الديموقراطية الغائبة

 

 

بقلم : د.نورة السعد

nora_23@anet.net.sa 

 

يرى عدد من المحللين لعلاقة القيم والأخلاق بدورة الحياة في المجتمعات أنه في هذا العالم القيمي والأخلاقي هناك قواسم مشتركة عديدة بين الشعوب.. وأن الخلاف الجوهري بين أخلاق الشعوب يتضح في (سلم القيم) وفي القاعدة الأخلاقية لهذه القيم.. وحين يصيب الوهن قيمة من هذه القيم فإنها في الغالب لا تغيب غياباً تاماً ولا تسقط من أجندة الأخلاق في ذلك المجتمع ولكنها تعود لحالة كمون تنتظر ظروفاً مواتية لعودتها وتفعيل نشاطها من جديد..

ويبدو أن قيمة (الديموقراطية) كملمح أساس يرى المحللون الغربيون أنها من ركائز تحقيق التقدم الهائل الذي تعيشه حضارة الغرب وإن كان مايكل نيومان كما سبق أن استعرضت آراءه حول دور الديموقراطية في تقدم الغرب لا يقتنع بذلك ويرى أن التقدم العلمي والتكنولوجي الذي أسهم في حضارة الغرب حدث قبل تغلغل (الديموقراطية) في المؤسسات المدنية في تلك الفترة.

ويبدو أن أحداث العالم منذ أحداث سبتمبر 2001م قد برهنت على بداية (تغييب مفهوم الديمقراطية) من أجندة تعامل الإدارة الأمريكية مع المواقع الإعلامية والمراكز البحثية ومؤسسات وأجهزة الدول التي ترى أنها لا تخضع لمطالبها ولا تلبي رغباتها ولا تقول (سمعاً وطاعة) لأوامر تلك الإدارة..

ولا نحتاج إلى نبش الماضي كي نقيم البرهنة على هذه العبارة، فالحرب على أفغانستان كانت بداية التعامل مع مفهوم (غياب الديموقراطية) ليس فقط من أجل قرار الحرب الظالمة هناك بل أيضاً التعامل مع وكالات الأنباء ومكاتب القنوات العربية التي كانت تنقل الأحداث المأساوية هناك، فتم تدمير مكتب قناة الجزيرة بالصواريخ لإسكاتها حتى لا تنقل الخبر بالصوت والصورة.. ومروراً بما حدث في العراق من اعتساف للشرعية الدولية وعدم الرضوخ لأي صوت أوروبي وليس فقط عربي لمنع هذه الحرب..

هذه الوقفات الجسيمة لسيطرة ديكتاورية صياغة الحروب واكبتها حملة إعلامية لمنع أي صوت يعبِّر عن مناهضة رغبات الإدارة الأمريكية وما إغلاق مركز الشيخ زايد للتنسيق والمتابعة التابع للجامعة العربية مؤخراً إلا صورة عملية لغياب (قيمة الديموقراطية) من أجندة تعامل الإدارة الأمريكية معنا مسلمين وعرباً وأصحاب قضية.. في الوقت الذي تلوح فيه هذه الإدارة الأمريكية عبر مشروعاتها التحديثية (بقميص الديموقراطية).. وتدعي أنها ستحققها ولو عن طريق التدخل السافر في سياسات الدول التي ترى أنها لا تنعم بالديموقراطية ولا تحققها لشعوبها!!

@@ إغلاق مركز الشيخ زايد للتنسيق والمتابعة التنويري والذي كان جسراً حقيقياً للتواصل مع الغرب كما يقول عنه المرشح الديمقراطي الأمريكي لاروش والذي كان أحد المتحدثين فيه مع روجيه جارودي بل وكان معهما أيضاً جيمي كارتر وعدد من المثقفين المهمين العرب، دليل على غياب الديموقراطية، وكان هذا المركز مركز إشعاع حقيقياً.. ولكن ديموقراطية الإدارة الأمريكية!! ومن تصدى لهذا المركز أبت إلا ممارسة الضغوط لإغلاقه وقد أوفى الزميل عبدالعزيز السويد عبر مقالتين متميزتين في "الرياض" للحديث عن هذا المركز قبل إغلاقه وبعد كارثة الإغلاق، وكما جاء أيضاً في مقالة الزميل مطشر المرشد في "الرياض" منذ أيام.. ومؤخراً كتب لاروش مقالة طويلة يوضح الأبعاد التاريخية لهذا التوجه من بعض من هم في الإدارة الأمريكية لإغلاق هذا المركز.. وصوته له وزنه مثل بقية المثقفين الذين طالبوا بعدم إغلاق المركز..

@@ وفي السياق نفسه لمفهوم (غياب الديموقراطية) نجد أن هناك تدخلاً سافراً آخر أشد وطأة وأصعب من أن يحتمل وهو ما نشر في الإسلام اليوم أن الإدارة الأمريكية وعدداً من الدبلوماسيين بالشرق الأوسط على قناعة تامة بأن لجنة الفتوى بالأزهر الشريف تمثل خطورة على المصالح الأمريكية في مصر والشرق الأوسط بل وفي العالم الإسلامي كله بسبب مواقفها المتكررة تجاه القضايا الإسلامية المختلفة والتي تتعارض مع المصالح الأمريكية مطالبين بإلغائها!!

هذه هي (ديموقراطية) الإدارة الأمريكية في التعامل مع قضايا العالم الإسلامي والعربي المصيرية والثقافية.. هذه هي بوادر الانفتاح على (الآخر) الذي يرحب به بعض المهللين للهيمنة الأمريكية في المنطقة.. وهو في واقعه ليس (انفتاحاً) بل (استسلاماً وتخاذلاً) لا نعرف كشعوب متى يتوقف؟! لأن مقابل كل استسلام هناك إجحاف وإمعان في الإذلال والتدخل السافر في آلية الأجهزة المسؤولة ونمط التفكير والحياة وأسلوب التعامل.. وجميع هذه التجاوزات تجد لها مظلة في الأجندة الحالية التي تحكم العالم من مفاهيم (الضربة الاستباقية) إلى (حماية المصالح وأمن المواطن الأمريكي) إلى محاربة (الإرهاب)!! الذي أصبح التهمة لكل القوى النضالية وليس فقط الإرهابية..

.. سلم القيم والأخلاق في حركة أي مجتمع هو القاعدة وإذا ما تآكل رويداً رويداً لن تستطيع أي قوة عسكرية الحفاظ على ذلك المجتمع.. فهنيئاً للإدارة الأمريكية على ما تتمتع به من سلم القيم الحالي.