بقلم :د. محمد السعيد إدريس
قبل أن يذهب شارون رئيس الحكومة الصهيونية
إلى موسكو لإقناع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بتأجيل طرح مشروع القرار الروسي
الداعي إلى تحويل مشروع "خريطة الطريق" إلى قرار ملزم يصدر عن مجلس
الأمن، بادر شارون بالإعلان عن استعداد تل أبيب لتقديم تنازلات في مقابل
"سلام وطيد" في محاولة للتهرب من أية التزامات دولية تعرقل مشروعه الخاص
للسلام.
لم يكن هذا الموضوع هو البند الوحيد في
محادثات شارون مع بوتين في موسكو، ولكن كان هناك أيضاً ملف التعاون النووي بين
روسيا وإيران، فكما حاول شارون أن يثني عزم بوتين عن المضي قدماً في مشروع القرار
الخاص بخريطة الطريق، حاول إقناعه أيضا بضرورة وقف برنامج التعاون النووي الروسي
مع إيران باعتبار أن هذا البرنامج موجه أساساً إلى "إسرائيل".
إذا أضفنا إلى هذين الموضوعين موضوعاً ثالثاً
هو ارتفاع مكانة "إسرائيل" كدولة مصدرة للسلاح إلى المرتبة الثالثة على
المستوى العالمي خلال عامي 2002
2003 بعد كل من الولايات المتحدة وروسيا، وفي مستوى متقارب مع كل من فرنسا
وبريطانيا نستطيع أن نحدد المعالم الثلاثة التي تحكم توجهات حكومة شارون وهي: فرض
السلام الذي تريده "إسرائيل" على العرب والذي يحقق أهدافها في التوسع
والسيطرة، والحيلولة دون قيام أي دولة في المنطقة التي تراها "إسرائيل"
مجالها الحيوي، يكون في مقدورها تهديد الأمن أو الوجود "الإسرائيلي"
انطلاقاً من قناعة أخرى وهي تأكيد مكانة "إسرائيل" كدولة إقليمية
"مهيمنة" في إقليم الشرق الأوسط الذي هو مجالها الحيوي، وأخيراً السعي
إلى فرض "إسرائيل" كقوة عالمية مشاركة في صنع القرار الدولي، انطلاقاً
من كونها قوة عظمى إقليمية، وذلك من خلال العديد من السياسات من أبرزها رفع
المكانة "الإسرائيلية" في مجال تصدير السلاح باعتبار أن القدرة على صنع
السلاح المتطور والقدرة على تصديره هما من سمات الدول الكبرى في العالم التي يمكن
أن تكون لها كلمة في الشأن العالمي، وربما تكون "إسرائيل" تطمح إلى
الحصول مستقبلاً على العضوية الدائمة في مجلس الأمن الدولي إذا ما تقرر تطوير هيكل
المنظمة الدولية، باعتبارها أي "إسرائيل" باتت تمتلك مقاليد مؤهلات
الحصول على هذه العضوية على المستويين الإقليمي والعالمي.
هل هناك مشروع عربي بديل قادر على التفوق على
هذا المشروع "الإسرائيلي" على المستويات الثلاثة: حسم مستقبل الصراع
العربي -"الإسرائيلي"، والمكانة الإقليمية والدور العالمي؟
السؤال موجه إلى كل دولة عربية وإلى كل الدول العربية مجتمعة،
إذا لم يكن في مقدور أي منها أن تكون قادرة بمفردها على موازنة القوة
"الإسرائيلية" والتفوق عليها، وذلك في وقت شرعت فيه "إسرائيل"
لأن تتفوق على مجموع القوة العربية ليس فقط في المجال العسكري ولكن في المجالات
المهمة الأخرى وبالذات: الاقتصاد والتكنولوجيا.
قد يتصور البعض للأسف، أن ما نعنيه هنا ب "تفوق القوة
"الإسرائيلية" هو مجرد المكانة الرمزية أو الزعامية، لكنه يتعدى الجانب
المعنوي إلى الجانب المادي، أي السيطرة والتحكم وفرض النفوذ والتبعية سواء من
منطلق وزن القوة والقدرة "الإسرائيليتين" مقارنة بالقوة العربية، أو
باعتبارها أي "إسرائيل"، وكيلاً إقليمياً للقوة العظمى الأمريكية، بما
يعني أن الوطن العربي في مجمله، والدول العربية متفرقة معرضة لأن تكون منطقة سيطرة
ونفوذ "إسرائيلي"، فماذا أعد العرب لذلك مجتمعين أو متفرقين؟