بقلم:
الدكتور محمد بسام يوسف
على
الرغم من حالة العداء الظاهرية التي اتسمت بها العلاقة السورية الأميركية خلال
العقود الثلاثة الماضية .. إلا أنّ الموقف من القضية اللبنانية بكل ما فيها من
حروبٍ وصراعاتٍ داخلية .. كان دائماً يمثل نقطة التقاءٍ وتقاطعٍ لافتة، بين
المصالح السورية والمصالح الأميركية ومن ورائها معظم المصالح الإسرائيلية في لبنان
.. إلى أن قدّمت أميركة بواسطة وزير خارجيتها (كولن باول) في أيار 2003م لائحة
مطالب جدّية، ينبغي على سورية أن تستجيب إليها من غير أي مواربةٍ أو تسويف، على
رأس هذه المطالب : انسحاب الجيش السوري من لبنان، ولجم قوات حزب الله، وتنفيذ خطوة
نشر الجيش اللبناني في الجنوب!.. فما حقيقة الوضع السياسي والإقليمي الذي أدى إلى
التغير الواضح في السياسة الأميركية تجاه دمشق وبيروت؟!..
التدخّل
السوري في لبنان
لقد
كان الهدف الاستراتيجي لدخول الجيش السوري إلى لبنان (عام 1976م) بعد اندلاع الحرب
الأهلية اللبنانية (عام 1975م) .. هو أن تتحوّل سورية إلى قوّةٍ إقليميةٍ مؤثرةٍ
ولاعبٍ هام، عن طريق كسب ثقة الغرب وأميركة، مع عدم خسارة دعم ما كان يُعرَف
بالاتحاد السوفييتي والكتلة الشرقية .. وذلك بإحكام السيطرة السورية على لبنان بكل
ما فيه من قوىً وطنيةٍ ومراكز ثقل، وكذلك على منظمة التحرير الفلسطينية والقوى
الفلسطينية المختلفة، التي كانت تتخذ من لبنان قاعدةً لشنّ عملياتها العسكرية ضد
إسرائيل ضمن مشروع مقاومةٍ حقيقيةٍ لتحرير فلسطين!..
بذلك
التقت الطموحات السورية مع المصالح الأميركية والإسرائيلية، ما أدى إلى إطلاق
الخطة الجهنمية (كما يصفها الصحفي البريطاني "باتريك سيل" صديق حافظ
الأسد) التي رسمها وزير خارجية الولايات المتحدة الأسبق (هنري كيسنجر) ..
للاستفادة من التدخل السوري في لبنان، وإقناع إسرائيل بفوائد هذا التدخّل، ضمن
تفاهمٍ ضمنيٍ أُطلق عليه: (اتفاقية الخطوط الحمر)، التي منحت أميركةُ -بموجبها-
النظامَ السوري .. الضوءَ الأخضر لاجتياح لبنان!.. وقد تم هذا الاجتياح تحت غطاء
تلبية سورية الأخوية لطلب الرئيس اللبناني (سليمان فرنجية) والقوى المارونية،
بالتدخّل ضد القوى الفلسطينية وحلفائها من القوى اللبنانية، التي كانت قد بدأت
تسيطر على ساحة الصراع وتهدّد القصر الرئاسي اللبنانيّ!..
أهم
أحداث التدخّل السوري في لبنان ومنعطفاته
ثلاث
حقائق لافتة ميّزت التدخّل السوري في لبنان :
الأولى
: أنّ الدور السوري في لبنان بدأ بتدخلٍ
عسكريٍ عام 1976م، تحت ذريعة إنهاء الحرب الأهلية .. وانتهى عام 1990م بنفوذٍ
سوريٍ بلا منازع، تحوّل نتيجته لبنان إلى دولةٍ واقعةٍ تحت سيطرةٍ سوريةٍ ووصايةٍ
كاملة : سياسيةٍ وعسكريةٍ وأمنيةٍ وإدارية!..
الثانية
: أنّ النظام السوريّ تحالف -تقريباً- مع
كل القوى الموجودة على الساحة اللبنانية .. كما حاربها كلها أيضاً وضربها!..
الثالثة
: يكاد لا يشذّ عن جوهر الحقيقة الثانية
المذكورة آنفاً، سوى الموقف من منظمة التحرير الفلسطينية، التي كانت تحمل عبء
القضية الفلسطينية على الساحة اللبنانية، فقد كان موقف النظام السوري منها منذ
اجتياحه لبنان وحتى الآن .. موقفاً معادياً ضارباً مضاداً!..
لعل
من أبرز منعطفات التدخّل السوري في لبنان المحطات التالية :
1-
لقد دخل الجيش السوري لبنان (عام 1976م) وكان أول إنجازٍ له، هو سحق المقاومة
الفلسطينية، ثم رعاية عملية سحق مخيم (تل الزعتر) الفلسطيني على أيدي قوات الكتائب
المارونية!..
2-
تَدَخّل النظام السوري في أول انتخاباتٍ رئاسيةٍ لبنانية تجري بعد دخوله لبنان،
فدعم مرشّح أميركة (إلياس سركيس) ضد مرشح الكتلة الوطنية (ريمون إده)، وانتُخِب
(سركيس) رئيساً للجمهورية اللبنانية بحراسة الحراب السورية!..
3-
انسحبت القوات السورية من أمام القوات الإسرائيلية لدى اجتياحها لبنان عام
(1982م)، ثم وقّعت مع إسرائيل اتفاقية وقف إطلاق النار بعد خمسة أيامٍ فقط من
الاجتياح الإسرائيلي، تاركةً المقاومة الفلسطينية والقوى الوطنية اللبنانية تواجه
مصيرها أمام الجيش الإسرائيلي وحلفائه الموارنة، فاحتُلَّت العاصمة بيروت،
وارتُكِبَت فيها المجازر المروّعة، كان أبرزها مجازر صبرا وشاتيلا، وذلك بعد إنهاء
وجود المقاومة الفلسطينية بضغطٍ عسكريٍ إسرائيليّ، وتواطؤٍ سوريٍ أميركيٍ
مارونيّ!..
4-
دَعَمَ النظام السوريّ الانشقاقات الفلسطينية عن حركة فتح، وحرّض القوى المنشقة ضد
الفلسطينيين وضد القيادة الفلسطينية الشرعية!..
5-
دَعَمَ النظام حركة (أمل) الشيعية ضد القوى الفلسطينية، وقد أفرز ذلك ما عُرِف
بحرب المخيمات، التي سُحِقَت ودُمِّرَت وارتُكِبَت فيها المجازر، على أيدي مقاتلي
(أمل)، ثم على أيدي مقاتلي الحركات الفلسطينية المنشقة -بدعمٍ سوريٍ- عن منظمة
التحرير الفلسطينية!..
6-
اجتياح طرابلس وإنهاء وجود جماعة التوحيد الإسلامية السنية بزعامة الشيخ (سعيد
شعبان)، مع تصفية حلفاء الجماعة الفلسطينيين!..
7-
رعاية (إيللي حبيقة) رئيس جهاز أمن ميليشيا القوات اللبنانية المارونية، المتهم
الأول بارتكاب مجازر صبرا وشاتيلا المروّعة، وجاسوس إسرائيل في لبنان .. رعايته
وحمايته ودعم تنصيبه وزيراً في وزاراتٍ عدّة!..
8-
استمرار التدخّل في الشؤون الداخلية اللبنانية ودعم ترشيح (أمين الجميّل) إلى
رئاسة الجمهورية اللبنانية، وكذلك دعم ترشيح الرؤساء اللبنانيين الذين تعاقبوا على
حكم لبنان بعد (الجميّل)، باتفاقٍ مع أميركة، خاصةً ما عُرف باتفاق :
الأسد-مورفي!..
9-
قَبَضَ النظام السوري -على الصعيد اللبناني- ثمن تحالفه مع أميركة ضد العراق في حرب
الخليج الثانية ..قبض تفويضاً أميركياً دولياً لحسم الأمور لصالح سورية في لبنان،
وهو ما حدث عندما تدخلت القوات السورية وأخرجت العماد (ميشيل عون) من قصر الرئاسة
وأطاحت به، دون أن يثير تدخلها احتجاجا دولياً كما جرت العادة في مثل هذه
الأمور!..
اتفاق
الطائف وجدل سوري لبناني
وقّعت
الأحزاب والقوى اللبنانية اتفاقية (الطائف) في 22/10/1989م، برعايةٍ عربيةٍ
ودولية، ودشّنت هذه الاتفاقية عهداً جديداً من تاريخ لبنان عنوانه: انتهاء الحرب
الأهلية، وتنظيم العلاقة بين القوى المختلفة، وبين لبنان وسورية .. وكان من ثمرات
هذه الاتفاقية، أن ينسحب الجيش السوري من بيروت وبقية المناطق إلى البقاع اللبناني
خلال سنتين، تمهيداً لانسحابه الكامل من لبنان .. لكن هذا لم يحصل، بل استغل النظام
السوري اتفاقية الطائف، ليكرّس سيطرته العسكرية والأمنية، ووصايته على القرار
اللبنانيّ في مختلف المجالات السياسية والإدارية، فأحكم سيطرته على رئاسة
الجمهورية ومجلس الوزراء ومجلس النواب، وأخذ يفرض قوانين الانتخاب المناسبة
لمصلحته، ويفرز القوى اللبنانية إلى مواليةٍ ومعارضة، فيقرّب الموالية له من مراكز
صنع القرار ويبعد المعارضة .. إلى أن استطاع أن يصنع طبقةً سياسيةً تشريعيةً
وتنفيذيةً مواليةً له بشكلٍ مطلقٍ تقريباً، على صعيد الجيش وأجهزة الأمن والبرلمان
ومجلس الوزراء ومؤسسات الدولة والسلطة الدستورية، فضمن
بذلك حماية السياسة الخارجية والداخلية التي تدعم وجهة النظر السورية، الأمر الذي أغضب بعض
القوى اللبنانية (تيار العماد ميشيل عون، والكتائب، والقوات اللبنانية، ووليد
جنبلاط وحزبه الاشتراكي)، التي بدأت تتململ من ممارسات النظام السوري، ثم رفعت
صوتها عالياً مطالبةً سورية بسحب جيشها من لبنان احتراماً لاتفاقية الطائف، خاصةً
بعد انسحاب إسرائيل من الجنوب!.. ولم يقتصر الأمر على الدعوة إلى انسحاب الجيش
السوري وحسب، بل على إنهاء الدور السياسي والأمني السوري في لبنان، ووقف كل أشكال
التدخّل بشؤونه الداخلية، وترك اللبنانيين يديرون مؤسساتهم الدستورية بأنفسهم
بحرّيةٍ واستقلالية!..
المتغيّرات
الإقليمية وتحوّلات الموقف الأميركي
أميركة
على اقتناعٍ تامٍ بأنّ الدور السوري الإقليمي الذي يخدم مصالحها في لبنان والمنطقة
.. لم يعد قائماً ولا ملائماً، لأنّ منطقتنا -حسب وجهة النظر الأميركية- دخلت
منعطفاً إقليمياً ودولياً هاماً مغايراً، بدأ منذ إعلان الإدارة الأميركية الحرب
على ما يسمى بالإرهاب، ولم ينتهِ بالنصر العسكري الأميركي على العراق، مع الرغبة
الأميركية بفرض حلٍ للقضية الفلسطينية يلائم خططها في المنطقة، ويتناسب مع النـزعة
العدوانية الاحتلالية للحليف الإسرائيلي .. وهذا ما يفرض على أميركة وإسرائيل
تجريد سورية من الورقة اللبنانية، بما تحتويه من أوراق فرعية : (حزب الله، وسوق
العمل اللبناني الذي يشغله حوالي مليون عامل سوري، ومكتسبات الشخصيات السورية ذات
النفوذ من أرباح الشركات اللبنانية، ..)، وذلك تمهيداً للدخول في عملية السلام بين
سورية وإسرائيل بموقفٍ سوريٍ ضعيف!.. ولعل أميركة وإسرائيل لن تعثرا على أفضل من
هذه الظروف السياسية القائمة في المنطقة، للضغط على سورية، ولهذا كانت المطالب
الأميركية المقدمة إلى سورية قاطعةً وحازمة، على رأسها ضرورة الانسحاب من لبنان!..
الموقف
السوري من المطالب الأميركية
النظام
السوري نظام مداور مناور، وقد استطاع في العقود الماضية، أن يكون لاعباً إقليمياً
ناجحاً في أغلب الأحيان، مستفيداً من تقاطع المصالح مع أميركة تارةً، ومن تقاطع
مصالح واشنطن وموسكو في دمشق تارةً أخرى .. لكنه في كثيرٍ من الأحيان كان يتنازل
ثم يتنازل بصورةٍ مذلّة، ويتحوّل ويغيّر جلده بسرعةٍ كبيرة عند اشتداد الخطر عليه،
غير آبهٍ للشعارات أو للمبادئ التي يزعم أنه يعتنقها، فقد دخل لبنان بحجة حمايته
من إسرائيل، ثم كان أول الفارّين من وجه الجيش الإسرائيلي، وزعم أنه ألدّ أعداء
الإمبريالية وأميركة، فإذا به يعقد الصفقات والاتفاقات معها ويختبئ تحت عباءتها
وغطائها دولياً في لبنان، ويزعم حمله لواء تحرير فلسطين، ثم يسحق المقاومة
الفلسطينية ويتآمر عليها إلى أن يبعدها نهائياً عن لبنان وعن حدود إسرائيل، ولدى
فتح ملفه في واشنطن داعماً للإرهاب وتهديده بقانون (محاسبة سورية)، تعاون مع
أميركة فيما يسمى بمكافحة الإرهاب، بل قدم ما لديه أو ما لفّقه من وثائق للمخابرات
الأميركية، وأعلن أنه ساعد أميركة على حماية مواطنين أميركيين، وبعد زيارة (باول)
إلى دمشق وتقديمه المطالب الأميركية، اتخذ النظام إجراءاتٍ لإغلاق مكاتب التنظيمات
الفلسطينية في دمشق، وللجم حزب الله في لبنان، ثم بدأ بعمليات إعادة انتشار خفّض
خلالها عدد الجنود السوريين العاملين في لبنان بضعة آلاف .. وهكذا .. يبدو أن
سلسلة التنازلات السورية ليس لها نهاية، لكن إلى أي مدىً يمكن للنظام السوري أن
يستمر في تنازلاته؟!..
الموقف
السوري المستقبلي فيما يخصّ مطلب الانسحاب من لبنان
إنّ
سيطرة النظام السوري المطلقة على لبنان خلال أكثر من ربع قرن، جعلته يمتلك إحدى
أهم أوراق الضغط السياسية، وأهّلته لدورٍ إقليميٍ متضخّم، ولعلنا نلاحظ أن أميركة
طالبت سورية بخروج جيشها من لبنان، لكنها لم تطالبها بإنهاء دورها السياسي ونفوذها
الأمني فيه!.. من هنا يمكن القول: إن خروج الجيش السوري من لبنان، لن يكون له
الأثر الكبير على النظام السوري، ما لم يترافق مع إنهاء الدور السوري السياسي
والأمني داخل لبنان، وبما أنّ سورية استطاعت أن تصنع طبقةً سياسيةً وعسكريةً
وأمنيةً لبنانيةً مواليةً لها هناك، فإنها يمكن أن تحتفظ بمعظم أوراق اللعبة عن
طريق وكلائها في مؤسسات الجيش والأمن والسلطة اللبنانية، ما لم تحدث أمور ليست في
الحسبان، تقلب الأمور في ذلك البلد رأساً على عقب!.. وعلى كل الأحوال فإن النظام
السوري -بتقديرنا- سيذعن للمطالب الأميركية ويخرج جيشه من لبنان، لكن ليس قبل أن
يقبض ما يتيسّر له من ثمن ذلك سياسياً في الأقل، وقد قام فعلياً برابع عملية
انتشارٍ لجيشه في تموز الماضي 2003م، وبها تراجع عدد جنوده في لبنان إلى النصف
تقريباً (أقل من 20 ألفاً بدلاً من 35 ألفاً)، بل هناك مَن يتحدّث عن انسحابٍ
كاملٍ في مطلع العام القادم (2004م)!..
الخميس
في 4 من أيلول 2003م