المقاومة العراقية و شرعية الاحتلال الأمريكي
جاء الأمريكان إلى العراق كشأن أي محتل
بتبرير للاحتلال وهو تحرير الشعب العراقي من سطوة نظام صدام القمعي .. وتحدث
أساطين "العصابة" الفاشية التي تحكم أمريكا عن مهمة التحرير التي لونت
بطابع ديني "مهمة إلهية" من أجل تحرير الشعب العراقي من العصابة
الصدامية.
ويا لها من سخرية عجيبة - إذ تعتزم
"عصابة مجرمة" أن تحرر شعبًا من عصابة مجرمة أخرى لتستفيد هي .. وهذا ما
قد حدث في العراق .. فقد أزيحت عصابة البعث القومي لتحل محلها عصابة صليبية
صهيونية تزعمها "جارنر" فترة .. ويقودها اليوم "بريمر" باسم
اليمين الديني المحافظ الذي يحكم أمريكا.
وكشفت الأحداث أن هدف المحافظين الجدد ليس
تحرير الشعب العراقي وإنما تحقيق المطامع الأمريكية - الصهيونية بفرض الهيمنة على
العراق كخطوة أولى نحو إعادة ترتيب أوضاع العالم كله وفق الأجندة الإمبراطورية
للمحافظين الجدد.
ولم تخف أمريكا أنـها قوة احتلال .. واستحصلت
قراراً من الأمم المتحدة تضمن كونـها قوة احتلال للعراق ..
وبعد سقوط صدام في التاسع من إبريل الماضي
وبداية تدشين الحقبة الأمريكية في العراق - والتي بالمناسبة جعلها مجلس الحكم
الانتقالي عيداً قومياً للبلاد - عمت الأجواء فوضى عارمة .. وكأن أمريكا تصاحبها
الفوضى أينما راحت وحلت .. وجد الشعب العراقي نفسه في ضياع .. لا خدمات .. لا
مؤسسات .. لا مرتبات .. لا وظائف .. وفي نفس الوقت بحكم وضع المحتل .. فإن الجنود
الأمريكان يمارسون سلطة قمع وقهر ضد مواطني البلاد الذين انخدع أغلبهم بنوايا
الأمريكان فظنوهم محررين .. وهم مخربون .. "إرهابيون".
ولم يتحسب المحتلون القادمون لأوضاع "ما
بعد سقوط صدام" .. فقد أسكرتـهم القوة الغاشمة عن التفكر فيما بعد الحرب ..
ماذا يكون أمر الاستقرار والسلام؟ وبينما استطاعت القوة الأمريكية أن تسقط البعث،
وأن تسكت بعث سورية ونظامها بالتلويح باستخدام القوة وهتك أستار الحدود الوهمية
بين البلدين، وأن تسقط نظام إيران وتركيا والسعودية ومصر .. لكنها بالقوة عجزت عن
أن تعيد ترتيب الأوضاع المجتمعية والأهلية التي تضمن السلم والاستقرار في البلاد
.. وصرنا بإزاء مشاهد الجنود الأمريكان وهم يقتحمون ويفتشون ويكبلون وهم يتسربلون
بسرابيل الغشم في مواجهة من جاءوا لتحريرهم .. ومن هنا سقطت تماماً أكذوبة التحرير
في الوعي العراقي والعربي والعالمي وحتى الأمريكي نفسه .. إنـها قوة احتلال تسعى
للسيطرة والاغتصاب والهيمنة في مواجهة العروبة والإسلام لصالح الأمركة والصهينة.
التحرير الحق :
في الإعلام تتتابع مشاهد ما يحدث في العراق
وفلسطين ولا يكذب حدس المشاهد حين يرى نموذجاً واحدًا لمشهدين مختلفين .. نموذج
المحتل الأمريكي في العراق بنفس الملبس والصورة والممارسات ونموذج المحتل الصهيوني
في فلسطين .. وهما مدرسة واحدة في الفكر والأمن .. وشعب العراق وفلسطين مدرسة
واحدة في المقاومة ورفض الاحتلال.
لم يعد الأمر أمر شرعية أمريكا في مواجهة
شرعية صدام - وإنما دخلت على الخط شرعية جديدة هي التي ستكتب في تقديرنا - الفصل
المعاصر والمستقبل لتاريخ العراق .. هذه هي شرعية المقاومة .
لقد فاجأت المقاومة العراقية أمريكا حتى قبل
أن تسقط بغداد بالمؤامرة والخيانة .. فالترتيبات الخيانية من قبل مستخدمي أمريكا
في المعارضة العراقية وداخل النظام العراقي ذاته جعلت الأمريكان يتصورن أنـهم سيستقبلهم
العراقيون بالرياحين والورود .. لكن المقاومة كانت مفاجأة ..
بيد أن هذه المقاومة كانت في ظل نظام وجوده
في الميزان .. وبعد سقوطه ظن الأمريكان أن لحظة الراحة وجني ثمار الحرب قد حانت ..
فإذا بالمقاومة العراقية العظيمة تبدأ من اليوم الأول لسقوط بغداد ..
وأشاع الأمريكان وأذنابـهم أن المقاومة مجرد
فلول النظام البائد .. لكن المتابع لأخبار المقاومة سوف يلاحظ أنـها تتصاعد كما
أنـها تتسع كما أنـها تتجه لتكون أكثر تنظيماً وفعالية ..
وتشير التقديرات الأمريكية إلى أن خسائر
القتلى من الجنود الأمريكان بلغت 212 جندي أمريكي وإصابة ألف منذ بداية الحرب في
أواخر مارس الماضي. وتشير التقديرات الأمريكية إلى أن أكثر من ثمانين جندياً
أمريكياً قتلوا منذ إعلان بوش: وقف العمليات العسكرية الرئيسية في أول مايو الماضي
.. أي أن الحرب لم تضع أوزارها بعد .. وأن المهمة التي قال بوش أنـها أنجزت لا
تزال - بعد - جرحاً نازفاً في الجسد الأمريكي.
وتشعر أمريكا بالورطة الخطيرة في العراق لذا
فإنـها تسعى لدعوة عدد من الدول قيل إنـها تسعون لتشكيل قوة للتحالف في العراق،
لكن هذه الدول لم يوافق منها بعد أي دولة كبيرة ذات حيثية .. وآخر الصفعات التي
تلقتها أمريكا في هذا السياق هو رفض الهند المشاركة بإرسال قوات إلى العراق.
إذن لم يعد تاريخ التاسع من أبريل العراقي
تاريخًا أمريكياً - وإنما هو تاريخ تدشين المقاومة العراقية في مواجهة المحتل
الأمريكي ..
ولنتأمل تصريحين للمستكبر الأمريكي رامسفيلد
بشأن المقاومة العراقية لندرك كيف أثرت هذه المقاومة على الإدراك الأمريكي .. فهو
يقول بعد سقوط بغداد بقليل "المقاومة العراقية ليست حرباً للعصابات ..
وأمريكا لم تسقط في المستنقع العراقي" .. "المشكلات في العراق تسببها
خمس فئات هم فلول صدام وعشرات الآلاف من المجرمين الذين خرجوا من السجون، واللصوص
والأجانب الذين دخلوا العراق والأشخاص الذين يخضعون لنفوذ إيران" .. وهي فئات
لا تشكل أي شيء يشبه حرب العصابات أو المقاومة المنظمة .. إن ما يجري لا يمكن وصفه
بالمقاومة.
وبعد ثلاثة أشهر من المقاومة وفي الرابع عشر من
الشهر الماضي "يوليو" قال المتصهين الأمريكي "إنه يتوقع صيفاً
صعباً للجنود الأمريكان في العراق ومزيداً من القتلى في صفوفهم" وأن التقدم
الأمريكي - البريطاني - على حد قوله - في العراق سوف يزيد من شراسة الهجمات
ووحشيتها".
والواقع إن المقاومة للمحتل وضعت الأمور في
نصابـها بحيث صار مطلب التحرير من جانب المقاومة للشعب العراقي في مواجهة المحتل
الأمريكي هو الوضع الطبيعي والشرعي الصحيح. وليس التحرير الزائف الذي رفع شعاره
محتل مجرم من مستبد طاغية آثم.
المقاومة .. إطار جديد :
كشفت لنا وقائع ما جرى في العراق أن المجتمع
العراقي كان أقوى من أنظمة الطغاة المستبدين .. واستطاع أن يحتفظ بمحاضنه الأهلية
بعيدة عن عبث السلطان الغاشم .. المسجد .. القبيلة .. الأعراف والتقاليد العربية
الإسلامية .. ولم يكن متصوراً أن المجتمع الأهلي العراقي يمتلك صحة وعافية بعد
تداول نظم القمع والاستبداد عليه لأكثر من أربعين عاماً .. لكن انتفاضة المجتمع
الأهلي العراقي بعد سقوط نظام صدام وتنسم أجواء الحرية الجديدة شكلت وعاء لمقاومة
المحتل الجديد والشيء المؤكد أن العودة للإسلام قد اتسعت بقوة في ظل سنوات الحصار
للعراق، وشعر المواطن العراقي أن الإسلام هو ملجؤه الوحيد من القمع والاستبداد
والحصار، ومن الواضح أن إطار المقاومة الجديدة يتشكل بشكل أساسي في المناطق
العربية السنية بوسط العراق حول بغداد ومحيطها الكبير .. لإدراك المنطقة العربية
والسنية أن الترتيبات الأمريكية الجديدة هي ترتيبات طائفية بشكل أساسي تستهدف
القضاء على عصبية العراق العربية - السنية .. وهي القضية التي تشكل عليها العراق
الحديث منذ تأسيسه عقب الحرب العالمية الأولى في إطار تسويات سايكس - بيكو.
ومن الواضح أن الشيعة في العراق يراهنون هم
ومرجعياتـهم الفقهية على الترتيبات الأمريكية، ومن ثم فهم يفتون لمواطنيهم الشيعة
بعدم الانخراط في المقاومة ضد الأمريكان .. إنـهم لا يريدون معاداة الأمريكان ..
وهم يقدرون أن أمريكا هي التي ستأتي بحقوقهم التي حرمهم منها نظام صدام .. لذا كان
تشكيل مجلس الحكم الانتقالي الكارثي - الذي تم تدشينه منذ الثالث عشر من الشهر
الماضي تعبيراً عن تعميق الطائفية في العراق فيما يشبه "اللبننة" و
"البلقنة" حيث مثل الشيعة فيه 14 عضواً ومثل الأكراد خمسة أعضاء ومثل
العرب خمسة أعضاء ومثل المسيحيين واحد .. ولا تزال في الجعبة الأمريكية خطط تطرح
بقوة مسألة تقسيم العراق .. بدلاً من وحدته .. فالاحتلال دائماً أدواته: الطائفية
والتقسيم والتفرقة.
لذا فإطار المقاومة الذي يمثل قاعدته العرب -
السنة يمكن أن يجذب إليه مقاومين من الطوائف الأخرى على قاعدة التحرير والتوحيد ..
وعلى قاعدة الانتماء العروبي - الإسلامي لأن الطوائفية يمكن أن ترى في الكيان الصهيوني
صديقاً طالما تحقق لطائفته مصالحها، وكما هو معلوم فإن التقسيم على أساس الطوائف
في العالم العربي هو مشروع صهيوني بالأساس .. جرت محاولة تنفيذه في لبنان لكن
المقاومة أفشلته.
إذن؛ إطار المقاومة سيتم الفرز داخله على
أساس العروبة - الإسلام - التوحيد - التحرير، وفي هذه الحالة فإن مشروع المقاومة
وإطارها سيكون بالضرورة ضد الطائفية ضد الاحتلال الأمريكي ضد الهيمنة الصهيونية ضد
ثقافة الاستسلام والشرق أوسطية والتطبيع والأمركة .. إلخ .
والمؤكد أن هناك إطاراً فكرياً تنطلق
المقاومة على أساسه ضد الأمريكان .. وهذا الإطار له طابع إسلامي جهادي بالمعنى
الإحيائي الحركي .. ولا يتوقع أن يكون هذا الإطار المقاوم الجديد تعبيراً عن جماعة
معينة موجودة أو تعبيراً عن توجه إسلامي معين، وإنما هو إطار جديد وليد الحالة
العراقية، وله طابع جهادي مستقبلي مقاوم.
والأرجح أنه سوف يأخذ في حسبانه تجربة حماس
والجهاد في فلسطين ويترسمها، كما أنه سيضع في حسبانه التجارب الأخرى مثل التجربة
اللبنانية والأفغانية والجزائرية.
كما قد يستقطب هذا الإطار تيارات جهادية من أماكن أخرى من العالم، وربما يكون
قاعدة لانطلاق حالة جهادية عربية في مواجهة الاحتلال الأمريكي؛ ومن هنا فالحديث عن
وجود جهاديين عرب في صلب المقاومة العراقية هو حديث معتبر، وكما هو معلوم فإن
أمريكا لها أعداء كثيرون في العالم .. وقد ينقل تنظيم القاعدة خطوط مواجهته في قلب
العراق .. باعتبارها منطقة أكثر حيوية واستراتيجية من أفغانستان كما أن عبء تكبيد
الأمريكان خسائر في العراق هو أكثر تكلفة منه في أفغانستان.
مستقبل العراق .. المقاومة :
لقد استفاق الأمريكيون على حقيقة أن العراق
لن يكون لقمة سائغة مع بزوغ عمليات المقاومة واحتمالات اتساعها .. ومن ثم فإن
الإجراءات الأمريكية لن تحظى بأي شرعية لأنـها شرعية المحتل .. ومن ثم فمستقبل
العراق مرهون بالمقاومة وليس بالإجراءات الأمريكية.
وفي الواقع فإن المقاومة العراقية تنـزع
الشرعية أيضاً عن النظم التي تتنصل من مواجهة مسؤولياتـها العربية تجاه العراق .. إلى
حد الطلب من دول عربية كمصر المشاركة بقوات ضمن التحالف الأمريكي لاحتلال العراق.
وفي الواقع فإن المقاومة العراقية لها بركتها
المتمثلة بشكل أساسي في بعثرة أوراق المحافظين الجدد الأمريكان رعاة البقر، بحيث
لم يعد سهلاً على أمريكا أن تمضي في خططها لفرض حالة إمبراطورية على العالم العربي
بالقوة .. لأن الحالة العراقية أسقطت مقولات المحتل وخبرائه ومستخدميه من المثقفين
الغربيين المرتبطين به .. ومن ثم فإذا تحول العراق إلى فيتنام جديدة .. فإن هذا
سيؤكد عقدة فيتنام في الضمير والرأي العام الأمريكي .. ويؤكد أن إعادة صياغة
المجتمعات وهندستها استناداً على القوة وهم كبير.
المقاومة العراقية لا تحدد مستقبل العراق
وحده وإنما تحدد مستقبل المنطقة العربية بأكملها ونظمها الرسمية ومؤسساتـها .. وهي
تمثل خط دفاع حقيقي لحماية العرب والمسلمين من محور "الشر" الأمريكي -
الصهيوني .
ولن نكون مبالغين إذا قلنا أن العراق
والمقاومة سيحددان المستقبل السياسي لمن وقعوا قرار احتلاله وشن الحرب ضد أهله ..
فالمعلومات الآن تتحدث عن تسويق واختلاق معلومات كاذبة في بريطانيا وإيطاليا
وأمريكا واستراليا لتدشين الحرب على العراق بدعوى حصوله على يورانيوم من النيجر
وإمكانـه نشر أسلحة دمار شامل في 45 دقيقة .. واعترفت أمريكا وأساطينـها باختلاق
معلومات حول أسلحة العراق غير التقليدية لإعطاء انطباع لدى المواطن الأمريكي أن
أمن أمريكا القومي في خطر .. اعترف "بوش وتينيت ورامسفيلد وكونداليزا
رايس" بذلك .. بينما حكومة العمال في بريطانيا في مأزق بسبب كشف معلومات
جمعتها من رسالة لطالب دكتوراه من على الإنترنت، وضمنتها الوثائق التي كانت حجتها
في شن الحرب على العراق .. كذب في بريطانيا واستراليا وأمريكا وإيطاليا على الرأي
العام .. نعم لتنفيذ أهداف وأغراض الطبقات الحاكمة في هذه البلدان وكلها تنتمي إلى
التيار اليمني الديني المحافظ ..
والمعلومات تتحدث عن تدهور شعبية
"بوش" وتعرضه للمساءلة وتدهور شعبية بلير، ومع استمرار المقاومة وتكبيد
الاحتلال خسائر كبيرة فإن الرأي العام الذي اكتشف كذب تجار الحرب وصناعها سوف
يطالب بإعادة أبنائه إليه، وترك العراق لأهله، فظني أن عجلة التاريخ لا يمكن أن
تعود إلى الوراء .. وأن المقاومة والحق سينتصران في النهاية ويخرج المحتل كما خرج
بالأمس مدحوراً مهزوماً ...