مصر عشية الوعكة التي ألمت بالرئيس مبارك

 

 

 

 

بقلم :محمد عبدالحكم دياب

 

ماحدث للرئيس مبارك في التاسع عشر من هذا الشهر أثار قلقا في أوساط عديدة، وأحدث شللا علي مستويات متنوعة.. الحياة كانت قد توقفت في القاهرة تماما، لعدة ساعات، بدأت بالاجراءات المشددة التي أغلقت وسط القاهرة وأجزاء عديدة من أحيائها، خاصة تلك الأحياء والضواحي المتوقع أن يقطعها الرئيس في رحلته إلي مجلس الشعب لالقاء خطابه. وتاريخ التاسع عشر من تشرين الثاني (نوفمبر)، لمن لا يتذكر، هو تاريخ مشؤوم في الذاكرة المصرية والعربية. فيه، منذ أربعة وعشرين عاما، حطت طائرة السادات في مطار بن غوريون، في أول زيارة معلنة لرئيس أو ملك عربي للدولة الصهيونية، وهو الحدث الذي كان له وقع الصاعقة علي الجميع.

من تقاليد السياسة العربية أنها تتعامل مع المسؤول الأول خارج نطاق الطبيعة البشرية.. كأنه لا يمرض ولا يواجه احتمالات الاختفاء، بالموت أو غيره. إن عاش فهو في صحة كاملة، وإذا حكم فوجوده أبدي، وإذا فكر فيمن يخلفه كان التوريث هو الحل، وبهذا ينغلق الطريق أمام التطور الطبيعي للحياة السياسية، فتتوقف ولا تتحرك، وتتجمد ولا تتطور.

وإذا ما عرفنا حجم صلاحيات رئيس الجمهورية في مصر يزداد القلق أكثر وأكثر، وكان ذلك واضحا في الشلل الذي أصاب المراجع العليا، والحيرة التي عمت أوساطا أخري. بدا ذلك وكأنه الفعل الطبيعي بين طبقتين: قلة ربطت مصيرها بمصير الحكم، وغالبية يائسة من التغيير، بدت وكأنها غير مكترثة، لكن عدم اكتراثها جاء مصحوبا بسخط لا يخلو من شماتة، أو رجاء تعلق بالقدر، ليحسم مصير حكم يعاني الاحتضار من مدة طويلة، ويستحوذ علي كراهية لا مثيل لها، منذ فترة ليست بالقصيرة.

صلاحيات الرئيس مبارك كثيرة وعديدة وضخمة، فهو رئيس الجمهورية ورئيس السلطة التنفيذية، الذي يتولي مع معاونيه، وضع السياسة العامة للدولة، ويتولي تنفيذها، وذلك بنص المادة 138 من الدستور، وله حق تعيين الموظفين الكبار، مدنيين وعسكريين، ومن حقه عزلهم حسب نص المادة 143، ويقترح القوانين ويعرضها علي البرلمان (المادة 109)، ويلغي قوانين أقرها البرلمان ويعترض عليها (المادة 112)، وله حق اصدار قوانين، وفق قواعد منظمة لذلك (المادة 112)، وحق اصدار لوائح إدارية وتنظيمية (المادة 146)، ولوائح الضبط والتفويض والضرورة، والرئيس هو القائد الأعلي للقوات المسلحة (المادة 150)، ورئيس العديد من المجالس العليا، مثل المجلس الأعلي للشرطة، ومجلس الأمن القومي، وهو الذي يعلن الحرب بعد موافقة البرلمان، ويبرم المعاهدات ويبلغها للبرلمان (المادة 151)، ويعلن الطوارئ، ويعرض ذلك علي البرلمان، خلال الخمسة عشر يوما التالية (المادة 148)، مع صلاحيات أخري كثيرة، لا يتسع المجال لحصرها، منها حق العفو عن العقوبات الجنائية، واتخاذ الاجراءات السريعة في حالة الخطر (المادة 74).

لا يمكن معرفة عمق ذلك إلا بإلقاء نظرة علي بعض ملامح الوضع عشية وعكة الرئيس؛ بدت سبل التوريث وقد انسدت تماما، وبدأ أمل أسرة الرئيس يخيب، وذلك نتيجة رفض عام شاع بين كافة الأوساط والمستويات، ولفت النظر، أن المجتمع السياسي المصري يتداول روايات تتعلق بموقف المؤسسة العسكرية من التوريث ، وفي اليوم التالي للوصول، الأربعاء قبل الماضي، نفس يوم الوعكة وعلي حفل افطار بالنادي النهري للصحافيين، قيل أن المؤسسة العسكرية حسمت موقفها علي قاعدة الرفض، بصورة أحدثت تحولا في تفكير الرئيس مبارك.

بجانب ما بدا من اصرار أمريكي علي ضرورة تغيير مجمل السياسات الرسمية، بمعني تغيير من خارج المؤسسة الحاكمة، مع عدم الحماس لفكرة التوريث ، وهذا، من وجهة النظر الأمريكية، لا يتحقق إلا باتباع واحد من سبيلين: الأول.. إما تأييد الاخوان المسلمين، في سعيهم للحكم، بكل ما يترتب علي هذا التأييد من رفع اليد بالكامل عن نظام الرئيس مبارك لتسهيل المهمة علي الاخوان، أو الثاني: مساعدة الليبراليين علي التبلور في شكل حزبي تقف وراءه الإدارة الأمريكية بكل قوة عن طريق انتخابات تستبعد غير المؤيدين للتطبيع والأمركة، ولهذا يتوجس كتاب ومفكرون مرموقون مما وصف باعداد الولايات المتحدة المسرح بطريق الاختراق ، وظهور مطبوعات جديدة تحمل شبهة هذا الدور.

قد يفسر هذا الفتور الحالي في العلاقات الخاصة المصرية الأمريكية، وهو فتور تعزز بالدعم السافر الذي حصل عليه سعد الدين ابراهيم، رئيس مركز ابن خلدون للدراسات الانمائية، باقتطاع جزء من المعونة الأمريكية يبلغ مليوني دولار، بعد مطالبته الإدارة الأمريكية توظيف المعونة للضغط علي الرئيس مبارك من أجل الديمقراطية !!، وهذا أثار ردود فعل غاضبة بين أوساط عديدة مما أدي إلي استقالة عدد من مجلس أمناء المركز، مثل كمال أبو المجد ومصطفي الفقي وعبد المنعم سعيد. منهم من اعتبر ذلك موقفا غير وطني، وآخرون اعتبروه موقفا غير ليبرالي ، وعلي مستوي الرئيس زاد توجسه من النوايا الأمريكية بعد أن تأكد له موقفها السلبي من توريث الحكم.

ويري البعض في تناقض الأوساط الرسمية، البادي في السماح بانفراج العلاقة مع الجماعات الاسلامية (الجهاد والجماعة الاسلامية)، مع زيادة التوتر مع جماعة الاخوان المسلمين أنه يعكس الرغبة الرسمية في خلق توازن بين الجماعات والاخوان، وتأجيج الصراع ـ إن أمكن ـ بين الطرفين، لاضعاف احتمالات وصول الاخوان إلي الحكم، وانعكس هذا التناقض علي الحوار المنفرد، الذي يجري بين الحزب الحاكم وأحزاب المعارضة، وفيه تم استبعاد الاخوان، واستقطاب حزب الوفد إلي جانب الحكومة في صراعها مع الاخوان المسلمين.

لم يهتد الرئيس مبارك وأسرته إلي حل سوي استمراره في الحكم لمدة رئاسة خامسة، واقناع أحزاب المعارضة بذلك، وقد تميل بعض الأحزاب والجماعات إلي مثل هذا الحل القاصر، إما كراهية في الاخوان المسلمين، أو إضعافا لمبدأ التوريث ، أو مراهنة علي الوقت، الذي قد لا يسعف الرئيس وأسرته في ترتيب عملية التوريث في المدة الخامسة، التي تنتهي سنة 2011، وكانت هناك أوساط وهي تتابع الحوار المنفرد الذي يجري بين الحزب الحاكم وأحزاب المعارضة، عشية الوعكة تتوقع أن يتخذ الرئيس مبارك موقفا من صحف يراها قد تجاوزت، في نظره، الخطوط الحمراء، ورتبت منع صحيفة القدس العربي من دخول مصر، واحتمالات عقد صفقة مع قيادات في الحزب الديمقراطي العربي الناصري، لاحداث تغيير جوهري في صحيفة العربي الاسبوعية، وفي هيكلها، باقصاء واستبعاد عدد من محرريها، مثل عبد الحليم قنديل رئيس التحرير، وجمال فهمي مدير التحرير، ويري البعض أن هذا احتمال وارد بسبب وجود أعضاء في المكتب السياسي للحزب الناصري تتحفظ علي خط الجريدة الراديكالي، وهم أعضاء معروفون بقربهم من أجهزة الدولة والحكم، ومستعدون لمثل هذه الصفقة، مقابل دخولهم مجلس الشعب وزيادة حصة أعضاء الحزب فيه!!.

عشية الوعكة كانت مصر كلها ـ تقريبا ـ تتندر علي تكرار حجج الرئيس مبارك التي يبرر بها فشل سياساته الاقتصادية، وارجاع ذلك الفشل إلي زيادة السكان وارتفاع الأسعار العالمية، ويري هؤلاء المتندرون أن الأزمة لن تحل حتي لو تم تعقيم المصريين ومنعهم من الانجاب، وأن عالمية الأسعار لا تنفي عالمية ارتفاع مستوي الدخول أيضا، وأن العالمية التي يشير إليها الرئيس انتقائية، يختار منها ما يغطي فشله في علاج الأزمة الاقتصادية الحادة، فالقضية ليست زيادة سكان ولا زيادة الأسعار العالمية، إنما تتلخص في الفساد والنهب وغياب الرغبة في الاصلاح، وقصور السياسات، وعدم القدرة علي التعرف علي المشــاكــــل الحقيقية، وأخطرها المشاكل الناجمة عن التبعية، والفقر، والتطبيع، والانعزالية، والشوفينية، والتعصب.

الزيادة السكانية، تتحول، بالسياسات السليمة، إلي عنصر إيجابي في التنمية والتطور، فتصبح ثروة بشرية ذات عائد مرتفع، إذا ما ارتفعت كفاءتها، واستثمرت استثمارا أمثل، فزيادة السكان وارتفاع الأسعار، ظواهر تعم الكرة الأرضية، وتجد حلولها بالسياسات الرشيدة، وبتوجه المسؤولين إلي الداخل، والتماسهم العون من مواطنيهم، لكي يحققوا بهم ولهم مستوي أفضل من الحياة، ومعدلا أعلي للدخل، واكتفاء ذاتيا في المواد الغذائية الاسترتيجية، مثل القمح وغيره، والزيادة السكانية وارتفاع الأسعار ظواهر عالمية، ليست وحدها سببا للأزمات، وكثيرا ما تكون مداخل للانفراجات.

كان هناك منشغلون، عشية الوعكة بهموم أخري. كان هناك، من شغلته الأشكال غير الدستورية التي يعتمد عليها الرئيس في تأكيد سلطات أسرته، وتتولي رئاستها السيدة حرمه، في مجالات الثقافة والمرأة والتعليم والصحة والاسكان والحكم المحلي، وهناك من شغلته أشكال أخري ما قامت إلا دعما لسلطة ونفوذ ابن الرئيس، مثل لجنة السياسات أم اللجان ، وتحولها إلي بديل عن الأمانة العامة والمكتب السياسي والأمانات الفرعية للحزب الحاكم، ورئاسة مجلس الوزراء، بجانب ما لها من سلطات تنفيذية وتشريعية وسياسية، والمجلس الأعلي للسياسات، الموازي السياسي لمؤسسة الرئاسة، وجاءت نشأته بمثابة مؤسسة رئاسة قطاع خاص تساعد في انجاز مهمة التوريث، أي أنه باختصار مؤسسة شخصية أكثر منها دستورية.

كان الشاغل الآخر هو الصراع المحتدم، منذ انتهاء المؤتمر العام للحزب الحاكم في سبتمبر/ أيلول الماضي، والغاء أوامر عسكرية كانت تمنع البناء علي الأرض الزراعية وتجريفها، وكان وراء الغائها أحد أهم مراكز القوي، ضمن مجموعة جمال مبارك، وهو أحمد عز صاحب احتكارات الحديد، والملفت للنظر أن هذا الصراع سجل عدة نقاط لصالح يوسف والي الأمين العام السابق للحزب الحاكم، وقطب الحرس القديم، وأول من استعان بالخبرات الاسرائيلية في الزراعة المصرية، ضد مجموعة ابن الرئيس. ظهر والي بمظهر البطل، المدافع الأول عن سلامة الأرض الزراعية في الوقت الذي ظهر فيه جمال مبارك في الاتجاه المعاكس، وهكذا ينشق معسكر التطبيع علي نفسه.

جاءت الوعكة في مرحلة مفصلية من حياة مصر.. أهم سماتها هو الاحتضار الذي يعانيه حكم فشل في كل شيء، وشعب يتوقع تغييرا مع كل طلعة شمس. أعادت إلي أذهان كثيرة قصة سيدنا سليمان، الذي مات وهو متكئ علي عصاه، ولم يفطن إلي ذلك الجن، المسخر له، وجاء النمل منبها، كما جاء في الأثر، لكن الجن كذبه، فما كان من النمل إلا أن نخر عصاه حتي سقط علي الأرض جثة هامدة، عندها تأكد الجن من صدق النمل فتحرر من سطوة سليمان وجبروته. وأعادت ـ كذلك ـ إلي الأذهان مصير مروض السيرك عندما ينقض عليه حيوانه، الكاظم لغيظه، الكابح لتوحشه، مع أول بادرة ضعف تظهر في عين المروض، ولهذا فإن كثيرين يقرون بأن وعكة الرئيس أدخلت مصر إلي مرحلة جديدة تحمل كثيرا من المفاجآت.