قضية خودوركوفسكي: المخابرات أقوى من المال؟!
بقلم :فوزي صلوخ
أدى انهيار الاتحاد السوفياتي في عهد الرئيس
غورباتشوف الى تولي الرئيس بوريس يلتسين السلطة في جمهورية روسيا الاتحادية. وقد
ظهر في عهد الرئيس يلتسين فريقان فاعلان ومؤثران في الحياة السياسية والاقتصادية:
يتألف الفريق الاول من رجال المخابرات والضباط العسكريين الكبار. ويتألف الفريق
الثاني من ملوك المال <<الأوليفاركس>> الذين حصلوا على ثرواتهم بطرائق
متعددة منها الشرعية ومنها المشبوهة خاصة لدى تطبيق قانون الخصخصة الذي أدى الى
بيع المؤسسات والشركات والمصانع في روسيا، وقد أدى بالتالي الى خلق فئة حيتان
المال.
وكان مجيء الرئيس فلاديمير بوتين الى السلطة
بناء على اتفاق بين فريق رجال المخابرات والضباط العسكريين من جهة وملوك المال من
جهة ثانية. وينص الاتفاق على ان يتولى الفريق الاول السلطة وإدارة الحكم وأن يحتفظ
أعضاء الفريق الثاني، ملوك المال، بالثروات التي حصلوا عليها شرط ان يدفعوا
الضرائب المتوجبة عليهم ويخصوا أعضاء الفريق الاول بأسهم من أرباحهم، والأهم من
ذلك ابتعادهم عن التدخل في السياسة. لقد خرق بعض ملوك المال شروط هذا الاتفاق فخسروا
المعركة وخسروا الكثير من ثرواتهم حيث صودرت ممتلكاتهم وطاردتهم السلطة حتى باتوا
خارج روسيا. وحده ميخائيل خودوركوفسكي فهم شروط اللعبة وعمل بموجبها ونجح في
أعماله حتى باتت ثروته تقدر بثمانية مليارات دولار أميركي خلال وقت قصير، كما أصبح
مثالا للشفافية الاقتصادية ومنفتحا على المقابلات الاعلامية، ما جعله يعطي
المستثمرين الأجانب صورة واضحة جلية بأن روسيا باتت تتمتع بالمشاريع الحرة وحكم
القانون.
من هو هذا الرجل الاسطورة ميخائيل
خودوركوفسكي الذي لمع نجمه في عالم النفط والتجارة والاقتصاد وبات يشكل تهديدا
سياسيا للرئيس فلاديمير بوتين؟
إنه من مواليد 1963 ولد في موسكو في شقة
متواضعة تتألف من غرفتين مظلمتين. نشأ وترعرع في مناخ قاس ومحيط ضاغط، لكنه كان
مجدا ناجحا في دروسه وكان يحصل على علامات ممتازة مما ساعده على التخصص في الهندسة
الكيميائية. وقد جعله نشاطه الطلابي يتبوأ مركز نائب رئيس رابطة الشبيبة الشيوعية
في الجامعة. وإن احترام وتقدير رؤسائه في رابطة الشبيبة في الحزب الشيوعي مكناه من
التغلب على عقدة <<ضد السامية>> حيث كان والده يهوديا.
وقد دعمه الحزب لدى تخرجه في العام 1986
بإقامة عمل ما يتناسب مع تخصصه. وقد جاء طلبه في الوقت المناسب حيث كان الاتحاد
السوفياتي ينفتح على الاقتصاد الحر بناء على طروحات الرئيس غورباتشوف في ما يتعلق
بالغلاسنوست والبيريسترويكا. وقد وفق بإنشاء مركز خصص مبدئيا لاستيراد وتصدير
السلع والمشروبات والأغذية والاجهزة التكنولوجية وأسماه <<ميناتب>> Menatep. ازدهر هذا المركز
بسرعة جراء الصفقات التي توسط فيها مع عدد من الادارات البيروقراطية والمؤسسات
الصناعية. وقد تحول هذا المركز الى مصرف بسبب تعاظم التوجه لإطلاق الحرية لرؤوس
الاموال، وتم بيع أسهم المصرف كاملة بسبب الاعلانات والدعاية التي كانت تعد بأرباح
هائلة.
وطّد خودوركوفسكي علاقاته، مع الايام، مع
أصحاب السلطة حتى أصبح له مكتب في العام 1991 في المبنى الحكومي الروسي يقدم
النصائح والاستشارات للموظفين الذين كانوا قد أخذوا بطباعه الهادئة التي تفرض
الاحترام. واستمر نجمه بالصعود حتى جرى تعيينه نائبا لوزير الطاقة في العام 1993
تاريخ إعادة تنظيم صناعة النفط في شركات تحضيرا لمرحلة الخصخصة. ويروي ألفرد كوه
الذي كان مسؤولا عن إدارة الخصخصة بأن رئيس الوزراء الروسي في حينه فيكتور
تشيرنوميردين كان كثيرا ما يبحث معه موضوع بيع شركة يوكوس (UKOS) للنفط. ويستطرد كوه قائلا:
<<كنت أشعر بأن خوردوركوفسكي كان قوي التأثير على شيرنوميردين>>.
ولما نضج الوقت لبيع شركة
<<يوكوس>> للنفط، كان خودوركوفسكي قد هيأ نفسه وبات جاهزا لإتمام
الصفقة. وبغية تسهيل الأمر أناط المسؤولون في وزارة النفط مسؤولية بيع الشركة
بمؤسسة او مركز <<ميناتب>> (Menatep) على ان يكون ذلك بموجب عطاءات. وقد فاز
خودوركوفسكي وشركاؤه بنسبة 78% من أسهم الشركة العملاقة بمبلغ 310 ملايين دولار
أميركي. وهذا ما جعل أصحاب العطاءات المنافسين ينفجرون بالولولة. ولم تمض مدة
سنتين حتى بات ثمن شركة يوكوس يقدر بسبعة مليارات دولار. وكان خودوركوفسكي قد أعاد
تشكيلها لتتواءم مع صورته الفاعلة وبرّأها من ان تكون مدينة بالفضل لأي شخص آخر.
وإن أهم قرار أخذه خودوركوفسكي كان في العام 1998 عندما جرّد الصناعي البليونير
كينيث دارت (Kenneth Dart)
من الأسهم التي كان يملكها في مؤسسات إنتاجية متفرعة من شركة يوكوس.
وكما نجح في هذا القرار، نجح في قرار مهم
آخر، هو قرار المفاوضات الخاصة بدمج شركته <<يوكوس>> مع شركة
<<إكسون موبيل>> فيغدو عقب تحقيق هذا الحلم ملك ملوك النفط والغنى
الفاحش في روسيا. لقد تسببت إنجازاته ونجاحاته بأن راودته نفسه ليقوم بدور سياسي في
روسيا فأخذ يغرف من خزينه المالي المليء ويوزع على الاحزاب السياسية المتهالكة من
إصلاحية وشيوعية وقومية. وكان يتبرع بسخاء ايضا للمؤسسات الخيرية ويغطي نفقات
إقامة ندوات ومؤتمرات متعددة.
وقد لاحظ عدد من البرلمانيين ورجال الاعمال
انه كان يسعى من أجل تأسيس قاعدة سياسية مستقلة في البرلمان الروسي. وكان قد ابتدأ
في العام 2001 بإعطاء إشارات على رغبته في التخلي عن إدارة شركة النفط. وجاء على
لسانه في إحدى المقابلات: <<ان تكسب مالا لا يعني شيئا، ولكن ان تبني مجتمعا
له معنى كبير>>. وقد جعله نجاحه يفكر ايضا ان بإمكانه إدارة البلاد بشكل
أفضل مما يقوم به الآخرون.
إن سلوك خودوركوفسكي، الذي بات شبيها بسلوك
ملوك المال السابقين الذين صودرت ممتلكاتهم وغدوا خارج البلاد، جعل الرئيس بوتين
يخشى من الدور السياسي الكبير الذي يحضر له خوردوركوفسكي وهو القادم على انتخابات
نيابية في شهر كانون الاول 2003 وانتخابات رئاسية في شهر آذار 2004. ولما كان
الرئيس بوتين غير قادر على مجابهته ماليا، فقد قرر ان يجابهه بموجب القانون. وهذا
ما قضى بتوقيفه في صباح باكر في مطار بعيد في سيبيريا حيث كان في طريقه لتفقد
إنتاج احدى مصافي شركة يوكوس للنفط في شرق سيبيريا. وقد وجهت له تهم الاحتيال
والتهرب من دفع الضرائب. وقد رافق توقيفه مصادرة أسهمه في شركة النفط يوكوس. إن
بعض كبار موظفي الكرملين استاؤوا من هذا التصرف ومنهم من قدّم استقالته. لكن مثل
هذا الاستياء لم يؤثر على الفريق الحاكم من رجال المخابرات والضباط العسكريين
مثقال ذرة. وجعل قرار التوقيف ملوك المال يغرقون وراء مكاتبهم كما أفرح المواطنين
والناخبين لدى مشاهدتهم واحدا من أغنى الاغنياء مكبل اليدين. لم يأخذ خودوركوفسكي
درسا من توقيف شريكه، وأحد الكبار من مالكي الأسهم في شركة بوكوس، بلاتون لبيديف (Platon Lebedev) في 25 تموز 2003
بتهمة سرقة ممتلكات الدولة في العام 1994 خلال عملية خصخصة مصنع أسمدة. وكان هذا
الاجراء القانوني بمثابة إنذار له بغية عدم التدخل في الانتخابات القادمة. وعوضا
من ان يعمل على التقرب من الحكومة والفريق الشريك في الاتفاق المبرم بين جماعة الحكم
وملوك المال، أخذ يوبخ الجميع ويتعامل معهم بازدراء. كما أخذ يعيش حياة بذخ في
الداخل والخارج دون إعطاء أي اهتمام للسلطة. وهذا ما جعل أحد رجال السلطة الذي
يعرفه منذ العام 1990 يقول: <<إن المال الوفير أعطاه الشعور بالعنجهية وإن
الحياة مقتصرة عليه فقط>>. ولم يكفه أنه لم يأخذ بالإنذار بل استمر بتورطه
في المسار السياسي خاصة الانتخابات الرئاسية في آذار 2004. ظل يتحدث عن علاقات
مميزة مع الولايات المتحدة كما كان محبذا لسقوط نظام صدام حسين. وقد مكنته رحلاته
الى الولايات المتحدة من بناء علاقات وطيدة مع شخصيات أميركية فاعلة في الادارة
الاميركية وبين رجال الأعمال. وكان يعترف كرجل نفط بأن الاسعار المنخفضة المستقرة
أفضل لشركة يوكوس وللاقتصاد العالمي من تقلب الاسعار.
لقد باتت سياسات خودوركوفسكي أكثر شيوعا منذ
تاريخ اعتقاله. وقد ألمح اثنان من كبار مساعديه الى انه كان يفكر بترشيح نفسه
لرئاسة جمهورية روسيا الاتحادية ضد فلاديمير بوتين في الانتخابات الرئاسية
القادمة. ومن أنصاره من يقول انه سيخوض المعركة وهو في السجن!!
ومهما تغيرت الاحوال وتبدلت الرئاسات، فما
زال رجال المخابرات والضباط العسكريون إرث النظام الشيوعي السابق، يشكلون قوة
مؤثرة على الساحة السياسية في روسيا الاتحادية.