إرهاصات الجمهورية الرابعة

وحكاية الأسطي برواز بتاع القزاز

هشام الناصر

Alnasser_Hesham@yahoo.com

حينما أراد نابليون غزو المحروسة (1798م)، تمهيدا لإقامة حلمه الإمبراطوري،  جمع علماءه وخيرة قواده وخطب فيهم <<من يريد أن يمتلك مصر ملك اليمين.. فلابد أن يعرف تاريخ وأصل المصريين>>، وجاء بطل الفرنسيس غازيا مستعمرا، وليس كما ادعي مُخلِصا (من المماليك) مُعمرا، ودرس علماءه الآثار، وجابوا البلاد والأقطار، يجمعون ويحللون كل حادثة وخبر، وينقبون ويفحصون كل طوبة وحجر، للاستقصاء والاستنباط، عساهم يستقرأون تاريخ المحروسة، وقاموا بعمل البحوث والنشرات، وإصدار البحوث والكتيبات، ولكن هل حقا عرفوه ؟، وإن علموا قليلة فهل عرفوا خفاياه ومدلوله !!؟؟، الواقع يقول .. لا لم يعرفوه ولا استوعبوه أو حتى فهموه !! فتاريخ المحروسة قد يبدوا خفيفا لطيفا، مسليا وظريفا، ولكنه تاريخ دموي لشعب أبي، عاني الكثير علي مر السنين، من عصر الفراعين لأيام الأكل بالسلف والدين، مع أن (يا سبحان الله) خير البلد يكفي مئات الملايين، والدليل نجده في مقولة أبن العاص .. <<ولاية مصر جامعة تعدل خلافة>>، وأيضا في رسالة أبن الخطاب (رضي الله عنه وأرضاه) لعامله علي مصر (عمرو بن العاص) في عام القحط والرمادة (والمتضمنة كلمة واحدة) .. واغوثاة.. وكان الجواب .. لبيك أمير المؤمنين، أرسل إليك مددا، أوله عندك وأخره عندي !!.. (هل تتخيلون أو تتصورون ؟؟؟ ... غوث ومدد من مصر.. بدايته بالمدينة المنورة مقر الخلافة الإسلامية، ونهايته قابعا ينتظر الرحيل بأرض المحروسة العفية الأبية). 

وبمناسبة ما يتردد هذه الأيام، من تكهنات وتساؤلات وكلام، عن مرض وإصابة الرئيس، ولا نعرف إن كان صحيحا أم تدليس، فهي معلومات مُحرمة وأخبار مُجرمة، تُصنف كأسرار عليا علي الرعايا الدنيا، تحفظ بالكتمان عن كل كائن كان، وبالتالي فهناك همسات عن أزمة بالسياسة في موضوع الرئاسة، ولا نعرف راسنا من رجلينا ولا بكرة حا يحصل إيه فينا، ولا نملك إلا أن نقول: اللهم إن كان خيرا فحولينا ولا علينا، وإن كان شرا فنسألك يا رحمن اللطف بينا !!، وهذا الموقف بالكمال والتمام حدث منذ نيف وعشرين عام، حينما قُتل الرئيس، و بقينا في حيص وبيص، لذا ارتأينا أن تكون عودتنا بإستهلال في هذا المقال، نتجول فيه بأحداث التاريخ لنوضح لقارئنا أنه في عمومه (وتاريخ المحروس في خصوصه) يعيد نفسه من حيث المفاهيم Concepts وإن أختلف الإسقاط Mapping أو التطبيق، وأنه علي مر الزمان، من عهد مينا لحد الآن، لم يستعن حاكم بالشعب المصري وخذله، بل علا به ونصره، وأن كل من بغي علينا وتكبر، فدائما أبدا الله أكبر، مصيره إلي زوال وبئس المآل، هو وعائلته وصحبته، وكل من كان في معيته.............. وإلي صلب المقال في الأتي من حوار.

- كل عام وأنتم بخير، افتقدناك والمقالات منذ أكثر من شهر فات.

- وأنتم وأمة الإسلام بخير وسلام، كنا بحاجة لعَمرة فذهبنا لأداء عُمرة، والحمد لله .. خف غمنا علي ما فات، وقل همنا مما هو آت.

- نعود للمقال وعنوانه، ما المقصود بالجمهورية الرابعة؟، ومن هو الأسطي برواز بتاع القزاز؟

- صبرا جميلا ولاتكن عجولا، ففي مقالنا سيكون (بإذن الله) ردنا.

- أصبر .. أصبر .. أصبر، حتى أنت تسألني الصبر ؟؟، حاضر سأصبر .. وهل نملك سواه، أو نقدر علي شيء عداه ؟؟

- لا نريد تلميحات أو إسقاطات، ولا نريد الدخول في موضوعات فرعية أو أمور جانبية، فقد يجرنا (ويجرجرنا) ذلك لشر البلية، فإن كنت تلمح إلي ما نحن فيه من حال وسوء المآل، فهذا إذعانا وليس صبرا !!، فالصبر لا يكون إلا علي ابتلاء القدر، أي علي ما ليس في يد البشر، ولا تنسي سابق قولنا في السالف من مقالنا "أن الرعية ليست ضحية، بل هم آثمين خانعين شركاء، فيما للسلطة من تجبر واستعلاء، للقبول بالخنوع والسكون، والرضا المهين بالعيش الدون".

- معك حق كل الحق، حا قولك أه مش لا، المهم .. خلينا نقضي اليومين دول في أمان، بعد العيد وأيام رمضان، وخلي المقال يمر بسلام، بدل ما نشرف سوا بالإمام!!

- أحسنت الكلام، ودعنا نعود لأساس المرام، أي للتاريخ، فهو مكمن الأسرار، بما رسمته أيادي الأقدار، ففيه نتائج الأفعال، وحصاد الأعمال، وقديما قالوا: "من عَلم التاريخ، زاد عقله وزان فكره"، ولتاريخ المحروسة مراحل عديدة، في عصور مديدة، من حضارة فرعونية (وما بها من إنجازات وانتصارات وإنكسارات)، إلي مستعمرة فارسية فيونانية ثم رومانية فبيزنطية، فولاية للخلافة الإسلامية (بدء من عهد بن الخطاب)، فولاية أموية فعباسية ففاطمية فأيوبية، ثم تولاها المماليك وهكذا دواليك، حتى جاء آل عثمان واحتلوا المحروسة كمان، ومن المماليك البحرية والبرجية لعصر الصدر الأعظم والإنكشارية، والمصري فلاح خرسيس لا يزين جِلده إلا بجَلده، ثم جاء الفرنسيس ودكوا المتاريس، وبعد ثلاثة أعوام فروا كالأنعام، وجاءنا المعجباني محمد علي الألباني، وأستلم البلد من أشرافها، وتمسكن حتى تمكن من عكشها، وحولها إلي وسية أو قل مشروع إمبراطورية، ثم انتكاسة وعودة للباب العالي بتركية، فاستقلال صوري بعد أوليات الحرب العالمية، فسلطنة فمملكة وأخيرا جمهورية.

- ما شاء الله .. أوجزت تاريخ ستة الآف سنة وأكثر فيما لا يزيد عن ستة اسطر، يعني البلد في تبعية منذ الحملة اليونانية ؟؟

- بل منذ الغزوة الفارسية !!، وهذا صحيح وتاريخ صريح، فنحن لم نُحكم بمصري منذ القرن الرابع قبل الميلاد حتى عام أثنين وخمسين وتسعمائة وألف، أي حوالي أربعة وعشرون قرنا من التبعية !!، أي (مجازا) أعرق مستعمرة في تاريخ البشرية !!!!!!، وارجع إلي موسوعة (حكام مصر) Encyclopedia of the Rulers of Egypt – (وسنتناولها في مقال لاحق) – فستجد ما يبكيك ويدمي عينيك، فمنذ عام 341 ق م (ارتكزرسس الثالث (أوخيوس) الفارسي) لم يحكم المحروسة مصري إلا بداية في يوليو 1952 (محمد نجيب – عبد الناصر).

- هل تقصد بأننا شعب مستعبد، وحضارة تبعثرت ولم تتجدد؟؟

- لا .. فكوننا أعرق حضارة شهدتها البشرية، فتلك حقيقة جلية لا نعرة فيها ولا شوفينية، المقصود أنه رغم هذا الاحتلال وسوء المآل، وخضوعنا لحكم الصالح والطالح، والأشراف والعبيد، والخير التقي والباغي العتيد، إلا أننا كنا (كعزيز قوم ذل)، أصلنا في جذورنا ما غاب عنا وما ضل، مَصَرنا حكامنا وغزاة أرضنا، واكتسبنا الكثير رغم العذاب المرير !!!!، ولعل في ذلك تبرير .. لما نعيشه من خمول وسكون وقناعة ورضا بالعيش الدون !!!!

- معني ذلك بأن خنوعنا متأصل الجذور، وشعبنا عاجز مقصور !!؟؟

- وهذا أيضا لا .. فالمصري دائما يحتاج لشيئان، مرجعية إيمانية وزعامة وطنية  ليهب من غفوته، ويلقي عنه سلبيته، ويستعيد عافيته وصحوته. ولنبدأ أولهما بالمرجعية الإيمانية: وهي المعتقدات أو ما يسمونه الأيدلوجيات، سواء أكانت فكرية أم دينية. وثانيهما الزعامة (القيادة) الوطنية: وهي التي تسقط نصوص المرجعيات علي أرض الواقع الحياتي، أي زعيم مخلص محبوب تلتف حوله القلوب.

- إنك تتحدث عن فطرة إنسانية، فالله (عز وجل) يبعث الكتاب (كمرجعية) ومعه (الرسول) للتطبيقات العملية.

- وهذا هو المقصد والغاية، فما وصفته أنا بلغة العلمانيين، ترجمته أنت بقلب المتدينين، وحسنا فهمك لمرادي .. فلا يجلب لهم (الهسس) والحساسية كالحديث عن الدين،  رغم كونه الفطرة الإنسانية المتوافقة مع العقلانية المنطقية !!.

- يعني (بالبلدي) .. أسس قواعد تنظيمية واضحة جالية وزعامة أمينة مخلصة وطنية.

- هذا صحيح،  وعد دائما إلي التاريخ وستري أن وكستنا وخيبتنا ونكبتنا كانت دائما في ظل الضبابية ووجود زعامة ديماجوجية!!

- هل تعطيني أمثلة للاستدلال في بعض الأحوال؟

- من أكبر النكسات التي ابتليت بها المحروسة في تاريخها هو الغزو والاحتلال الهكسوسي، وهم قوم رعاة من آسيا أي من الشرق، والمصائب دائما تأتي من الشرق، وكانت مصر في قمة الفوضى والاضمحلال (الأسرة 13 & 14)، حيث أتسمت تلك الفترة بسمات نذكر بعضها كالآتي:

1 – تواجد نخبة حاكمة تتصارع فيما بينها علي السلطة.

2 – الانعزال الشعبي التام عن السلطة الحاكمة.

3 – اعتبار الشعب بأكمله مجرد أيدي عاملة تعمل في خدمة الحكومة المؤلهه.

4 – ضعف الجيش (المحارب) واقتصاره علي قوات مختارة للأمن الداخلي.

5 – الإهمال الشديد في مشروعات الزراعة والري (البنية الأساسية في ذلك الوقت)، وانخفاض الدخل القومي وقلة العائد علي الفلاح بما لا يسد حاجته.

6 – القحط وقلة المياه بمنطقة آسيا – الأمر الذي دفع الرعاة للتحرش بمصر.

7 – ظهور سلاح (العجلات الحربية) وهو ما يمثل تفوقا حربيا في ذلك الوقت للقوات الهكسوسية المعادية.

فكان الغزو الهكسوسي واحتلالهم لشمال البلاد (1710 – 1680 ق م)، وإذلال العباد وتحصيل الجزية من الأمراء المصريين المتناحرين والمتمركزين بالجنوب (الصعيد). ثم بدأت الصحوة علي أيد أحد الأمراء الوطنيين (سقنن رع) والذي قام بالآتي:

1 – التعبئة الشاملة للشعب المصري، أهل الصعيد والنازحون من أهل الشمال.

2 – التحالف مع أمراء النوبة وجنوبها (أهل السودان حاليا).

3 – إثارة النخوة الوطنية والنزعة الدينية (وهو ما ظهر بوضوح بعد النصر في تكريم الآلهة وبناء المعابد الفخمة).

4 – تسليح القوات المسلحة بالعجلات الحربية (سلاح العدو) بعد تعديله وتطويره بما يتفق والإمكانيات المصرية.

5 – إعطاء المثل والقدوة للشعب المقاتل بتقدم الصفوف (وهو ما أدي إلي مقتله في ساحة القتال هو وأبنه (كامس) الذي تولي القيادة بعده.

وكان من المنطقي أن ينتصر الشعب المصري (بقيادة أحمس أبن سقنن رع وأخو كامس) علي جحافل الهكسوس وطردهم خارج البلاد بل وغزو بلاد آسيا (فلسطين وسوريا). والجدير بالذكر أن الاتجاه الديني القوي في تلك الأسرة قد تبلور علي يد اخناتون (أحد أفرادها) بتوحيد الآلهة في إله واحد أحد.

- أه .. ما أشبة الليلة بالبارحة، لقد جبت بنا مراحل التاريخ وأطواره، لنستكشف خباياه وأسراره، ولعلي اقتربت من تفهم نقطتك وما تقصده من حكايتك، فهل لي بمثال ثاني من الزمن الحالي؟؟

- بدأت الجمهورية الأولي عام أثنين وخمسين، والثانية في واحد وسبعين، وعن الأخيرة قلنا في مقال، واصفين يوم الاغتيال:  << حيث إنه وفي ذات اليوم، رغم حظر التجوال،  اجتمعنا بأحد المقاهي بالمساء، نحن "شلة" من الأصدقاء، متعلمين مثقفين، منا دكاترة ومهندسين وأساتذة جامعة ومدرسين. ونحن كجيل محافظ قديم نشأنا وترعرعنا تحت شعار "كلنا سيد في ظل الجمهورية" حيث تكافؤ الفرص وتشجيع المواهب وانتشار المكتبات العامة في كل جانب وتوافر المعاهد التقنية و تميز الكليات الأكاديمية،. لكن في ظل هذا العهد “السعيد..!!" أنقلب الهرم الاجتماعي، فأصبح المتعلم والمثقف في القاع والقمة مرتقي لكل أفاق بغيض، وتحققت مقولة "ألكواكبي" حينما قال: أنة في زمن الذل والهوان يتبوأ أمر القوم كل خسيس وجبان..!!. وكان محور الحديث هو: من القادم ؟؟ - ففي ظل السياسة القمعية، عربية كانت أم مصرية – تذبح وتوأد الديوك ولا يتبقى في الحظيرة إلا الفراريج، تصوصو وتبيض!! ولا يحوي القطيع إلا كبشا وحيدا والباقي نعاجا و خرافا بليدة ،  و"طويل اللسان" في المنفي شريدا أو في معتقل أو حتى مذبوحا شهيدا. !!.  البعض يرشح "مصطفي خليل" والبعض يقول "أبو طالب"، والبعض يقول لا .. ده لازم يكون ضابط محارب !!.

 وكان من بين الحاضرين، احد العمال العاديين، مواطن في حاله كملايين المواطنين، يدعي الأسطي برواز، شغال في كار القزاز، جالسا يتأملنا (نحن المثقفين)، ونحن نخمن شمال ويمين، فانتصب واقفا زنهار، قاطعا علينا الحوار، قائلا بصوت أجش تخين، يا سادة يا مثقفين ، يا متنورين ومتعلمين، مع احترامي لرأيكم، وسلامة فكركم، فكل من ذكرتموهم أو عددتموهم قد كانوا في السلطة، والسُلطة سَلطة، سوء عملهم حاضر وخيرهم نادر، بتقولوا مصطفي خليل أو أبو طالب، أقسم ثلاثة بالله العظيم لو جابوا "سهير زكي" فلن أعارض !!!!!!>>.

- كلامك لهو جد خطير وليس بالأمر اليسير، وهو وإن كان مليئا برموز وإسقاطات متوارية، إلا أنني قد تفهمت النقاط الآتية:

1 – إنك تدلوا بدلوك في القضية الجدلية المثارة حاليا، وهو الاختيار بين الخيار الديني والخيار العلماني في مواجهة الأزمة الآنية، وواضح خيارك وتأكيد قرارك!

2 -  إنك تشير إلي ديماجوجية السياسة المصرية، وهيمنة السلطة الرئاسية، وانفصال الشعب عن سلطته، وتبرير طناشه وسلبيته !!

- الحديث بالتفصيل يحتاج منا التطويل، ورويدا رويدا ستتحقق الأقاويل، فالخير آت .. الخير آت، فالمشقة تجلب التيسير (إن مع العسر يسر)، والصحوة بدأت ولن تخبو .. في عالمنا الإسلامي ككل قبل أن تكون في المحروسة كجزء. ونختتم مقالنا بذكر بعض ما قاله الأوائل عن مصر المحروسة:

1 – قال ابن الأثير عن مصر في كتابه عجائب المخلوقات: هي إقليم العجائب ومعدن الغرائب، كان أهلها أهل ملك عظيم وعز قديم، إقليمها أحسن الأقاليم منظرا وأوسعها خيرا، وفيها من الكنوز العظيمة ما لا يدخله الإحصاء، حتى يقال إنه ما فيها من موضع إلا وفيه كنز!!

2 – وقال القلقشندى بصبح الأعشى: مصر عفية غنية، لو ضرب بينها وبين غيرها سورا، لغني أهلها بها عما سواها، ولما احتاجوا خيرا عداها.

3 – وقال أحد (الصعاليك) في وصف (أسيادة !!!) المماليك، أخذناهم دروعا فكانوا .. ولكن للأعادي، وخلناهم سيوفا فكانوا .. ولكن في فؤادي.

وإلي اللقاء في مقالة ثانية، هذا إن كان في العمر باقية.