مسرحية زيارة بوش السرية للعراق

 

 

 

بقلم :السيد أبو داود

 

زيارة الرئيس الأمريكي جورج بوش إلى العراق لن تغير في الواقع الأمني المنهار هناك شيئاً، والتعتيم الإعلامي الذي حدث والطريقة التي تمت بها الزيارة تشكل اعترافًا أمريكيًا بعدم استقرار الأوضاع الأمنية بالعراق.

كان بوش قد أكد في تصريحات صحفية خلال رحلة العودة علي متن طائرة الرئاسة الأمريكية أنه كان مستعدًا لإلغاء زيارته السرية إلى بغداد في أي وقت لو تطلبت الظروف الأمنية ذلك.

وأوضح أن هدف الزيارة توجيه رسالة إلى 130 ألف عسكري أمريكي في العراق بأنهم يلقون كل الاهتمام وأنه يدعمهم بقوة.. وكشف الرئيس الأمريكي أن أندرو كارد الأمين العام للبيت الأبيض اقترح فكرة الزيارة إلى بغداد في أكتوبر الماضي.

وأشار إلى أن عددًا قليلاً من المسؤولين الأمريكيين كانوا على علم بزيارته منهم جون أبي زيد رئيس القيادة الأمريكية الوسطي.

وكشفت مصادر أمريكية أن حراس بوش الشخصيين لم يكونوا على علم بزيارته المفاجئة إلى العراق.

 

 

 

بوش يبدأ حملته الانتخابية من العراق

 

تأتي زيارة الرئيس الأمريكي المفاجئة للعراق في إطار حملة لكسب تأييد الأمريكيين لسياسته في العراق، ورفع معنويات جنوده هناك، لكن هناك شكوك في مدى النجاح الذي يمكن أن تحققه تلك الحملة.

وقال "ستيفن زونيس" أستاذ العلوم السياسية والخبير في شؤون الشرق الأوسط في جامعة سان فرانسيسكو: "زيارة بوش الخاطفة للعراق مجرد عملية علاقات عامة للرأي العام الأمريكي، إنها عمل رمزي".

وأضاف أن بوش الذي لم يشارك في حرب فيتنام "كان بحاجة للقيام ببادرة تظهر أنه يدعم القوات الأمريكية".

من جهتها أكدت "جوديت كيبر" الخبيرة في شؤون الشرق الأوسط في معهد العلاقات الخارجية في واشنطن أن "معنويات الجنود الأمريكيين بالعراق منخفضة، وعليهم مواجهة الكثير من المشاكل، فإذا زارهم القائد الأعلى للقوات المسلحة (الرئيس بوش) حتى لساعتين فقط؛ فإن ذلك يساعدهم".

وأضافت "تفقد القائد الأعلى لقواته في مناطق النزاع أمر مألوف، وبالطبع فإن الوضع الأمني هناك (في العراق) اضطرهم إلى إبقاء الزيارة سرية".

 

وأضافت جوديت كيبر: "لست متأكدة من أن الزيارة ستفيد الرئيس الأمريكي في سياسته في العراق كثيرًا"

وتضيف "عملية كهذه خلال فترة الأعياد وفي ظل تحسن الاقتصاد والكثير من الخسائر يوميًا (في العراق) تساعد، لكن هذا لا يضمن شيئًا بالنسبة للانتخابات الرئاسية المقرر إجراؤها في نوفمبر 2004 ".

ويرى ستيفن زونيس أن "الرئيس الأمريكي الأسبق (ليندون جونسون) قام بذلك في فيتنام، التقطت له صور وهو يصافح الجنود، لكن هذا الأمر لم يساعده على المدى الطويل". ويضيف "كون الأمر تم بهذه السرعة وبهذه السرية يشير إلى فشل العملية حتى الآن، فالجمهور الوحيد الذي استقبله (في العراق) كان أمريكيًا، إنه مؤشر على أن الأمور لا تسير كما كان (بوش) يتوقع في العراق".

 

 

 

الزيارة السرية تثير الانقسامات

 

وعلى صعيد آخر أثارت الزيارة انقسامًا حادًا على المستويين السياسي والإعلامي في الولايات المتحدة ، ورأت مستشارة بوش لشؤون الأمن القومي كوندوليزا رايس أن الوضع " يتحسن" لكنها أكدت أن العراق " ما زال مكانًا خطيرًا والجميع يعلم ذلك".

وبينما أشادت بالزيارة صحيفة "التايمز" البريطانية ووصفتها بأنها "واحد من أكثر الأعمال المثيرة جرأة في التاريخ الأمريكي الحديث"، كتبت صحيفة "ليبراسيون" اليسارية الفرنسية في صفحتها الأولى: "غارة انتخابية على بغداد". ونشرت صحيفتا "ديلي ميرور" و"الاندبندانت" البريطانيتان صورة لبوش وهو يحمل طبق الطعام مع عنوان رئيس يقول "وصل الديك الرومي".

وطغت أنباء زيارة بوش على عناوين الصحف الأمريكية التي شددت على طابعها السري للغاية وانقسمت حول تداعياتها. فقد عكست "واشنطن بوست" هذا التجاذب بقولها: إنه إذا كانت القوات الأمريكية التابعة للفرقة الأولى المدرعة "قد تمتعت بهذه اللحظة، فمن المبكر جداً معرفة ما إذا كانت صورة بوش، وهو يرتدي السترة العسكرية، ستصبح رمز زعامة قوية أو رمز تحد غير مرغوب فيه". وأضافت المحللة في الصحيفة (دانا ميلبنك) أن "العراقيين سيطمئنون ربما لرؤية عزم الولايات المتحدة على القضاء على المخربين وإحلال النظام في بلادهم. أو أنهم سيرون ربما في الهبوط غير المعلن لطائرة بوش بعد تعتيم المدارج ليلا وفي عدم مجازفته بالخروج من موقع عسكري حصين، تأكيدًا لأن الوضع الأمني في العراق كارثي".

أما "لوس انجلوس تايمز" فكتبت: "مع هذه الزيارة المسرحية إلى بغداد، أظهر الرئيس بوش مرة أخرى أيضًا أهمية عزمه على القيام بمهمة عسكرية قد تقرر مصيره أثناء الانتخابات الرئاسية في العام 2004". بيد أن مستشارة الأمن القومي كوندوليزا رايس التي رافقت بوش إلى بغداد رأت أن الوضع يتحسن هناك. وقالت: "من الخطأ القول أن لا شيء تغير" خلال الاحتلال الأمريكي للعراق. وأضافت أن "العراقيين بدؤوا يتولون أمورهم، ومعظم مناطق البلاد مستقرة. إنهم يعدون لانتقال السيادة ويتولون المناصب في الوزارات، وفتحت المدارس أبوابها مجددًا". وقالت: إنها تعتقد بأن الخطة المطروحة الآن جيدة وستنجح. وأضافت: "نحن ننفذ خطة نعتقد بأنها خطة جيدة جدًا.. مجلس الحكم هو الذي قدم هذه الخطة لإعطاء السيادة إلى الشعب العراقي". لكنها عادت وأقرت بأن العراق مازال مكاناً خطيراً، وأن الجميع يعلم ذلك.

وذكرت "واشنطن بوست" أن الولايات المتحدة تفكر في إجراء انتخابات في العراق، بعدما طالب السيستاني بأن يكون المسؤولون العراقيون المقبلون في البلاد منتخبين وليسوا معينين. ونقلت عن مسؤول أمريكي كبير يتابع الملف العراقي قوله: "أصبح ممكنًا إجراء انتخابات. نبحث عن حل في كل الاتجاهات"، وأقر بأن الإدارة لم تتحسب لرفض السيستاني للاتفاق.

وأعلنت وزارة الدفاع الأمريكية أمس أن نحو 10 آلاف جندي أمريكي قتلوا أو جرحوا أو أصيبوا بأمراض أرغمت الجيش على إخلائهم من العراق منذ بدء الحرب، ونفت أن تكون قد حاولت التستر على عدد القتلى والمصابين من جنودها. وقالت: إن صعوبة اقتفاء أثر الجرحى والقتلى جعلتها تعلن أن عددهم لا يزيد على 2800 حتى الآن.

 

 

 

أسرار رحلة بوش إلى بغداد

 

وحسب المعلومات التي أوردتها الصحف الأمريكية فقد بدأ الرئيس بوش رحلته السرية إلى بغداد بالتسلل من مزرعته في كروفورد بسيارة عادية الأربعاء إلى مطار واكو في تكساس ليستقل الطائرة الرئاسية «ايرفورس 1» إلى واشنطن حيث استقل طائرة رئاسية ثانية كانت جاهزة للإقلاع. وجرد أمن الرئيس 7 صحافيين اختيروا لمرافقته في الرحلة التي استغرقت ذهابًا وإيابًا 30 ساعة، 27 منها في الجو، من أجهزة اتصالاتهم فيما لم يبلغ بوش والديه بالرحلة وإن كان قد أبلغ زوجته.

وقال بوش للصحافيين خلال رحلة العودة إنه ذهب إلى مطار واكو في سيارة عادية ذات زجاج مظلل وتسلل، وهو يعتمر قبعة بيسبول يتدلى الجزء الأمامي منها على جبهته، تمامًا مثلما فعلت كوندوليزا رايس، مستشارته لشؤون الأمن القومي. فقد كانًا يبدوان كأي شخصين عاديين بصحبة آخرين. وأضاف «كان علي أن ابلغ أفراد عائلتي بأنني لن أكون معهم في عيد الشكر. طمأنتهم إلى أنني ما كنت لأقوم بالزيارة لو لم يكن قد أعد لها وخطط لها جيدًا». وبدأت الحلقة المقربة من الرئيس تتداول فكرة الزيارة قبل خمسة أسابيع. فخلال جولته الآسيوية في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي طلب الرئيس بوش من أقرب مساعديه محاولة ترتيب زيارة له إلى بغداد تتزامن مع «عيد الشكر». ونظرًا لحساسية الموضوع فإن هؤلاء المساعدين لم يبلغوا حتى نوابهم برغبة الرئيس. والصحافيون السبعة الذين اختيروا لمرافقة بوش تلقوا إخطارًا قبل بضع ساعات فقط من موعد الزيارة. وحظر على الصحافيين إبلاغ أسرهم أو الجهات التي يعملون بها حول الرحلة، كما جردوا من أجهزة اتصالاتهم وأُبلغوا بأنهم سيتسلمون هواتف جوالة لدى وصولهم إلى بغداد. وفيما كانت طائرة الرئاسة الأمريكية «اير فورس 1» في طريقها إلى العراق استخدمت إشارات مزيفة في أبراج المراقبة. ومرت طائرة البوينغ 747 على مقربة من طائرة للخطوط الجوية البريطانية، فأرسل قائدها إشارة بالراديو متسائلاً عما إذا كانت الطائرة التي يراها هي طائرة الرئاسة الأمريكية، فأجاب قائد طائرة الرئيس، الكولونيل مارك تيلمان، بعبارة أدرك معها قائد الطائرة البريطانية على الفور بأن ثمة إجراء سريًا في الأمر، لذا لم يستمر في الاستفسار.

 

هيلاري تسابق بوش

 

ومن جانب آخر فسر المراقبون وصول هيلاري كلينتون عضو الكونجرس الأمريكي وقرينة الرئيس الديمقراطي السابق بيل كلينتون إلى العراق قادمة من أفغانستان بأنه رد ديمقراطي على زيارة الرئيس الأمريكي بوش الخاطفة لبغداد.

وقالت الصحف الغربية إن الحزبين الجمهوري والديمقراطي الأمريكيين يشنان غارات انتخابية علي العراق لتدعيم موقفهما في انتخابات الرئاسة التي ستجري العام القادم.

وأضافت تلك المصادر أن بوش التقي قواته في العراق من أجل رفع روحهم المعنوية المنهارة.. كما التقط صورًا دعائية يحتاج إليها في حملته الانتخابية لكنها لن تعزز موقفه الداخلي المهزوز.

وتأتي زيارة هيلاري لأفغانستان والعراق لأغراض انتخابية حيث إنها تعد المنافس الديمقراطي غير المعلن لبوش في انتخابات الرئاسة عام 2004. يذكر أن هيلاري عضو في لجنة القوات المسلحة بمجلس الشيوخ، ويرافقها في هذه الزيارة جاك ريد عضو مجلس الشيوخ عن جزيرة "رود".

انقسم العراقيون إزاء زيارة بوش؛ ففي حين انتقدتها الطائفة السنية ووصفتها بأنها توقف سريع ينم عن جبن؛ رحبت بها الطائفة الشيعية.