صناعة «التبلد» والحياد المشبوه
بقلم :شعبان عبد الرحمن
ُيصاب الحليم بالحيرة من فرط ما يعايش من
تناقض في السياسات واضطراب في المواقف صنع صورة قاتمة اختلطت فيها الحسرة بالغضب
والغموض بالخداع وأوصلنا إلى نتيجة مفادها أن الحكومات في وادٍ وشعوبها في وادٍ
آخر، بل أحياناً تكون بعض الحكومات في واد بينما دائرة الأحداث الساخنة تلتهب في
واد آخر..
المشهد اليوم... استقر عند «موقعي» - بلغة
الحرب- «موقع» المعركة الحربية ذاتها حيث يفعل شارون بالشعب ماشاء له ان يفعل دون
وازع من ضمير أو خلق أو رحمة.
و«موقع» الساحة العربية والإسلامية وقد خيم
عليه صمت القبور أو أشد صمتا، وكان ذلك الموقع قد أصبح خرابا يبابا !!
حتى مشهد الاحتجاجات السلمية الغاضبة التي
كنا نشاهدها في بعض العواصم توارت وكأن الجميع قد سلم واستسلم واكتفى بمتابعة
أحداث المجزرة الشارونية الواقعة على كل شيء هناك.. البشر والحجر والشجر والحياة.
وقد اصبح أمرا روتينيا من الحياة اليومية أن
نتسمر أمام الفضائيات لنرى آخر التطورات، وغاية الأمر أن نتألم بعضا من الوقت
حينما تداهم أعيننا مشاهد الدماء و«نمصمص» الشفاه حزنا أو جزعا على أهلنا في
فلسطين .! إنها حالة البلادة التي تلبدت في «جثثنا»! لقد نجح الساسة المطبعون
رويدا رويدا وبمهارة إعلامية في صناعة وتصنيع حالة «البلادة» التي تلبست بالجسد
العربي حتى صار شبه خامل ومصاباً بالشلل ولن تحركه إلا مذبحة جديدة لا ندري أين
سيكون موقعها وان كان كل منا صار متأكدا انها واقعة واقعة.
وبعد ذلك اطمأنوا وتيقنوا ان الشوارع صارت
خاوية من كلمة احتجاج فخرجوا علينا بمواقفهم «الحيادية» بشأن ما يجري في فلسطين،
وكأنهم من هندوراس وليسوا عربا أو طرفا في القضية ، وذلك ما كان يسعى إليه العدو
الصهيوني منذ بدء القضية الفلسطينية...أن ينفض الجميع ويقفوا موقف المحايد لينفرد
الصهاينة - بمساندة الغرب كله - بالشعب الفلسطيني بعد ان جففوا عنه كل موارد
الحياة! تلك مأساتنا التي صنعتها الأنظمة وتمارسها مع الأمة.. وهكذا تبدو الصورة
في الآونة الأخيرة.. تسليم وهوان من جانب الأنظمة العربية وتمكين واستعلاء من
الجانب الصهيوني.
لكن تيار النهوض والكفاح الساري بقوة في
جماهير الأمة يعطي دائما الأمل بأن دوام الحال من المحال، فإن كانت أكثر الأنظمة
قد هانت عليها فلسطين لهذه الدرجة فإن قوى المقاومة الفلسطينية- وعلى رأسها حركة
حماس وتيار الجهاد، والاستشهاد الذي يسري في الأمةـ يرفض ذلك، وإن الشعوب المسلمة
-وفي القلب منها الحركات الإسلامية- تدرك جيداً ما يحاك للقضية وتعي جيداً
«السبيل» الأنجع للتعامل مع العدو لردعه وقهره ودحره بإذن الله.
وهنا يجدر بي أن ألفت الانتباه إلى أن جهاد
الجماهير العربية والإسلامية على امتداد تاريخ القضية الفلسطينية يمثل واحدة من
«عبقريات» تلك القضية التي حفظتها حية ساخنة ولو أن الجماهير سلمت بما تتخذه
الأنظمة من قرارات ومواقف أو وثقت فيما تتخذه من مسالك لماتت تلك القضية منذ زمن،
ولكن الوعي الجماهيري والضمير الشعبي العربي الحي كان السياج الاقوى الذي حفظها
حية حتى اليوم .