والذي
لم يشكل موقفه المعادي لجونين أية مفاجأة· ويبدو أن الحصار الذي ضربته أجهزة الأمن
على الجنرال جونين بعد عزله من الخدمة قد أحبط خطته للوصول إلى ديان واغتياله·
بعد وفاة جونين في أفريقيا عام 1991 وجد الضابط
عامير نفسه صاحب المسؤولية والقرار عن نشر الشرائط أو إعدامها·· غير أنه فضل
الاحتفاظ بها لفترة أطول حرصاً كما يصرح على عدم إثارة المشاعر في إسرائيل بسبب ما
تحويه الشرائط من مادة تكشف حدوث صراعات بين كبار القادة حول القرارات اللازمة
لمواجهة الهجوم المصري، وهي الصراعات التي أدت إلى قرارات خاطئة ومتضاربة تسببت في
ضياع حياة مئات من الجنود والضباط الإسرائيليين·
ويفهم من تصريحات الضابط عامير أن اختياره
للتوقيت الحالي لنشر الشرائط يأتي بتأثير الانتفاضة الفلسطينية الممتدة لمدة ثلاث
سنوات وتزايد الخسائر البشرية والاقتصادية والمعنوية الإسرائيلية، في الوقت الذي
يحاول فيه شارون أن يصور للإسرائيليين أنه أحرز انتصاراً نهائياً على الفلسطينيين·
وقد ركز الضابط عامير في أحاديثه التلفزيونية على أن مضمون الشرائط يؤكد أن شارون
شخصية تتصرف بتهور وبروح المغامرة، وأنه كان دائماً يخالف الأوامر الصادرة إليه من
قيادته· من ناحية ثانية سلط نشر الشرائط الأضواء من جديد على شخصية الجنرال ديان
صاحب انتصار عام 1967 على ثلاثة جيوش عربية· وإذا كنا نعرف من قبل أن ديان قد تعرض
لحالة انهيار معنوي حادة أدت برئيسة الوزراء جولدا مائير في ذلك الوقت إلى
الاستعانة بوزير الصناعة والتجارة الجنرال حاييم بارليف رئيس الأركان السابق
والمسؤول عن إنشاء خط الحصون الذي يحمل اسمه على الضفة الشرقية لقناة السويس ليقدم
لها تقييمه للوضع على الجبهتين المصرية والسورية، فإن الأضواء الجديدة الناجمة عن
نشر الشرائط كشفت عن شهادات إضافية تفيد أن رئيسة الوزراء قد أصدرت قراراً بمنع
ديان من الظهور أمام الجمهور في التلفزيون حرصاً على معنويات الجمهور والجنود· ذلك
أن ديان بعد أن زار جبهة سيناء في اليوم الثاني للقتال في السابع من أكتوبر واجتمع
مع الجنرال جونين واطلع منه على حجم الهجوم المصري الضخم علق أمام القادة بقوله إن
سلاحنا الجوي يمكن أن يعرقل تقدم المصريين، غير أن هذا لن ينفعنا لفترة طويلة، كما
أن الحصون تتساقط أمام هجومهم وليس هناك ما يوقفهم· عندما عاد ديان مع الجنرال
رحبعام زئيفي بطائرة خاصة إلى تل أبيب قال لزئيفي وهو في حالة انهيار معنوي تام:
أعتقد أننا نواجه خراب الهيكل الثالث· وهو التعليق الذي يعني اعتقاده باحتمال
تدمير إسرائيل· بعد ذلك اجتمع ديان برؤساء تحرير الصحف الإسرائيلية ليقول لهم إنه
بعد ما شهده على الجبهة يمكنه أن يصرح أنه ظهر أمام العالم أننا لسنا أقوى من المصريين·
وأنه ينوي الظهور على شاشة التلفزيون مساء ليصارح الشعب الإسرائيلي بالحقيقة التي
يراها·
وفي ضوء الشهادات الجديدة التي فجرها نشر
الشرائط تبين أن رئيس تحرير صحيفة هاآرتس قد طلب الكلمة وخاطب ديان ليعترض على
نيته مصارحة الشعب بما يعتقده محذراً إياه من خطورة هذه المصارحة وأنها ستحدث
زلزالاً من الرعب والفزع في إسرائيل وبين يهود العالم كافة· ويتبين أن كل هذه
التفاصيل قد تم رفعها على عجل إلى رئيسة الوزراء التي أصدرت قراراً بمنع ظهور وزير
دفاعها الجنرال ديان أمام الجمهور· ويمكننا من خلال رصد هذه التأثيرات التي أحدثها
نشر الشرائط أن نلاحظ أن الضابط عامير قد استطاع بعد ثلاثين عاماً من أحداث الحرب
وبعد اثني عشر عاماً من وفاة قائده الجنرال شموئيل جونين أن ينتقم لقائده الذي مات
مقهوراً في غابات أفريقيا· ذلك أن المقاطع التي تحظى باهتمام كبير من الصحافة
الإسرائيلية في التسجيلات الصوتية تظهر صوت شارون وهو يرفض إطاعة الأوامر الصادرة
إليه من قائده الجنرال جونين بما يؤدي إلى مزيد من الخسائر في صفوف القوات
الإسرائيلية: ومن بين هذه المقاطع الصوتية مقطع يكشف رفض شارون أمراً بتوجيه بعض
قواته لمساندته القوات الإسرائيلية التي تهاجم موقعاً استولى عليه المصريون ويسمى
موقع ميزوري · والمعروف أن رفض شارون للأمر الصادر إليه بتعزيز القوات الإسرائيلية
التي تحاول استرداد الموقع من أيدي المصريين قد أدى إلى تدمير معظم القوات
الإسرائيلية المهاجمة واضطرار بقاياها إلى الانسحاب تاركة الموقع في أيدي
المصريين· يقول نص المقطع المسجل بعد منتصف ليلة الحادي والعشرين من أكتوبر على
لسان الجنرال جونين والجنرال شارون ما يلي: أرييل هل يمكنك إرسال بعض التعزيزات من
وحداتك إلى القوات التي تهاجم موقع ميزوري ؟
الجنرال شارون: كلا· ليس لديّ قوات يمكنني
الاستغناء عنها·
الجنرال جونين: عليك أن ترسل الوحدة التي
يقودها آمنون·
الجنرال شارون: كلا لن أرسل أي قوات في أي
حال من الأحوال·
الجنرال جونين: أرييل هذا أمر صادر إليك·
الجنرال شارون: كلا·
الجنرال جونين: هذا عصيان لأمر عسكري·
الجنرال شارون: دعنا من هذا النوع من الكلام·
إن المقطع الصوتي السابق يكشف نوع العناد
الذي مارسه شارون مع قائده ويبين أن المسؤولية عن فشل الهجوم على موقع ميزوري لا
يتحملها الجنرال جونين بل شارون الذي رفض أمراً بإرسال التعزيزات لينقذ القوات
الإسرائيلية هناك· ولا شك أن هذه هي الدلالة الرئيسية التي أراد الضابط عامير أن
يوصلها إلى الجمهور الإسرائيلي بنشر الشرائط في هذا التوقيت الذي يقود فيه شارون
دولة إسرائيل بطريقة تؤدي إلى مزيد من الخسائر·
-------------------------------------------