بقلم :د. احمد نوفل
من أعظم مقاصد هذا الدين العظيم: وحدة الأمة،
وصولاً الى نوع من توحيد النوع الانساني على قواسم مشتركة ترتقي بالحياة، وتعالج
المشكلات، وتعين على تعايش أفضل.
ومن أعظم مقاصد الشهر العظيم الذي ودعناه..
تدعيم وتعزيز هذه الوحدة وصيانة شبكة العلاقات الاجتماعية.. من بعد ما رثّت. وذلك
من خلال وحدة الممارسات، ووحدة المعبود سبحانه، ووحدة العبادة، والارتقاء
بالخُلق.. ووحدة النسك، ووحدة الكتاب، والاجتماع في المساجد والجوامع. ولئن لم
نتحد على مثل هذه الاسس، فقل بالله ما الذي يمكن له بعد هذا ان يوحدنا؟
وما حذرنا الكتاب من شيء، بعد تحذيره لنا من
الشرك، مثل ما حذرنا من الشتات والفرقة والتنازع.
والوحدة سلوك انساني، ووعي بشري، وليست
بالامر القدري الحتمي كالوجود الانساني، لا، ولا هي بالثمرة التلقائية، ولكنها
ثمرة للارادة والوعي والعزم والتصميم وادراك ضرورة الوحدة للبقاء والعزة
والاستمرار والانتصار.
ولو عدنا الى الكتاب نستجلي آياته وننهل من
كلماته لوجدنا عجباً في الامر بالوحدة، والنهي عن ضدها ونقيضها. ومن تلكم الآيات
الكثيرة هذه الآيات: «ان هذه أمتكم أمة واحدة وانا ربكم فاعبدون» (الانبياء: 92)،
«وان هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون» (المؤمنون: 52).
والعجيب ان النصين مكيان، بمعنى ان أمر
الوحدة في صميم هذا الدين منذ بداياته وتخلق أمته. والعجيب ثانياً ان وراء النص
الاول والثاني جاء قوله تعالى: «وتقطعوا أمرهم بينهم» «فتقطعوا أمرهم بينهم» أي ان
البشر فعلوا نقيض ما وجههم اليه ربهم ودينهم.
وتأمل هذا النص من سورة هود المكية: «ولا
يزالون مختلفين. الا من رحم ربك» يعني كأن المختلفين خرجوا من دائرة المرحومين.
وان من شأن الكتاب الإلهي ان يوحد ويجمع،
والا يشتت ويفرق. لكن الافهام العقيمة السقيمة النزقة الضيقة، من شأنها ان تجعل
الكتاب مثار خلاف واختلاف. وتأمل هذه الآيات - الدروس، من تجربة من سبقونا من أهل
الكتاب: «وان الذين اختلفوا في الكتاب لفي شقاق بعيد» (البقرة: 176)، «ولا تكونوا
كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات» (آل عمران: 105) «ولقد آتينا
موسى الكتاب فاختلف فيه» (هود: 110، وفصلت: 45) «وما تفرق الذين اوتوا الكتاب الا
من بعد ما جاءتهم البينة» (البينة: 4).
وقد دلنا القرآن الكريم على ما يوحدنا وما لا
ينبغي ان نختلف فيه ولا عليه اذ قال: «واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا» (آل
عمران: 103)، «ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله» (الانعام: 153).
فنخلص الى القول ان الدين هو الذي جمعنا اول
مرة، وبه كنا امة لأول مرة: «وكذلك جعلناكم أمة وسطاً..» (البقرة: 143)، فما كنا
من قبله أمة، ولكنا كنا اشتاتاً وقبائل وعشائر وزعامات وطرائق قدداً، وأهواء شتى،
ومشارب متعددة، ونزاعات مدمرة، ومن زعم غير هذا فالتاريخ والوقائع بيننا وبينه،
وكتاب الله كذلك..
ولكن هذا الكتاب الجامع، ليس فهمنا له
معصوماً، فيمكن ان تُطرح فهوم تمزق نسيج الأمة. وكلما زاد الطرح ضيقاً وتشنجاً
وتنطعاً وتشدداً زاد الشمل تشتتاً. فما أحوجنا الى طرح واسع، يجمع ولا يفرق، يوحد
ولا يمزق. فمتى يبدأ كثير ممن يتعاطون مع النص، متى يبدأون تعلم ان يقولوا: هذا
فهمنا للنص، هذا استنباطنا من النص؟ متى ينتهون عن قولهم: هذا هو النص؟!
ان تماهي الاشخاص او الشخوص مع النصوص مشكل
عويص. فنحن بشر، نحاول ان نفهم النص، ولسنا النص، وليس فهم اولى من فهم الا بمقدار
ما اجتهد ووفق وملك من أدوات، ووسع على عباد الله، ولنضرب مثلاً بفتوى عدم اخراج
صدقة الفطر الا طعاماً. يقال لك: هذا هو النص. والحق والصواب ان يقال: هذا فهمنا
للنص. وهل «النقد» ليس طعاماً؟ ان النقد يتحول الى طعام في دقيقة واحدة. وليس
العكس. فربما كانت حاجة المسكين الى دفع فاتورة كهرباء لئلا يحرم ابنه في الثانوية
من القراءة.. كحاجته الى الطعام. ثم ان الفقير يقدر ما هو اليه أحوج.. ثم ان
الحاجات اختلفت من عصر لعصر.
وقاسم آخر ينبغي الا نختلف عليه، بل ينبغي ان
نتفق عليه اتفاقاً كاملاً: مقاومة المحتل أينما وجد. ان الاجتهاد القائل بتأخير
المقاومة يوماً واحداً غير صحيح. والاجتهاد القائل: ان المقاومة تطيل أمد الاحتلال
كذلك غير واقعي ولا مصيب. متى كانت مقاومة المحتل تطيل امده؟ هذا فكر مختل، وهو
الذي يديم المحتل! ان الاحتلال ان كان نزهة وجمع ثروات ونهب نفط ومقدرات لماذا لا
يدوم قروناً بدل السنوات؟ ومن يترك مزرعة مغلقة وبقرة حلوباً؟
وأصحاب مشاريع السلام مع الاحتلال اولى ان
يطرحوها مع شعوبهم. ونقطة ثالثة ندعو الى الوحدة فيها: متى تلتقي الانظمة مع
شعوبها؟ فوحدة الشعوب مع انظمتها قوة لنا جميعاً. متى ندرك اننا مستهدفون جميعاً؟
متى نأخذ الدروس مما جرى لعرفات او لصدام او للشاه؟ مع الفوارق بطبيعة الحال.
ان امر الوحدة ليس من الكماليات، أمر الوحدة
يا أمة غاية الغايات المسألة يا قومنا: نكون أو لا نكون، وبالوحدة نكون. وبالوحدة
نكون أعز أمة. فهلم هلم.